محمد عبد المنعم صالح
mmoniem855@gmail.com
يتجلى الوجود في عين المتأمل كلوحة عظيمة من المتناقضات الظاهرة مابين ليلٌ يتدثر بالغموض وسكينة النجوم، ونهارٌ يفيض بالنور والحيوية والتدفق.. قممٌ يغشاها الجليد في جغرافية ما ، وجداول تنساب بالخضرة والورود في مساحات أخري وحر شديد ومستوا من التصحر في أقاصي أخري ..
هذه الثنائيات التي نراها في الكون وفي أنفسنا ليست ساحة للصراع، بل هي انسجامٌ مطلق يكمل بعضه بعضاً.. فالأشياء بـأضدادها تتبين وتتجلى ، فلا يمكننا تذوق حلاوة النور دون عبور العتمة، ولا ندرك عمق السكينة إلا بعد فهم ضجيج العالم..
وهذا هو مايسمي ببرزخ التوازن ..
إن “الصراط المستقيم” الذي نطلبه في كل صلاة، ليس مجرد طريق جامد، بل هو خط الاستواء الدقيق والبرزخ الفاصل الذي يجمع ما بين ظاهر الوجود وباطنه .. بين جلاله وجماله.. إنه نقطة التوازن التام في قلب الإنسان، حيث يلتقي الليل والنهار، والخوف والرجاء، في سلام وتناغم مطلق..
الشجرة الراسخة في المنتصف تمثل هذه الروح المتصلة ..جذورها ثابتة في الأرض (عالم الأسباب)، وأغصانها ممتدة نحو السماء (عالم الغيب)، تستقبل النور والظلمة برضاء تام، لأنها تعلم أن كلاهما من مصدر واحد..
لكن طمأنينة العارفين حين تتحد الأضداد في وعيك، وتدرك أن كل تقلبات الحياة من شدة ورخاء، ومن غموض وتجلٍّ تسير بحكمة بالغة تهدف لترقية روحك وتطهير قلبك، يزول الخوف، وينبت مكانه الحب والسلام..
في تلك اللحظة النورانية، يدرك العقل حقيقة الوجود، فلا يملك القلب إلا أن يفيض بالامتنان والثناء الخالص، ويهتف من الأعماق: الحمد لله رب العالمين وكفي ..
mmoniem855@gmail.com
