ماذا يفعل الإمام .. مع هذا النظام

 


 

 


الإمام الصادق المهدي هو أحرى الناس بمعاداة نظام الإنقاذ الذي إقتلعه من سدة الحكم وهو على رأس عمله كرئيس وزراء منتخب بإجماع الشعب، وقد عايش الإمام كغيره من قادة الأحزاب مواقف عديدة كشفت عن مدى إخلال النظام بالإتفاقات وبالمواثيق وبالعهود، ورأى بأم عينه صنوف العذاب التي تعرض لها شعب السودان، وكان شاهداً بنفسه على المراحل التي تدهور عبرها حال السودان حتى وصل إلى هذا الدرك السحيق، وموقع الإمام يحتِّم عليه أن يقود المعارضة بعزيمة المظلومين وإصرار المناضلين ومن أجل السودان بأسره ويبقى هكذا حتى يموت أو يتحقق النصر المبين.

لقد لبَّى الإمام دعوة الرئيس البشير وذهب إلى قصر الضيافة تشدُّ من أزره جماهير كاسحة تتراكم في جوفها مرارات السنين، وتخفق مع وقع أقدامه ملايين القلوب التي تعاهدت على كنس الظالمين، وتفاوض مع البشير ممثلاً لحزبه فقط وهذا إقصاءٌ لبقية قوى الإجماع، وأنفضَّ اللقاءُ ريثما تنعقد اللجان للنظر في مطالب الإمام! وهكذا خرج الإمام من هذه المقابلة بواحدة من ألاعيب ومناورات النظام الرامية إلى خلخلة المعارضة وإشراكها من حيث لا تدري في جريمة تقسيم وإنهيار البلاد وتوريطها في أزمات الحروب والجوع التي عجزت عن مداواتها الإنقاذ.

إن كان الإمام قد ذهب إلى لقاء البشير متجرداً من المكاسب الحزبية الضيقة، ولم تكن تعتمل في صدره سوى مطالب الشعب وآمال وأحلام الملايين فلماذا إذن وافق على تسويف مطالب قوى الإجماع الأساسية وتسبب في إحباط الجماهير التي مكثت في إنتظاره على شفا الساحات ونواصي الشوارع وأبواب البيوت؟ ولماذا قَبِلَ أصلاً بهذه المناورة الساذجة وهو سيد العارفين ويعلم بأنها تهدف إلى تنفيس غضب الشارع الذي كاد أن ينفجر في وجه الجبروت؟ ولماذا تجاهل موعده مع الملايين التي كانت رهناً لإشارته عندما يحين الموعد المضروب؟ وما بال الإمام يصدِّق أكاذيب الإنقاذ والناس جميعاً قد باتوا يدركون أن النوايا الحسنة لم تعد هي الأسلوب الأمثل لإدارة الصراع مع هذا النظام؟

إن كانت للإمام خطةٌ لا نعلمها أو في جعبته سرٌّ لا ندركه، فهذا جائزٌ،  وليس لنا أن نسئ الظن دون دليل أو برهان، ولكن جلَّ ما سوف يجنيه الإمام من وثوقه وركونه لنوايا هذا النظام لن يساوي شيئاً قياساً بالإجهاز على إنتفاضة الشعب الذي بات متأهباً للخروج، ولن يساوي شيئاً قياساً بما سوف يُبْتلى به الإمام من نقص في جماهيره وتشويه لتاريخه السياسي وتشكيك في مصداقيته وقدرته على تخليص البلاد . .  وبشر الصابرين.

وبالرغم من سياسة فرق تسد التي بدأت في لعبها الإنقاذ مع قادة الأحزاب الكبيرة الذين عجزوا مراراً عن لملمة أطرافهم والتصدي لمواجهة هذا النظام، وبعيداً عن ركونهم لهذه السياسة وما تسببه من دمار لبنية الأحزاب وما تفرزه من غبن قد يطيح بما بينها من إجماع، علينا أن نذّكر بأن الساحة السودانية قد أفرزت جيلاً جديداً لن تُسْبِر غَوْرَه الإنقاذ، وبها ما يكفي من القيادات الفتية والمواطنين الشرفاء، وهؤلاء لن يهدأ لهم بال أو ينام لهم جفن حتى تتهاوى شركة الإنقاذ وتكنس كنساً إلى قاع ليس له غرار، والشعب السوداني ماضٍ في نضاله بمعية هذه الأحزاب أو بدونها، فآمال وطموح الشباب في سودان اليوم قد تجاوزت أصلاً هذه الأحزاب، وقلوبهم قد سئمت من أساليبها الملتوية وعدم قدرتها على إنتزاع البلاد من براثن هذا النظام.

إن نظام البشير ليس له في البلاد صليح، ودولياً أصبح مشلولاً وكسيح، تحاصره صرخات الجياع والمفصولين، وتلاحقه أرواح الشهداء ولعنات المنكوبين، فأجبر نفسه على دواء مرّ ما كان يطيقه لولا خوفه من الموت الزؤام، فقرر أن يتنازل عن سقف الإقصاء مجبراً وهو يخطط لإحتواء الحزبين الكبيرين علَّه يلتقط أنفاسه من جديد، وإن تمكن من ذلك في جبهة عريضة أو ضيقة فإن المشاركة معه ستكون مجرد إصطفاف في طوابير الإنقاذ لتنفيذ برامج المؤتمر الوطني، وهذا الإصطفاف لن يجدي نفعاً مع الأعراق والأديان والثقافات التي سوف تظل تنادي بوطن يتساوى تحت سقفه الجميع، فهل الحصول على مناصب في حكومة الإنقاذ هو قضية السودان التي من أجلها غضب الإمام وتوعد الإنقاذ وحشد من حوله آمال وأحلام الناس؟ وهل ستحقق هذه الجبهة العريضة وحدة الصف التي تحدثوا عنها عقب اللقاء في سودان ثلثه قد إنفصل وثلثه الآخر يحمل السلاح والثلث المتبقي يبحث عن طوق للنجاة ؟.

إن أهل الإنقاذ وإن نجحوا في ضم بعض الأحزاب وظنوا أنهم قد أصبحوا في مأمن من هذا الشعب الثائر المغبون، فإن هذه الأحزاب لن تفيدهم في نزع السلاح من الفصائل التي تقاتل من أجل الخلاص، ولن تساعدهم في رد المظالم لمن شردوهم أو أزهقوا أرواحهم في طول وعرض البلاد، ولن تعينهم على إطعام الشعب الذي سوف يقوده الجوع الكافر حتماً إلى الشوارع، دون إذن من أحد، في سيل كاسح لا يفرق بينهم وبين الذين إصطفّوا معهم، وإن بقيت الإنقاذ على هذا الحال فهي إنما تسرِّع الخطى نحو الزوال إما بالحرب أو بالإنتفاضة التي سوف تندلع من هول سياسات الإنقاذ وبسبب الإقصاء والجوع والغلاء، ويومها سوف ينتصر الشعب برغم أنف الإنقاذ ودونما حاجة لمن يتواءم أو يتلاءم مع أهل الإنقاذ.

مقدم ركن (م) محمد عثمان محمود

sadqabi@hotmail.com

 

آراء