الصادق حمدين
وفي هذا السياق يأتي تصريح مالك عقار، الذي نقلته صحيفة الراكوبة الإلكترونية عن قناة الجزيرة، ومفاده أن (الخيار حاليا هو الحسم العسكري ما لم تتوفر شروط جدية للتفاوض)، وأن الخرطوم تشترط انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية قبل بدء أي تفاوض.
هذا الكلام، في ظاهره، موقف سياسي. لكنه عند إخضاعه للواقع السوداني يصبح قائله: جِتّة منزوعة العقل.
والجِتّة، لمن استشكل عليه الفرق بين العامية والفصحى، هي الجثة، والمقصود هنا الجسم. وفي المثل الشعبي السوداني: “القلب كن غاب الجِتّة بالخراب”. أي أن القلب يأخذ محل العقل، فيأتي الإنسان فعلاً عكس المتوقع، فيزيد الأمر خراباً فوق خراب.
ولعل أبلغ ما يمكن أن يُستدعى في وصف مالك عقار هو ما قاله عنه الراحل المقيم الدكتور جون قرنق ديمبيور، عندما وصفه ساخراً: (لو رسلت مالك عقار يكتل دبيب، بيجيك جاري والدبيب مشربك في كرعينو.. ما تعرف تكتل الدبيب ولا تكتل مالك عقار). وهذه ليست مجرد نكتة سياسية قديمة، وإنما توصيف بالغ الدقة لعقلية سياسية حين تتولى معالجة مشكلة ما فتعود بالمشكلة نفسها وقد ازدادت تعقيداً، حتى يصبح الشخص والمشكلة عبئاً واحداً يصعب الفصل بينهما.
وها نحن نرى المشهد يتكرر أمام أعيننا. يخرج علينا قادة الحرب، من رأس هرم السلطة الكيزانية إلى أخمص “بوتها” العسكري، باللازمة ذاتها: لا خيار إلا الحسم العسكري. ثم يضيف السيد مالك عقار شرطاً آخر: لا تفاوض قبل أن ينسحب الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية.
لكن السؤال الذي لا يريد أحد أن يطرحه هو: وماذا بعد؟ هل يتصور أصحاب هذا الخطاب أن الدعم السريع سيستمع إلى البيان، ثم يسلم سلاحه، ويخرج من المدن، ويضع رقبته تحت مقصلة الحسم العسكري انتظاراً لما سيقرره المنتصر؟ أي عقل سياسي هذا الذي يراهن على أن أحد طرفي حرب ضروس سيمنح الطرف الآخر شروط انتصاره على طبق من استسلام غير مشروط؟
أي حسم هذا الذي يتحدثون عنه؟ الحسم العسكري ليس كلمة سحرية تُقال في المؤتمرات الصحفية فتتوقف الحرب. والحرب ليست مباراة كرة قدم لها صافرة نهاية يطلقها الحكم عندما تتقدم إحدى الفرق. الحرب السودانية أثبتت طوال سنواتها أنها كلما ظن طرف أنه اقترب من الحسم، ظهرت له جبهة جديدة، وانفتح عليه باب آخر من أبواب الجحيم.
والأكثر إثارة للسخرية أن خطاب الحسم العسكري يأتي في وقت لا تبدو فيه الوقائع الميدانية منسجمة بالضرورة مع الثقة المطلقة التي يتحدث بها أصحاب هذا الخطاب. فإذا كانت القوات المسلحة تواجه ضغوطاً وانتكاسات في جبهة النيل الأزرق وشمال كردفان، وإذا كانت قواتها قد تعرضت لتراجعات وتحركات باتجاه الدمازين، فكيف يستقيم سياسياً وعسكرياً أن تتحول هذه الوقائع إلى منصة لإطلاق شروط تفاوضية تبدو وكأن الطرف الآخر قد انهار تماماً؟ هنا تحديداً يتحول العجز عن قراءة الواقع إلى مشكلة سياسية.
أما أن يكون شرط التفاوض أن يتصرف الخصم أولاً كما تريد، وأن يتنازل عن أهم أوراقه، ثم تأتي أنت إلى الطاولة لتقرر شكل السلام، فذلك ليس تفاوضاً. ذلك هو انتظار الاستسلام وتسميته تفاوضاً.
والأخطر من ذلك كله أن أصحاب هذا الخطاب يتحدثون وكأن الشعب السوداني قد منحهم تفويضاً مفتوحاً لمواصلة الحرب حتى النهاية. أي شعب هذا؟ الشعب الذي دفن أبناءه؟ الشعب الذي هرب من بيته؟ الشعب الذي يعيش في معسكر نزوح؟ الشعب الذي فقد مصدر رزقه؟ الشعب الذي يقف بالساعات بحثاً عن لقمة أو جرعة ماء؟ أم الشعب الذي لم يعد يعرف إن كان غداً سيجد منزله قائماً أم سيصبح أثراً بعد عين؟
ملايين السودانيين لم يعودوا يسألون: من ينتصر؟ إنهم يسألون سؤالاً أبسط وأعمق: متى تنتهي الحرب؟ وهذا الفرق ينبغي أن يفهمه السياسيون قبل أن يفهمه العسكريون.
فالسوداني الذي فقد بيته لا يعنيه كثيراً اسم القوة التي دخلت الحي، والسوداني الذي فقد ابنه لا تعيد إليه الحياة بيانات الانتصار، والأم التي لا تعرف مصير ولدها لن تجد في عبارة الحسم العسكري عزاءً. لقد فاض الكيل، والمأساة أن بعض الساسة ما زالوا يتعاملون مع الحرب بمنطق البيانات والشعارات والعبارات الجوفاء، بينما الشعب يتعامل معها بمنطق الجوع والخوف والموت والنزوح.
وهنا يصبح السؤال عن مالك عقار أكبر من مالك عقار نفسه. هل هو يعبر عن رؤية شخصية؟ أم أنه ينطق باسم عقل سياسي كامل قرر أن يعيش داخل غرفة مغلقة، لا يسمع فيها صراخ السودانيين، ولا يرى طوابير النازحين، ولا يلمس الخراب الذي خلّفته الحرب؟
إذا كان الأمر كذلك، فالمشكلة ليست في مالك عقار وحده. المشكلة في الجِتّة منزوعة العقل من البرهان الحلمان إلى أصغر “بلبوس”. جِتّة تمشي، تتحدث، تعقد الاجتماعات، تصدر البيانات، لكنها فقدت أهم شيء يحتاجه السياسي في زمن الحرب: العقل الذي يزن النتائج قبل أن يطلق الشعارات.
لقد قال جون قرنق عبارته عن مالك عقار في سياق مختلف، لكن السياسة السودانية اليوم تعيد إنتاج معناها بصورة أكثر مأساوية: يذهب الرجل ليقتل “الدبيب”، فيعود والدبيب مشربك في كرعيه، فلا تعرف هل تحل مشكلة مالك عقار أم مشكلة الدبيب أولاً. والسودان الآن هو ذلك الدبيب الذي تشابكت أقدامه في أرجل الجميع.
فكفى استخداماً للشعب وقوداً لحرب لا يبدو أن أحداً قادراً على تحديد نهايتها. كفى بيعاً للوهم تحت عنوان الحسم. وكفى مخاطبة السودانيين وكأنهم ينتظرون انتصار طرف على طرف، بينما الحقيقة أنهم ينتظرون انتصار الحياة على الموت.
إن كان هناك طريق جاد إلى السلام، فليُفتح. وإن كانت هناك شروط تفاوض، فلتُطرح على الطاولة لا في المنابر. وإن كانت هناك جرائم، فليكن لها حساب وعدالة ومساءلة. أما أن نستمر في إشعال النار ثم نقول للشعب إن الطريق الوحيد هو الحسم، فهذه ليست سياسة. إنها وصفة دموية لإطالة المأساة.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الرجال الذين يأتون بالمشكلة مشربكة في كرعيهم. السودان يحتاج إلى رجال يعرفون كيف يفصلون بين الجِتّة والعقل، وبين الانتصار في معركة والانتصار للسودان. أما أن يكون العقل غائباً والقلب هو الذي يقود الجِتّة، فصدق المثل السوداني: القلب كن غاب الجِتّة بالخراب”.
Sent from Outlook for iOS
