ما أشبه الليلة بالبارحة مرة أخرى .. بقلم بروفيسور/ محمد زين العابدين عثمان – جامعة الزعيم الأزهرى

 


 

 

 

أن الأمم المستدركة لأمرها لابد أن تتعلم من تاريخها وتجاربها وتتذكر الأحداث التى أثرت عليه وعلى حياته ومساره، وألا لكانت أمة فاقدة للذاكرة وتعيد نفس التجارب السالبة التى أثرت على مجريات حياتها. وأن ما يحدث الآن فى الثورة السودانية يعيد نفس الأخطاء التى واكبت ثورتيه السابقتين فى أكتوبر1964م وأبريل 1985م وكان فشل تحقيق أهداف الثورتين وشعاراتهما. اقول أن ثورة 19 ديسمبر 2018م كانت نتاج لنضالات متطاولة ومتواصلة لشعبنا وقياداته ضد النظام الديكتاتورى الشمولى الذى دمر حياة الشعب السودانى وأوقف تطوره نحو الحريات الكاملة والديمراطية كتداول سلمى للسلطة بين مكونات شعبه فى أحزابه بمختلف رؤاهم السياسية والفكرية يتولى فيه الأمر من تفوضه الجماهير بالأغلبية البرلمانية. وثورة الشعب السودانى قد قامت بسبب التراكم العسفى لنظام الأنقاذ وتدهور حياتة شعبه الأقتصادية والمعيشية والصحية والتعليمية لأبنايه. وكانت وما زالت ثورة شعبية عفوية جماعية متقدمة على كل من يدعون أنهم مفجورها وأصحاب القدر المعلى فى حدوثها، وأن كان يحمد لهم اللحاق المبكر لها والعمل على تنظيمها وتوجيهها فهى ثورة شباب خالصة أستدركوا أن مستقبلهم قاتم أذا استمر نظام الأنقاذ فى الحكم وجمع بينهم الروح الثايرة على الظلم الذى تعرضوا له فى الجامعات والمدارس فى تعليمهم وتخرجهم من الجامعات وكأنهم فاقد تربوى ويرون من هم كانوا بينهم فى مختلف مراحل التعليم من منتسبى الأسلمويين وهم قليلى القدرات والذكاء والتحصيل العلمى وهم يتبوأون كل الخدمة المدنية. وأدى هذا التراكم الغاضب على عدم وجود العدالة والأنصاف لشباب الثورة التى نراها وكانوا يقولون نحن أموات الأحياء بسبب الأنقاذ، ولذلك كانت ثورتهم قد حددت مسارهم أما حياة كما يرجون وأما موتاً بشرف وطنى لا يدانيه شرف.

هذه المقدمة لكان ابد منها لنأتى لما نراه من سعى متواصل للهيمنة على هذه الثورة بلافتات مختلفة ذات مصب واحد لأيهام الشعب السودانى أن قياداتها هم الذين سيحققون لهم تطلعاتهم وطموحاتهم ولذلك كان الهجوم الكاسح واللا مبرر على الأحزاب السياسية وأنه لا تقاد الفترة الأنتقالية ألا بدون الأحزاب. وهذا منطق غريب وخاصة من تجمع المهنيين الذى جعل من نفسه أنه الوحيد القايد للثورة والمعبر عن طموحاتها وتحقيق شعاراتها فى محاولة لأقصاء الأحزاب السياسية وهى برغم ما فعله نظام الأنقاذ بها تبقى أساس أعمدة الديمقراطية والحكم الديمقراطى لأن ليس هنالك حكم ديمقراطى بدون أحزاب اللهم ألا أن كان هنالك مفهوم لتجمع المهنيين للديمقراطية والتبادل السلمى للسلطة بدون المكونات الحزبية و ما ترتضية جماهير الشعب السودانى عبر صناديق الأقتراع. وتجمع المهنيين هو تجمع نقابات مهنية مطلبية وبهذا المفهوم تعتبر مكونات شمولية فى حيز المطالب الوظيفية لأفرادها والعمل على ترقية المهنة لتؤدى دورها الصحيح من أجل عموم الشعب السودانى. ولذلك تكون كل نقابة محصورة فى تجارب ضيقة حسب مهنتها ولا تمتلك النظرة الشاملة لكل مقتضيات السياسة الشاملة والحكم والخطط الشاملة لكل مقتضيات الدولة. أما السياسي المهنى الذى ينتمى لمختلف الرؤى السياسية والفكرية فى الأحزاب السياسية هو الأكثر مقدرة على المساهمة والدفع لتحقيق طموحات شعبه. وليس هنالك نجاح لمن هو متعلم ومهنى لشخص يقول أنه محصور فى مهنته وفى مهنته فى مجال واحد من مجالات تلك المهنة مؤهل ليقود الوطن سياسياً وتنموياً لأن كل ذلك مربوط بالرؤى السياسية والفكرية. وأن هذا المهنى الغير منتمى سياسياً هو من لا يرجى منه لتولى قيادة البلاد لأنه سلبى وما كان يريد أن ينتمى لأن متطلبات الأنتماء الحزبى لها تبعات قد تكلف هذا المهنى روحه. لا يمكن أن يعقل أن نقول عن هذا كفاءة وعالم وهو لم يجد على طول الساحة السياسية من أقصى اليسار ومرورا بيسار الوسط والوسط ويمين الوسط وأقصى اليمين من يتوافق معه فى الرؤى حتى على الحد الأدنى. هذا فى رأيي شخص سلبى ولا يجب أن يؤكل اليه أدارة البلاد سياسياً وفكرياً. هذا المهنى فقط أو العالم فقط ساحته أن يؤدى دوره فى مهنته وتخصص علمه فى الخدمة العامة ومراكز البحوث وليس السياسة وأدارة الوطن لأنه غير مؤهل لهذا العلم لأنه خالى رؤى سياسية وفكرية وأيدولوجية. هنالك كثر من العلماء والمبرزون فى مجال علمهم ويحملون رؤى سياسية وفكرية وحزبية ولهم أدوارهم المشهودة فى الحراك الوطنى والنضال لتحقيق الحرية والديمقراطية. هؤلاء هم من أرى أنهم الأجدر لقيادة الوطن فى الفترة الأنتقالية ويكون بالتوافق بين كل القوى السياسية والفكرية وبعد الفترة الأنتقالية الشعب السودانى هو الفيصل يقدم من يقدم ويؤخر من يؤخر.
ما أشبه الليلة بالبارحة فنحن ما زلنا نكرر فى تشكيل قيادة الفترة الأنتقالية بنفس التفكير الذي ساد بعد ثورتى أكتوبر وأبريل بأن تكونت حكومة الفترة الأنتقالية بما يسمى تجمع المهنيين من نقابات وأتحادات وغيرها. فكانت جبهة الهييات بعد أكتوبر وكلها من المهنيين وكان مهيمناً عليها اليسار برغم أنه يمثل مكون من ناحية التفاف جماهير الشعب السودانى قليل وبدأوا ينفذون فى أجندتهم وكان على رأسها التطهير فى الخدمة المدنية مرتكزة فقط على الصراع السياسي وجاءوا ومارسوه أيضاً بعد أنقلابهم فى 25 مايو 1969ما لى أن ثارت عليهم الجماهير وتم تعديل حكومة سرالختم الخليفة الأولى الى حكومة سر الختم الثانية وما ذلك الا لأن جبهة الهييات هيمن عليها اليسار وعلى قمته الحزب الشيوعى. وجاءت ثورة أبريل وأيضاً شكلت من المهنيين وهيمن عليها اليمين وعلى رأسهم الأخوان المسلمين بمختلف مسمياتهم ورتبوا الفترة الأنتقالية بما يجعلهم ثالث قوى برلمانية وهم الذين كانوا لآخر لحظة من سدنة النظام المايوى الذى ثار عليه الشعب وأسقطه. وهذا ما جنته الحكومات الأنتقالية بعد الثورات وهى التى أدت بذلك المفهوم على ظهور فترة الديمقراطية الضعيفة لعدم أدراك تلك الحكومات الأنتقالية للرؤى الواسعة لمكونات الشعب السودانى وقيمه وتقاليده لأنهم كانوا منغلقين بأيدولوجيات حتى الآن لم تغور داخل وجدان شعبنا. وتجمع المهنيين الذى يهيمن على مجريات الثورة هو أيضاً بمثابة جبهة الهييات بعد ثورة أكتوبر 1964م ومعظم قياداته هم أصحاب خلفيات يسارية أأنكروا أو تخفوا فالشعب السودانى مجتمع وشعب مفتوح ويعرفون بعضهم البعض جيداً وخاصة الذين ساروا فى مجال التعليم من المدارس المتوسطة ومروراً بالثانويات وأنتهاءاً بالتعليم الجامعى. ولذلك لابد للأضلاع الثلاثة الباقية فى قوى الحرية والتغيير ألا يسمحوا لضلع واحد لتوجيه مسار الثورة والفترة الأنتقالية وهم الذين يمثلون الأحزاب والذين ظلوا يناضلون منذ يوم أنقلاب الأنقاذ الأول وحتى الآن وهؤلاء يمثلون الأغلبية فى قوى الأجماع الوطنى ونداء السودان والتجمع الأتحادى المعارض وبعض الأحزاب الأخرى التى وقعت على أعلان الحرية والتغير وغير منضمين لهذه المجموعات الثلاثة. ومهما يكن من أمر فأن نقابات المهنيين على مدى الثلاثين عاماً للأنقاذ لم نرى لهم نضالاً متواصلاً ضد الأنقاذ وقد تم حل نقاباتهم وأستكانوا اللهم الا الأطباء الذين وقفوا وأنتزعوا نقابتهم وشكلوا نقابة موازية لنقابة الأطباء المدجنة وكذلك نقابة أساتذة جامعة الخرطوم الذين كونوا نقابتهم الشرعية وفرضوها على أدارة جامعة الخرطوم وكذلك نقابة المحامين مؤخراً أما غيرها فلم نسمع لهم ركزاًز هذا ما تعود اليسار أن يدخل به على العمل السياسي بكثير من اللافتات عن طريق النقابات لمحاولة الهيمنة على التغيير وهذا ما فعلوه فى جبهة الهييات ويحاولون تكراره الآن. وهم أيضاً بكثرة هذه اللافتات هيمنوا على التجمع الوطنى الديمقراطى بكثرة لافتات النقابات من معلمين لمهندسين وعمال ومحامين ولم يكن لهم إى تفويض من قاعدة هذه النقابات بدون أن نذكر الأشخاص. فكان 80% من قيادة التجمع الوطنى الديمقراطى ومن فوقهم ديكور السيد محمد عثمان الميرغنى ومبارك الفاضل المهدى على أنهما يمثلان أكبر حزبين جماهيريين وحتى هؤلاء لم تفوضهم أجهزتهما التنظيمية الحزبية. وهذا التجمع الوطنى الديمقراطى هو الذى أوقف الحراك الثورى لأسقاط النظام فى سنينه الأولى لأنهم أوهموا الشعب السودانى أنهم سيسقطون النظام عسكرياً من أسمرا. وقد قاطعنا نحن الحزب الأتحادى الديمقراطى - الأمانة العامة التجمع الوطنى الديمقراطى ونقدنا تكوينه أذ كيف يتم الجمع بين نظرية ديمقراطية وهى الأحزاب ونظرية شمولية هى النقابات والحركة المسلحة. فقلنا اما أن يكون التجمع فى شكل جبهة وطنية من كل الأحزاب السودانية وقد جربنا هذا الأسلوب مع النظام العسكرى الأول والثانى وأما أن يتكون من النظرية الشمولية النقابات والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق. وقلنا انك اذا افرغت الحزب من منظمات المجتمع المدنى من نقابات وأتحادات فماذا تبقى ما يقال عنه حزب عندما تخرج منه العمال والزراع والرعاة والمهنيين فلن يبقى به الا شيخ الطريقة الصوفية والذى هو بأى حال من الأحوال ليس مجاله العمل السياسي وأنما الدينى بالتوجيه والأرشاد.
أن الذين يتظاهرون ويعتصمون حول القيادة العامة للجيش أغلبهم من جماهير الأحزاب وشباب وطلاب الأحزاب الذين ظلوا يقودون نضالات على مدار عمر الأنقاذ فى جامعاتهم وفى صراع وصل حد أسالة الدماء مع طلاب ومرتزقة الأنقاذ فى المؤتمر الوطنى وهم الذين كانوا أكثر سجوناً وتعذيباً فى فترة حكم الأنقاذ والآن مقصيين بتجمع المهنيين الذى ظهر أخيراً فى حين ظل المهنيون نواماً على مدى 28 عاماً من عمر الأنقاذ. حتى الآن تجمع المهنيين هو تنادى أفراد مهنيين فرضوا أنفسهم أنهم يمثلون مختلف نقابات المهنيين على طول البلاد وعرضها. أنا شخصياً لا أعرف نقابة أو اتحاد يمثل قاعدته فى تجمع المهنيين هذا غير نقابة الأطباء والمحامين واساتذة جامعة الخرطوم الذين شكلوا نقاباتهم الموازية لنقابات الأنقاذ المعروفة بنقابات المنشأة وقد أنتخبوا ديمقراطياً من قاعدتهم.
أختم وأقول أذا أردنا أن نحفظ وطننا ونرتقى به يجب أن نتخلى خلال هذه المرحلة من أسلوب الأستحواذ والهيمنة وفرض الرؤى على الآخرين. وتجمع المهنيين ليس الذى يجعل من نفسه أنه هو القايد الوحيد أو صاحب الدور المعلى. وكما قلت سقوط الأنقاذ حدث ليس فقط بوقفة الشعب خلال الأربعة أشهر الماضية وأنما تراكم نضالات طويلة وشاقة قامت به الأحزاب بكل مكوناتها. وأن ألأسلوب الداير الآن بالهجوم على الأحزاب والأنتقاص من أدوارها وتحميلها فشل النظم الديمقراطية مجحف ولا يخرج الا من شموليين يعلمون جيداً أنهم قلة ولذلك يريدون الهيمنة على المسرح السياسي. أن فترة العامين أكثر من كافية لأزالة آثار نظام الأنقاذ وكنسه ومحاسبة كل مفسدية وأستعدال الخدمة المدنية وكافة مناحى الحياة أذا كان من يقودون الفترة الأنتقالية جادين ولهم رؤية سياسية وفكرية ثاقبة. هنالك أشياء لا تحتاج لمطاولات وتحسم بالحزم الثورى. فالدستور الذى كان سايداً فى مرحلة الديمقراطية الثالثة الذى أدى العسكريون القسم عليه بعدم التعدى على النظام الديمقراطى والقانون الملحق به كل من يغوض النظام الديمقراطى أذا كان عسكرياً يحكم عليه بالأعدام رمياً بالرصاص مع مصادرة الأموال والممتلكات وهذا هو الحكم على العسكريين فى الجيش السودانى الذىن قاموا بالأنقلاب. ويتم أيضاً الحكم بالأعدام على الذين لبسوا اللبس العسكرى وشاركوا فى الأنقلاب من المدنيين وهم معروفون فهؤلاء الحكم عليهم بالأعدام شنقاً مع مصادرة الأموال والممتلكات. وكذلك يتم الحكم على أعضاء مجلس شورى الجبهة القومية الأسلامية كلهم الذين أجازوا الأنقلاب وعملوا على تحقيقه بأزرعه من الضباط فى الجيش أن يحمكم عليهم بالسجن المؤبد مع مصادرة الأموال والممتلكات. وهذا هو السبيل الوحيد الذى سيخرجنا من الحلقة الجهنمية بتاعت العسكر ونكون قد دفنا عفى الله عما سلف الى الأبد ليجد كل مخطي جزاءه الذى يستحقه. وما زلت أوجه ندايي للقوى السياسية التى كانت تعارض الأنقاذ أن تقوم بدورها وأن تنأى بنفسها عن الصراع فى هذه المرحلة والصراع متاح بعد الفترة الأنتقالية. ويقينى أن فترة المعارضة الطويلة لنظام الأنقاذ جعلت المشترك بينهم أكبر بكثير من المختلف عليه.



mohamed.z.osman1950@gmail.com

 

آراء