ما بعد الاتفاق… لماذا لا يكفي السلام لصناعة الدولة؟
قراءة نقدية في دراسة Teresa Whitfield (2026)
*Beyond the Deal? Rethinking Statebuilding Amid Conflict Fragmentation and Transactional Peacemaking
بقلم الكاتب :د.صلاح احمد الحبو
«قد يوقف الاتفاق السياسي الحرب، لكنه لا يبني الدولة؛ والدولة التي لا تُبنى تعود إليها الحرب بأشكال جديدة.» هذه العبارة، وإن لم ترد بنصها في دراسة تيريزا ويتفيلد، تلخص أطروحتها المركزية التي تعيد تعريف سؤال بناء السلام في عالم تتزايد فيه النزاعات تعقيداً وتتراجع فيه فعالية نماذج التسوية التقليدية.
تكمن أهمية الدراسة في أنها تنقل النقاش من الاتفاق السياسي إلى الدولة ذاتها. فبينما انشغلت أدبيات بناء السلام لعقود بتصميم اتفاقات تقاسم السلطة وصياغة الدساتير الانتقالية، تطرح ويتفيلد سؤالاً أكثر جوهرية: لماذا تتكرر الحروب رغم نجاح الوسطاء في الوصول إلى اتفاقات سلام؟ وتجيب بأن الأزمة ليست في نقص الاتفاقات، بل في غياب الدولة القادرة على تحويل تلك الاتفاقات إلى نظام سياسي مستقر. ولذلك تؤكد أن «مشكلات الدولة لا تزال تمثل أحد المحركات الرئيسة للنزاعات المسلحة، ومع ذلك نادراً ما تصبح طبيعة الدولة نفسها موضوعاً للتفاوض أو محوراً لاتفاقات السلام» (Whitfield, 2026, p.1). beyond-the-deal.pdf
وتنطلق الدراسة من نقد واضح لمسار بناء السلام بعد الحرب الباردة، حيث افترضت المقاربات الليبرالية أن إعادة توزيع السلطة وإنشاء مؤسسات جديدة كفيلان بإنتاج دولة مستقرة. غير أن التجارب الممتدة من أفغانستان إلى ليبيا واليمن والسودان أثبتت أن الاتفاقات قد توقف القتال، لكنها لا تعالج هشاشة المؤسسات ولا تعيد إنتاج الشرعية. ولهذا ترى ويتفيلد أن «موضوع الدولة نادراً ما يكون محوراً لمفاوضات السلام، وأن بناء الدولة فقد كثيراً من زخمه في الممارسات الدولية الراهنة» (Whitfield, 2026, p.4). beyond-the-deal.pdf
وتكمن القيمة العلمية للدراسة في أنها تعيد الاعتبار للمؤسسات العامة بوصفها محور الاستقرار السياسي، وتنقل مركز الاهتمام من شرعية الاتفاق إلى شرعية الدولة. فنجاح التسوية لا يقاس بوقف إطلاق النار أو تشكيل حكومة انتقالية، بل بقدرة المؤسسات على إدارة التنافس السياسي في إطار من الشرعية وسيادة القانون. وفي هذا السياق تستحضر الدراسة الأدبيات الأممية التي تعد المؤسسات الضعيفة أو الإقصائية من أهم دوافع العنف، وتربط بناء السلام ببناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة (Whitfield, 2026, p.3). beyond-the-deal.pdf
غير أن الدراسة، على عمقها، لا تخلو من ثغرات نظرية. فهي تنتقد بحق محاولات تصدير النموذج الغربي لبناء الدولة، لكنها تظل أسيرة تصور مؤسسي يفترض أن إصلاح الهياكل الدستورية يمكن أن يقود إلى الاستقرار. بينما تكشف الخبرة المقارنة أن المؤسسات لا تعمل بقوة النصوص، بل بقوة الشرعية الاجتماعية والثقة العامة والثقافة السياسية التي تحميها. ولذلك تبدو إشارة الدراسة إلى أليكس دي وال من أكثر أجزائها عمقاً؛ فهو يدعو إلى دراسة الدول الخارجة من النزاعات «كما هي بالفعل، لا باعتبارها نماذج ناقصة لما ينبغي أن تكون عليه»، مع فهم شبكات النفوذ و«السوق السياسية» التي تتحكم في توزيع السلطة والثروة (de Waal, cited in Whitfield, 2026, p.4). beyond-the-deal.pdf غير أن الدراسة لا تمنح هذا البعد السياسي الوزن نفسه عند تقديم بدائلها العملية.
وتبرز الحالة السودانية بوصفها التطبيق الأكثر وضوحاً لهذه الإشكالية. فالسودان لم يعرف أزمة في عدد الدساتير، بل في قدرة الدولة على حمايتها. ولذلك لم يكن الخلل في النصوص، وإنما في غياب مؤسسات مستقلة وقادرة على فرض سمو الدستور على موازين القوة. ومن ثم فإن إعادة إنتاج الاتفاقات الثنائية أو ترتيبات تقاسم السلطة لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج أسباب الحرب، ما لم تقترن بإعادة بناء الدولة ذاتها. وهذا ينسجم مع ما تؤكد عليه ويتفيلد من أن الاتفاقات الجزئية قد تخفف العنف، لكنها لا تعوض غياب المؤسسات العامة القادرة على إدارة السلام واستدامته (Whitfield, 2026, pp.6–9). beyond-the-deal.pdf
ومن هنا يمكن، في تقديري، تطوير أطروحة ويتفيلد بإضافة مفهوم «الدولة المقاومة للانهيار» (Resilient State)، الذي يتجاوز بناء المؤسسات إلى بناء قدرتها على الصمود أمام الأزمات. فنجاح الدستور لا يقاس بقدرته على تنظيم السلطة في الظروف الطبيعية، بل بقدرته على حماية الدولة عندما تتفكك التوافقات السياسية. وهذا يقتضي التعامل مع الرأسمال المؤسسي—الثقة العامة، واستقلال القضاء، وحياد الإدارة، ووحدة المؤسسة العسكرية—بوصفه أصلاً سيادياً لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية، لأنه يمثل الضامن الحقيقي لاستمرار الدولة.
وتخلص دراسة ويتفيلد إلى أن السلام المستدام لا يتحقق بمجرد الوصول إلى اتفاق، بل بإعادة بناء المؤسسات العامة في ظل النزاع وبعده. غير أن التجربة السودانية تضيف درساً أكثر عمقاً: فالمؤسسات ليست مجرد مخرجات للسلام، بل هي شرط سابق له. فالحروب لا تبدأ عندما يفشل الدستور، وإنما عندما تفشل الدولة في حمايته. ومن ثم فإن مستقبل بناء السلام لن تحدده جودة اتفاقات التسوية بقدر ما ستحدده قدرة الدول على إنتاج مؤسسات شرعية ومرنة وقادرة على مقاومة الانهيار، لأن الاتفاق قد يوقف الحرب، أما الدولة وحدها فهي القادرة على منع عودتها.
هامش: تيريزا ويتفيلد باحثة أولى في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (International IDEA)، متخصصة في الوساطة الدولية وبناء السلام. صدرت هذه الدراسة عام 2026 ضمن سلسلة المعهد حول إعادة التفكير في بناء الدولة في سياقات النزاعات المتشظية.
habobsalah@gmail.com
