وجدي كامل
مع تصاعد الهجوم، وتوالي الضربات في قلب بيروت، وارتفاع الدخان فوق الحدود الجنوبية للبنان، يراقب العالم مشهداً مألوفاً من الدمار. غير أن ما يجري لا يمكن اختزاله في كونه مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله، ولا في فشل جولة جديدة من الدبلوماسية في احتواء التصعيد. فخلف هذا المشهد، يتشكل تصدّع أعمق، يمسّ مرحلة سياسية كاملة في العالم العربي.
هذه ليست مجرد حرب، بل لحظة انكشاف تاريخي. لحظة تقترب فيها بعض تجارب الإسلام السياسي، كما تجلّت في نماذج محددة، من نهاياتها العملية. والنتيجة التي تتكرر في أكثر من سياق تبدو واضحة: إضعاف الدولة، وتآكل العقد الاجتماعي، وفتح المجال أمام دورات متجددة من العنف وعدم الاستقرار.
في كثير من هذه التجارب، سعت هذه المشاريع إلى فرض رؤيتها ضمن أطر أيديولوجية مغلقة. وفي بعض الحالات، تم ذلك عبر العنف أو من خلال تقويض مؤسسات الدولة القائمة. وقد أدى ذلك إلى تجاهل تعقيدات الواقع الاجتماعي وتعدديته، وإلى تقييد المجال العام باسم مشروع سياسي كلي.
في لبنان، اتخذ هذا المسار شكلاً خاصاً، عبر التأثير على القرار السيادي وإضعاف الدولة من داخلها. ولم يعد هذا التأثير محصوراً في الإطار الوطني، بل أصبح جزءاً من شبكة إقليمية أوسع. فالنموذج الذي يتجلى في لبنان، من خلال ارتباط فاعل عسكري-سياسي ببنية إقليمية تقودها إيران، يجد ما يشبه صداه—ولو بصورة مختلفة—في السودان. إذ تشير معطيات متزايدة إلى تقاطع بين بعض مراكز القوة داخل الدولة السودانية وشبكات دعم إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها على البحر الأحمر، بما يحوّل الصراع الداخلي من أزمة وطنية إلى جزء من توازنات إقليمية أشمل.
وفي السودان، ظهر هذا المسار في تجربة حكم مباشرة تركت آثاراً عميقة على بنية الدولة. ولا يمكن تجاهل أن بعض هذه التجارب استفادت—بدرجات متفاوتة—من نماذج سابقة في المنطقة، حيث جرى تطوير صيغ تجمع بين العمل العسكري والتنظيم الأيديولوجي. وهي صيغ أثبتت قدرتها على الصمود في سياقات معينة، لكنها في المقابل ساهمت في إضعاف احتكار الدولة للعنف المشروع، وخلقت ازدواجية في السلطة، كما هو الحال في تجارب معروفة في الإقليم.
والنتيجة في الحالتين بدت متقاربة، وإن اختلفت المسارات. ففي الحالتين، لم تعد بعض هذه الحركات تعمل فقط ضمن حدود الدولة، بل باتت جزءاً من تصورات استراتيجية عابرة للحدود، تقوم على بناء ما يمكن وصفه بـ”العمق الاستراتيجي”. وهو تصور يهدف إلى خلق مساحات نفوذ موازية للدولة الوطنية، تمتد عبر جغرافيا متعددة، وتُستخدم في إدارة الصراع مع خصوم خارجيين. غير أن هذه المقاربة، وإن بدت فعالة عسكرياً في المدى القصير، غالباً ما تأتي على حساب استقرار الدولة نفسها، وتدفعها إلى مزيد من التفكك الداخلي.
غير أن ما يلفت النظر اليوم هو أن الزمن السياسي نفسه قد تغيّر. لم يعد السؤال يُطرح بصيغته القديمة: “مع من تقف؟”، ولم يعد الانقسام الحاد “معي أو ضدي” قادراً على تفسير ما يحدث. كما أن هذه التحولات لم تعد تُقرأ فقط من الداخل، بل باتت موضع إعادة تقييم من قبل الفاعلين الدوليين. إذ تنظر قوى كبرى إلى تزايد حضور هذه الشبكات الأيديولوجية-العسكرية باعتباره تهديداً مزدوجاً: من جهة، يعرقل استقرار الدول، ومن جهة أخرى يفتح المجال أمام خصومها الإقليميين لتعزيز نفوذهم. وهو ما يفسر تصاعد أنماط جديدة من الضغوط، تتراوح بين العقوبات الاقتصادية، والعزلة الدبلوماسية، وصولاً إلى التدخل غير المباشر في مسارات الصراع.
بدلاً من ذلك، يتجه الوعي العام—ولو ببطء—نحو البحث عن مخرج عملي يضع في مركزه قضايا الأمن، والاستقرار، والتعليم، والصحة، والحريات.
هناك عالم يتلاشى، بينما يتشكل في الأفق عالم آخر. وهذا الصمت النسبي في الشارع العربي ليس محض مصادفة، بل يعكس تحوّلاً داخلياً عميقاً. فالكثيرون لم يعودوا ينظرون إلى الصراع من زاوية الشعارات الكبرى وحدها، بل باتوا يرونه صداماً بين مسارين: أحدهما يعيد إنتاج الهيمنة الأيديولوجية، والآخر يحاول تأسيس استقرار قابل للحياة.
وليس من المصادفة أن تجد مأساة لبنان صدىً مباشراً في الواقع السوداني. فقد عبّرت ثورة ديسمبر 2018 عن إرادة شعبية لاستعادة الدولة بعد عقود من هيمنة مشروع ذي طابع ديني-سياسي. غير أن الحرب الراهنة، بما تحمله من نزوح واسع وانهيار في الخدمات الأساسية، تُظهر كلفة هذا الإرث بوضوح، وتكشف هشاشة المراحل الانتقالية حين تبقى أسئلتها الكبرى دون حسم. ويزداد هذا التعقيد حين يتقاطع الصراع الداخلي مع حساسيات دولية متصاعدة، خاصة في ظل أي انفتاح على محاور إقليمية مثيرة للجدل. ففي مثل هذه الحالات، لا يعود النزاع شأناً محلياً فحسب، بل يتحول إلى نقطة جذب لضغوط خارجية، قد تعمّق من عزلة الدولة وتحدّ من فرص التسوية السياسية.
في كلٍ من بيروت والخرطوم، يتكرر مشهد واحد: مجتمعات مدنية، في غالبيتها مرهقة وفقيرة، عالقة بين قوى تقدّم صراعات السلطة على بقاء المجتمع ذاته. وبالنسبة للفئات الأشد هشاشة، لا يكون النزوح مجرد انتقال مؤقت، بل خسارة شاملة—للأمان، ولوسائل العيش، وللذاكرة أيضاً.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن دروس التاريخ. فقد لم يصبح التقدم في التجربة الأوروبية، منذ قرون، ممكناً إلا بعد إعادة تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة، وإنهاء احتكار المجال العام باسم المرجعية الدينية. واليوم، يواجه العالم العربي أسئلة مشابهة، تتعلق بضرورة إعادة تعريف هذه العلاقة بما يضمن حياد الدولة، ويحمي المجال السياسي من التوظيف الأيديولوجي للدين.
في هذا السياق، يتشكل تدريجياً وعي جديد لدى قطاعات من النخب والجيل الصاعد، يقوم على أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا على أسس مدنية، حرة، وديمقراطية. وهذا التحول لا يعني إقصاء الدين من المجال الاجتماعي، بل إنهاء توظيفه كأداة للهيمنة السياسية.
إن الانتقال من الشعارات إلى أجندة وطنية عملية—تركّز على الاقتصاد، والتعليم، والاستقرار—لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة تاريخية.
ورغم حجم الدمار، يلوح في الأفق أمل مختلف. ويتمثل هذا الأمل في جيل جديد أكثر اتصالاً بالعالم، يمتلك أدوات المعرفة، ويكسر احتكار السرد، ويعيد تشكيل الوعي العام عبر قوة الصورة والتوثيق.
تتسارع الأحداث في لبنان والسودان، لكن التحولات الأعمق تجري بهدوء. فإرادة الخروج من أسر الصراعات الأيديولوجية تتنامى، حتى وإن بدت متعثرة في ظاهرها.
وفي نهاية المطاف، لن يكون التغيير مجرد نتيجة لموازين القوة على الأرض، بل ثمرة لتحول في الوعي ذاته. وحين تبدأ المجتمعات في إعادة النظر في المسلمات التي حكمت مسارها طويلاً، فإنها تفتح الباب أمام أفق جديد—أفق تتقدّم فيه قيمة الإنسان على أي مشروع آخر.
wagdik@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم