ما سكتت عنها الألسنُ والاقلامُ حول المواجهة المسلحة بين حميدتي و البرهان !

 


 

 

انشغل الشارع السوداني هذه الأيام بحدثٍ أنساه ضنكَ العيش وشظفه الذي ظل يئن من وطئته لوقت ليس بالقليل.
حدثاً أشبعه الخبراءُ تحليلاً وتعليلاً وتأويلاً، بل ذهب الحال بالبعض إلى أبعد من ذلك حينما سمعوا تلك التصريحات التي ما برحت تخرج من هنا وهناك، فهجموا على السلع الأساسية في الأسواق شراءً وتخزيناً.. تحسُباً لأي طارئ قد يطرأ فتنقطع السبل، وتتيبس الأمعاءُ جوعاً إن لم تخترقها رصاصات الجنرالين المتنازعَين.
إذ أن حالة التأهب العسكري والاحتشاد الملحوظ لكل من القوات المسلحة وربيبتها الدعم السريع بالعاصمة السودانية، الخرطوم، قد أثارت موجة من الهلع وسط المتابعين، في ظل ضبابية ما ستؤول إليه الأوضاع في السودان في حالة نشوب معارك بين المعسكرين عالتي التسليح والعتاد العسكري التي كانت -ولا زالت- مصوبة عتادها نحو صدور ورؤوس الشعب السوداني، قبل وبعد إختفاء رأس النظام المتواري عمر حسن أحمد البشير، لكونها ذات العصابة القاتلة، الناهبة، الحارقة، المغتصبة التي استخدمها حزبُ المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، لتقوم بارتكاب أبشع جريمة يشهدها العقدان الأولان من القرن الواحد والعشرين، بحق مواطنين عُزل لا حول لهم ولا قوة أمام هول ما حلت بهم على حين غفلة.

*سُؤالٌ واحدٌ ظَلّ يدور بخُلد الشعب السوداني هذه الأيام دون توقف.. هو، هل ستحدث مواجهة مسلحة بين حميدتي و البرهان؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال، اسمح لي عزيزي القارئ أن أعود بك تسعة عشر عاما إلى الوراء لتستنبط من خلالها الإجابة الشافية لهذا السؤال الملحاح.
ففي العام 2004 كان السيد عبد الفتاح البرهان يجول بوديان وأحراش مناطق جبل مرة، في إقليم دارفور، ممتطياً ظهر بعيره، و خلفه جيش جرار من مليشيات الجنجويد التي تطورت لاحقاً لتكتسب إسم حرس الحدود، والتي أخذت تتخلق في عدة أطوار إلى أن وصلت إلى طور الدعم السريع.
كان دور البرهان هناك هو الإشراف والدعم والتدريب والتمويل، والأهم هو القيام بتوجيه تلك المليشيات للقيام بحملات التطهير العرقي على النحو الذي تم التخطيط له من قبل الحكومة المركزية. فكانت له مطلق الصلاحيات لتعيين من شاء وترقية من يشاء، ورفض من يشاء.. حتى وصل به الحال أن أعلن للملأ بأنه ربٌّ لأحد المكونات العرقية العريقة في دارفور.
مع العلم أن معيار البرهان في ترقية قادة مليشياته يستند إلى مدى وحشية الفرد المليشي في البطش بضحاياه، فكلما كان الشخص نهّاباً سفّاكاً جزّازاً للرقاب؛ كلما كان إلى القيادة أقرب وأولى بالترقية من غيره.. وعلى هذا النهج سطعت نجوم قادة مليشيات الجنجويد، امثال موسى هلال، حميدتي، على كوشيب، على تكروم الذي اضطرت أجهزة المخابرات العسكرية لتصفيته بعد أن عض اللجام في العام 2013 وحاول الخروج عن دائرة ما هو مخطط له... لتتسبب تصفيته في إندلاع معركة شرسة بين تلك المليشيات وقوات الاستخبارات العسكرية في أواخر يونيو ومطلع يوليو من العام نفسه داخل مدينة نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور.

* إن تلك المعركة التي أعقبت مقتل القائد المليشي المراهق علي تكروم، والتي قضت على عدد غير معلوم من الطرفين، كشفت للنظام المتواري مدى خطل قراره القاضي بتمليش وتسليح أفراد قبليين من خارج المؤسسات العسكرية، ومدى خطورتها عليهم قبل خطورتها على البلاد والعباد.
فكانت السبب المباشر في جلوس قيادة القوات المسلحة وحتى البرلمان لإعادة النظر حول تلك المليشيات، وإعطاءها صفة تجعلها أكثر رسمية، بإدخالها تحت عباءة القوات النظامية حتى تسهل السيطرة عليها..
ومن تلك الجلسة، تولدت فكرة الدعم السريع، وهي ذات المكونات القبلية المذكورة، بإضافة بعض أفراد الاستخبارات العسكرية للقيام بدور الإشراف على تنفيذ المخططات حسبما يريدها المركز، أبرزها القضاء على الثوار بإقليم دارفور، وتهجير قرى المواطنين المغضوب عليهم، لتحل محلهم مكونات قبلية غير مغضوب عليها.

* ظل السيد عبد الفتاح البرهان طوال هذه الفترة العراب الحقيقي لمليشيات الجنجويد، ولم يكن ظهوره عقب الاطاحة بالبشير ورفض الشارع لوزير دفاعه ابن عوف، والاتيان به لإلباسه ثوب القائد العسكري المعتدل؛ إلا واحد من فصول تلك المسرحية المُعدة سلفاً للالتفاف على الثورة والقضاء عليها بذات المليشيات التي ساهم -البرهان- في صناعتها وتربيتها.
وهو ما يجعلني أجزم بأنه ستكون هناك مواجهة مسلحة بين القوات المسلحة وربيبتها الدعم السريع، لأسباب مشابهة لتلك التي حدثت في الجزء الجنوبي الشرقي بمدينة نيالا، أي بعد وقوع سلسلة من التصفيات الجسدية لبعض المؤثرين..
لكن لن تحدث تلك المواجهة قبل احتواء الثورة السودانية بشقيها العسكري والمدني لكونها العدوة اللدود للعسكر ومليشياته.
لأن القوات المسلحة ومليشياتها تعلم بأن الثورة السودانية ستحاكم المجرمين منهم وتسوقهم إلى مصيرهم المحتوم، حتى لو اضطرت الثورة لتجاوز بعض قادتها المنبطحين اللاهيثن وراء مصالحهم الذاتية، اللاعقين لبوت العسكر ومليشياته.. فهي تعلم حتمية حدوث ذلك، طال الزمن او قُصر.
وهو ما يجبر الطرفين على تجاوز جميع خلافاتهما، هذا ان كان هناك خلاف أصلاً.
* إن ما يبدو للعيان حتى الآن من قُرب أوان إندلاع نزاع بين القوات المسلحة ومليشيات الدعم السريع؛ ما هي إلا فصل من فصول سيناريو اللجنة الأمنية الرامية إلى القضاء على الثوار المدنيين والمسلحين على حد سَواء، سِواء كان ذلك عن طريق الإيحاء للشعب السوداني والمراقبين الدوليين بأن السودان على شفا حفرة من نار حربٍ ضروس، لجعلهم يتقبلون فكرة استمرارية الحكم العسكري بما هو عليه، وسد أبواب الحديث عن قيام حكومة مدنية أو أي وجود للثوار في السلطة؛ أو عن طريق افتعال نزاع لتسميم الأوضاع الأمنية وإثارة أغبِرة يتم من خلالها القضاء على رؤوس الثورة في تلك الأجواء العكرة، ومن ثم العودة إلى طبيعتها بعد أن تضمن استبعاد كل من تراها مهدد لعسكرة السلطة وتمليشيها.

وغداً ستكشف الأيامُ ما سكتت عنها الألسنُ والاقلامُ

أحمد محمود كانِم

20 مارس 2023

amom1834@gmail.com

 

آراء