النور حمد
لقد عاشت مختلف الكائنات الحية، وربما بلا استثناء، فيما يمكن أن نسميه مجتمعات منظمة. والسبب في ذلك أن هم الكائن الحي، ابتداءً بالحشرة وانتهاء بالإنسان، هو حماية النفس من الهلاك. والجماعة تعين الفرد على البقاء إ توفر له قدرًا من الحماية. فالفرد في مملكة الحيوان وفي المجتمع البشري لا يستطيع مواجهة غوائل الطبيعة بمفرده. لذلك يعيش الكائن الحي، على تفاوتٍ بين مختلف الكائنات الحية، غريزيًا، في قطيع أو في جماعة. بل إن فكرة الدولة، التي هي تطورٌ على حالات المجتمعات البدائية، كما في القطيع، وكما في العشيرة والقبيلة، فكرةٌ لها ما يشابهها حتى في المستوى الأدنى المتمثل في مجتمعات الحشرات. وعلى سبيل المثال، فإن للنحل وللنمل ممالك. فالحياة في معنى حماية الفرد لنفسه، سواءً أن كان حيوانًا أو إنسانا، أنما تقوم على التعاون والتعاضد. ويقتضي التعاون تنازل كل فردٍ عن طرف من حريته ليصبح تماسك الجماعة واستقرار أمنها ممكنين. ثم جاءت الدولة لتنظم علاقات المجتمعات المختلفة كطورٍ أعلى من طور العشيرة والقبيلة. فإن كان المجتمع هو أعظم اختراع اخترعه الإنسان، كما يقول الأستاذ محمود محمد طه، فإن الدولة هي الاختراع الثاني الأعظم، الذي توج اختراع المجتمع.
الكيزان والانتكاس بفكرة الدولة
الدولة في حقيقتها شركة يسهم كل فردٍ من افراد المجتمع بسهمٍ فيها. ويتمثل هذا السهم في كبح الفرد لأنانيته السفلى وسيطرته على غريزته الموروثة من طور الحيوان، ليصبح من الممكن تماسك الجماعة واستقامة أمرها. أما الحكومة وهي الأداة التي تدير الدولة فليست سوى لجنةٍ تنوب عن المواطنين في تصريف شؤونهم وفقًا لإرادتهم. وأفضل الحكومات هي ما تنتهج نهجًا ديمقراطيًا يسمح بالمراقبة والمحاسبة. فالحكومة بهذا المعنى الديمقراطي تكون أجيرةً لدى الشعب تنوب عنه في تصريف شؤونه وفقًا لإرادته، وليست سيدةً عليه، كما يظهر في كل أنظمة الطغيان الاستبدادية. قال أبو العلاء المعري قبل حوالي ألف عام:
مُلَّ المقامُ فكم أُعاشرُ أمَّةً
أَمَرتْ بغيرِ صلاحِها أُمراؤها
ظلموا الرعيةَ واستباحوا كيدَها
وَعَدَوْا مصالحَها وهم أُجراؤها
فقضية علاقة الحكومة بشعبها، في الأوضاع الطبيعية، قضيةٌ بهذه الصورة من البساطة والوضوح. لكن، رغم هذا الوضوح وهذه البساطة، تطغي الحكومات على شعوبها. وإلى هذا اليوم لم تأت في أي مكانٍ في العالم الحكومة الأمينة العادلة المنصفة. غير أن هناك حكوماتٌ قريبةٌ من تحقيق العدل والإنصاف، وهناك حكوماتٌ أبعد ما تكون من تحقيق العدل والإنصاف. وتمثل أوضح نموذجٍ لهذه الفئة الأخيرة، في تقديري، حكومة الكيزان في بلدنا السودان، التي جثمت على صدر شعبنا لسبعة وثلاثين عاما. ومارست من الطغيان والبطش وخيانة أمانة الحكم الرشيد ما أجهض أي قيمةٍ تُرتجى من الدولة، بل وأبطلت جدواها بصورة لا أعتقد أن لها شبيهًا قط في كل الكرة الأرضية اليوم. أكثر من ذلك، جعل هذا النموذج الإخواني للحكومة من أجهزة الدولة المختلفة أدواتٍ تعمل صباح مساء لإعاقة جهود المجتمع الرامية للنهوض. ولا أظن أن المرء بحاجة للحديث عن العديد من صور العداء لحكومة الإخوان المسلمين للشعب السوداني وحرصها على الحؤول بينه وبين أن يدير شؤونه بنفسه أو أن يدافع عن حقوقه، أو يبادر بالعمل على تحسين الأوضاع العامة.
نهب الشعب بلا حدود وبلا رحمة
لقد قامت الطغمة الإخوانية النهمة الفاسدة، عبر الثلاثين عامًا التي حكمت فيها، بتحويل الدولة إلى شركةٍ خاصةٍ تابعةٍ لتنظيم الإخوان المسلمين. وجعلت من الشعب كمًا مهملاً بلا فعلٍ تقريبا. ولقد كان أول ما بدأت به حين سطت على السلطة، هو خصخصة المؤسسات العامة. وكان الغرض هو تحويل أصول الدولة العينية من دولة الشعب إلى الدولة الخاصة بهم. استولت حكومة الإخوان المسلمين على مورد البترول وحولته لصالح شركتها المسماة دولةً زورًا وبهتانا. ثم استولت على الذهب وحولته هو الآخر لشركتها، أيضا، ولا تزال تفعل حتى يوما هذا. بل، لم تكتف بذلك، وإنما هيمنت على تجارة السلع بكل أنواعها وأخذت تبيعها للمواطنين الذين أصبحوا معوزين تمامًا، بعد أن فصلتهم من وظائفهم وباعت المؤسسات التي كانوا يعملون فيها لمنسوبيها بأبخس الأثمان.
ثم ما لبثت حكومة الإخوان المسلمين هذه، التي ليس لشح نفسها ولنهمها حدًّا، أن تحولت إلى التاجر الرأسمالي الأكثر جشعًا، المهيمن على كل صنوف التجارة. فطفقت تبيع للمواطنين كل شيء، رغم أنها جعلتهم لا يحصلون من موارد دولتهم المسروقة على أي شيء. أخذت حكومة الكيزان تبيع للشعب الوقود، وتبيع الخبز، وزيت الطعام والبصل وكل سلعةٍ غذائيةٍ أساسيةٍ أخرى، بالسعر الذي يشبع نهمها. أيضًا، أخذت تبيع لهم كروت التلفونات والكهرباء والمياه، على عدم انتظام خدمات الإنترنت والمياه والكهرباء، بالسعر الذي يشبع نهمها، أيضا. ثم خصخصت التعليم والصحة وشرعت في بيع خدماتهما بالسعر الذي يناسبها. وفوق كل أولئك فرضت من الرسوم والجبايات الأخرى المتعددة ما تشيب له الرؤوس. سرقت حكومة الإخوان المسلمين الدولة برمتها لتغدق على منتسبيها، ثم اتجهت عقب ذلك إلى نهب جيوب المواطنين الذين أصبحت أغلبيتهم تعيش على تحويلات المغتربين. والأدهى والأمر أنها أمضت في الحكم ثلاثين عامًا لم تفعل فيها شيئًا يذكر في مجال التنمية. بل أصبح السودان ضمن أكثر أقطار أفريقيا تخلفًا في بناه التحتية، وأكثرها عزلةً وجوعًا وعريًا ومرضًا وتراجعًا في معايير التحضر والتمدن. وحين ضاق الشعب بهذه الصيغة النابئة من الحكم، وقام بالثورة عليها، عاقبوه بإشعال هذه الحرب الخبيثة، وجعلوا ثلث سكانه هائمين على وجوههم وثلثيه الآخرين غارقين في معيشةٍ ضنكا وانعدامٍ كاملٍ للأمن. هذه باختصار شديد هي خلاصة هذا الذي سُمي “المشروع الحضاري”.
خساسةٌ بلا ضفاف
دفعني إلى كتابة هذا المقال ما ورد في الأنباء من أن أحد العاملين بكهرباء سد مروي صرح بأن العطب الذي حدث في أجهزة الكهرباء قد جرى بفعل فاعل. كما ورد أيضًا أن إصلاحه ليس بالأمر السهل. وبناءً على ذلك، قال آخرون إن تعطيل إنتاج الكهرباء، على شُح ما يُنتج منها، الغرض منه بيع الكميات المهولة من ألواح الطاقة الشمسية التي استوردها، تجارٌ من النخب اللصيقة ببنية الحكم، بتسهيلاتٍ حكومية كبيرة. كما ورد في الأنباء أيضًا أن مصر تمثل أحد مصادر ألواح الطاقة الشمسية التي تزايد دخولها إلى السودان. ولإيضاح ارتفاع معدلات التربح في تجارة ألواح الطاقة الشمسية أورد هنا ما أوردته صحيفة الراكوبة التي كتبت أن سعر اللوح الشمسي سعة 590 واط قد ارتفع مؤخرًا من نحو 250,000 جنيه سوداني في يناير 2026 إلى حوالي 800,000 جنيه في يوليو 2026، أي بزيادة بلغت 550,000. مع هذا المعدل الهائل من التربح يصبح من الطبيعي جدًا أن يستهدف المستثمرون في فرصة إيجاد كهرباء بديلةٍ لبنية الكهرباء القديمة. ولذلك، قلت في تغريدةٍ نشرتها قبل هذا المقال بأيام أنني لا أستبعد أن يكون العطب الذي لحق بكهرباء سد مروي وبغيرها من المحطات قد كان بفعل فاعلٍ، لأن هذه هي طبيعة ما يسميه علماء العلوم السياسية والحوكمة، نظام الحكم الكليبتوقراطي؛ أي، نظام اللصوصية المؤسسية التي تستثمر في كل شيء لصالح نفسها. فالدولة لديها ليست أداةً لإدارة شؤون الناس بما يخدم مصالحهم ورفاههم وتقدم أحوالهم، وإنما هي غنيمةٌ يجري تحويل مقدراتها إلى الجيوب الخاصة بكل سبيلٍ ممكن. ثم تجري حراسة ذلك الوضح المعوج بالإرهاب والتنكيل والإيداع في المعتقلات. هذا إلى جانب التجهيل المتعمَّد وتزييف الوعي وخلق أعداء وهميين للعوام من الشعب ومن ثم جعل أنفسهم المدافعين الوحيدين عنه وتخويفه أن في إبعادهم عن السلطة هلاكه الحتمي.
إحالة حل مشكلة الكهرباء على المواطن
يمكن القول إن الكيزان بعد أن عجزوا عبر ثلاثين عامًا عن أن يقدموا أي حلٍّ لمشكلة العجز الفاضح المزمنة في الإنتاج الكهربائي، رأوا أن يجبروا المواطن على أن ينتج كهرباءه بنفسه من جيبه الخاص. فهذا يتيح لهم فرصة الاستثمار في هذه العملية لأنفسهم ببيع المواطنين ألواح الطاقة الشمسية، وبطارياتها، وسائر ملحقاتها، ثم الخدمات المتعلقة بتركيبها، وصيانتها. ولا جدال، بطبيعة الحال، في أن من الممكن، لولا هذا الغرض الخبيث المتمثل في التربُّح، التوجه بدلاً عن ذلك إلى أن تقوم الدولة بإنشاء مزارع ضخمةً للطاقة الشمسية، كما فعلت دولة المغرب ومن ثم بيع الكهرباء للمواطنين بأسعارٍ زهيدةٍ. خاصةً أن انتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية قليل الكلفة. غير أن القائمين على نظام الحكم الكليبتوقراطي الزبائني لا تهمهم أصلاً خدمة الصالح العام أو رفاه المواطن، وإنما يهمهم أولا وأخيرا حشو جيوبهم الخاصة بالمال المسروق. ثم فرض هذا الواقع المزري على الجميع بالحديد والنار.
خلاصة القول، إن دولةً هذه طبيعتها عدمها خيرٌ من وجودها. لقد نسفت وضاعة وخساسة، بل وسفالة البنية الأخلاقية لتنظيم الإخوان المسلمين فكرة الدولة من أساسها، إذ أفرغتها من حقيقة معناها وجدواها. بل وجعلتها أسوأ مما قبلها من أطوار سادت في التاريخ من ممالك وإمبراطوريات، بل من حكم القبائل والعشائر لنفسها بنفسها. لقد شهدت كل تلك المراحل من صور إدارة المجتمعات شيئًا من العدل والانصاف. في حين خلي حكم الإخوان المسلمين من أي شيء يمكن أن يمت للعدل والانصاف أو الاهتمام بأحوال الناس والتعاطف مع رهقهم ومعاناتهم. لقد عاشت هذه الفئة الباغية في حوصلة مغلقة عوالمها هي مجتمع الخرطوم المخملي المنعزل الذي اتخذ من أحياء الدرجة الأولى مقراتٍ له. وكذلك في منتجعاتٍ أخرى في استنبول، ودبي، وكولا لامبور، وغيرها. فأي مساومةٍ تتجه إلى خلق شراكةٍ مع هؤلاء مقضي عليها بالفشل لأنهم سوف يرتدون عليها. فهذا خرابٌ غير قابل للإصلاح. وسوف لن يبدأ الإصلاح إلا بفك قبضة هذه العصابة الجشعة، وضيعة الهموم والمقاصد، ميتة الضمير، عن رقبة الدولة.
elnourh@gmail.com
