ما يفرضه القارئون … بقلم: منى عبد الفتاح

كيف لا

 

moaney15@yahoo.com

 

   مهما اتخذت كتاباتك من أشكال ، فستجد لا محالة من يكلف نفسه رهقاً بمشقة البحث  عن حقيقة ما يختبيء خلف هذه الكتابات ، وكأن حقيقتها الغائبة- افتراضاً- تنتظراً مهدياً آخر يستفيق حول أمشاج الحكاية ليخرج مكنوناتها، أو ليفضح ما تخبئه الكتابة عن ألباب القراء الآخرين .

 كثير من الكتابات تعتمد على فطنة القاريء حتى لو لم يُصرح بها ، فيجيء متطوع غير معني أصلاً بالكتابة ولا هي موجهة له ويدخل عمداً وسط هذه العلاقة ملغياً الخيط الرفيع بين الكاتب والقاريء الفطن وهو بذلك لا يلغي مقدرة الكاتب وحدها وإنما يلغي فطنة الآخرين ومقدرتهم على فهم ما جاء في السطور.

 

 من حسنات الانترنت التي لا تُحصى أنها ذللت وسيلة التفاعل هذه ، فلا أروع من كتابة يتجاذب أطرافها المناقشون والمعقبون وهي فضلاً عن ذلك تختبر مدى التسامح وقبول نقد الآخر ثم قبول الآخر نفسه في مرحلة متقدمة إذا ما توافر الاحترام المتبادل لمبدأ الاختلاف. ومن إيجابيات هذا التفاعل أنه يخلق حول الكتابة حياة جديدة تنقل الزمن من ذاكرة الكاتب إلى تضاريس الكتابة  لتجعل منها أطراً واقعيّة تضفي على الأسطر مُتعاً مفيدة .

 

 ينتهي المتلقي من القراءة فتبتديء المُتع السعيدة ، وتتراءى هذه الصور الماتعة في أشكال تبتديء بسياحة هادئة وتنتهي ربما بعواصف لا تبقي ولا تذر .أجزم عن نفسي أن هذا القاريء الجميل في حبه للتفاعل والتواصل قد يتغاضى عن بعض مما جاء ويمسك مشاعره عن البعض الآخر ويمسك نقده اللاذع أيضاً، وقد لا يمسك عن كل ذلك ولكن من منطلق موضوعية التناول. وقد يكون العكس فيستجدي كل ألوان الإشارات الكنائية ليفكك إطار النص وسيرته وسيرة صاحبه تفكيكاً مريعاً ، فتكون هذه المحاولة أخرجته عن مسار الموضوعية الذي ابتدأ به قراءته ، وغلّب هوى نفسه على إعمال المنطق والعقل.

 

  أحياناً تتبادر إلى ذهني مقارنة خفيفة أعقدها بين القاريء للنسخة الورقية والقاريء للنسخة الإلكترونية فأجد الأول مسالماً بسيطاً هدياً ورضياً ، بينما أجد الآخر متنمراً متربصاً مترصداً ، ولو لم يكن كذلك للبس وجهاً يبديه كذلك . وفي كثير من المعارك التي أشهدها بين كتاب وقراء يزكم غبارها الأنوف تنتهي إلى لا شيء ، ويبوخ الجدل بمجرد شخصنة وجهات النظر، وكأن القاعدة العامة التي تميز مداخلات المنابر الالكترونية هي أن تكون شرساً  ومستفزاً بما فيه الكفاية حتى تضمن الرد وإثراء منطقة وجودك المحدود .

 

 أعجب كثيراً لنوع الانتقادات وتباينها ، فمع أنني أسلّم بضرورة أن يكون هناك نقد ما مهما بلغت درجته ، فمبلغ عجبي نابع من أن الانتقادات الإيجابية وكتابات الاستحسان والإعجاب بالكتابة تأتيني – على سبيل المثال – على بريدي الخاص ، وما هو غير ذلك من انتقادات لاذعة وساخرة تأتي مبذولة على  صفحات المنابر الإلكترونية ، وفي كلٍّ خير فأنا لا أنزعج بشكل من الأشكال لأنني أؤمن بالمباديء التي ترسخ حرية الآراء كما حرية التعبير عنها ، ولا أُستفز بالأشكال التقليدية للاستفزاز ، وأرى أنها لا تخرج عن سياق التعامل في ظل أجواء المشاحنات بين أفراد المجتمع السوداني وهي أن يبدأ الأول باتهامك حتى يضمن اهتمامك ولله في خلق مجتمعاته شؤون.

 

 أمكنني أن ألمح أيضاً أن أغلب الأشكال التي تأخذها المداخلات هي ما يمكن أن أسميه هنا بالقراءة التشاؤمية ، وهي عندما يكلف المتلقي نفسه ويرفعها درجة عن التلقي ، يستعين بأدوات الناقد  ويتسلح بعبارات مثل إشكاليات الكتابة ويبتديء ينظر في الجزء الفارغ بين العبارات والمعاني التي يفترض أنها لا تؤدي غرضها ، ثم بعد أن يشخص مشكلة الكاتب في كتابته التي هي من انتاج عقله وفكره وتدبيره يعمل على تخطئته ويصدر حكمه عليه ولا حكم أسوأ من اقتراح بدائل على الكاتب تلغي مجهوده الماثل أمام العالمين.

  عن صحيفة “الأحداث”    

عن منى عبد الفتاح

شاهد أيضاً

الصحفي أمين حسن عمر وصويحبات يُوسف .. بقلم: منى عبد الفتاح

اترك تعليقاً