مبدعو السلطان … بقلم: منى عبد الفتاح

 

كيف لا

 

 ارتبط الإبداع بالمعاناة في الثقافة السودانية العامة وجاء ذلك نتيجة لأحد ضروب الفلسفة  التي قررت فئة من السودانيين أن تكون من أسيادها دون أن تكون لها ناقة أو جمل في الموروث الفلسفي الإنساني ، فيما عدا النادر المتناقل عن الثقافة الشعبية كفلسفة الشيخ فرح ود تكتوك. تجسدت معاناة المطربين مثلاً في أنهم حتى قبل حين كانوا يظهرون بوجوههم المتعبة المرتسمة فيها هموم مثل خارطة الوطن المثخن بالآلام . أجسادهم منهكة من تأثير السعي بأعمالهم التائهة ، حائرين بين تلفزيون الدولة وشركات الانتاج التابعة للدولة ، تائهين بين حفلات يُرغمون على إنهائها قبل أن تبدأ وبين مصادرة كل أوجه الفرح بإثارة الشغب المفتعل في وجود من يتوقع منهم حماية الفرح .

أما التشكيليون فالمهدد الأول لكينونة التصالح مع أعمالهم هو خيبة الأمل في مدى احترام الناس لفنهم والاعتراف به وفهمه على أسوأ الفروض . دعك عن سائر الناس الذين ليس من أولوياتهم في الوقت الراهن الوقوف والبحلقة في شيء لا يفهمونه ، فلم يجر على سمعي ذكر معارض تشكيلية تقيمها وزراة الثقافة أو رحلات لحضور المعارض العالمية تتكفل بها الدولة كاملة. كل أخبار معارض التشكيليين السودانيين تقول أنهم يقيمونها بجهدهم الذاتي ومن دورهم  وعلى نفقتهم الخاصة.

هذان نموذجان فقط  من مجموعة النماذج الوفيرة التي تتعلق بمفردة الإبداع ولو أفردنا مساحات ومساحات لسرد أوجه الإبداع الكامنة والماثلة أمامنا لما أوفيناها حقها وحق أصحابها المبدعين . ربما يكون السبب في هذا الحصر هو أن النموذجين هما العنصرين الأوضح في حملة الاستقطاب التي دشنها حزب المؤتمر الوطني في قاعة “كانفوري” لتأييد البشير . معظم المواطنين الذين يعلنون توجههم السياسي من المفترض أن يتم ذلك وفقاً لقناعات معينة ، وهذه القناعات على البقية احترامها مهما أختلف حولها . وإذا كانت القناعات والمبررات بالنسبة لسائر المواطنين واجبة فهي بالنسبة للمبدعين أوجب.من حق المبدعين من مطربين وتشكيليين وملحنين وغيرهم أن يؤيدوا أي حزب يريدون ، فنحن نتنسم جواً ديمقراطياً يحترم الخيارات مهما تكن ولكن ليس من ضمن هذه الخيارات أن يتم الصفح عن ما حاق بالإبداع والمبدعين طيلة العشرين عاماً الماضية ودون كشف حساب واضح واعتذار عما لحق بالسابقين الذين ماتوا بغبنهم ومن ينتظرون ولا زاد لهم غير مبادئهم التي لم يحيدوا عنها وأوردتهم في سبيلها المهالك  . فما لم تتمكن الإنقاذ من احترامه ودعمه خلال العشرين سنة الماضية لن يؤتي أُكله في بضع وأربعين يوماً.ومن حقنا على هؤلاء المبدعين أن يوردوا لنا ولو الجزء اليسير من انجازات الإنقاذ في مضمار الفن  والإبداع . ألم تكن هذه الفئة التي تتحدث باسم المبدعين هي نفسها التي حاربتهم من قبل على أعلى المستويات حتى أصبح التلفزيون السوداني لا يقدم أي من المطربين الذين يبدون انفعالاً  بأغنياتهم ويقصيهم كما يقصى الأجرب. الأوامر المباشرة كانت استبعاد الفنانين الراقصين والمهتزين ، ثم بعد أن رقصت الدولة على أعلى مستوياتها تنزلت السنة الفعلية على الناس بعد كثير من التحفظ وهي أن هناك لا محالة فرق بين رقص ورقص أي الرقص في سبيل الله والوطن لا يشبه رقص المُطربين.

 ألم يكن من نصيب بعض أفراد هذه المجموعة المذكورة من المطربين والتشكيليين والملحنيين التشرد عن الوطن ردحاً من الزمن. تركوا بلدهم يضطرب ، غنوا له ونادوه من على البعد وحين عادوا وجدوا القوم منتمين منعمين وغير منتمين مقهورين .المبدعون باسم السلطان هم من كسبوا أخيراً ، لكن هذا الأخير ليس بالضرورة أن يكون خلال حملة انتخابية تبيع وتشتري الفن والمباديء كما تُباع السلع في أكثر الأسواق الشعبية قذارة.عشرون عاماً من الحرب على الإبداع واليوم نفس المبدعين في صفوف جلاديهم ولتهنأ يا سوداني بمبدعيك .

عن صحيفة “الأحداث

 

 

moaney [moaney15@yahoo.com]

عن منى عبد الفتاح

شاهد أيضاً

الصحفي أمين حسن عمر وصويحبات يُوسف .. بقلم: منى عبد الفتاح

اترك تعليقاً