في إحدى قاعات المحاضرات بجامعة أفريقيا العالمية بالخرطوم، وفي ظهيرة يوم من عام 2006، كانت الوجوه مشرئبة تتابع بشغف ذلك الرجل الوقور، البروفيسور بشير حمد. كان يتحدث وصوته يحمل دفء السنين وخبرة التجربة؛ تجربة أسلوب «التعليم المبني على حل المشكلات» (PBL) الذي غرس بذرته الأولى لأول مرة بالسودان في كلية الطب بجامعة الجزيرة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، ميمماً وجه التعليم الطبي شطر المجتمع وهموم الريف، ومغايراً لما درجت عليه أم الكليات الطبية بجامعة الخرطوم في مناهجها الكلاسيكية الصارمة.
كان الأستاذ يروي للحاضرين فلسفة ذلك المنهج وتطبيقه فى مجتمع الجزيرة؛ كيف كان يدفع بطلابه، زرافاتٍ ووحداناً في مجموعات صغيرة، ليعيشوا في القرى الوادعة. لم تكن المسألة مجرد دفاتر واستبيانات، بل مدرسة حياة: يمرون على المستشفيات الريفية، ويقيمون حلقات التوعية في المدارس ودور المرأة وأندية الشباب، ويتحلقون مع الأهالي والمزارعين وشيوخ البلد في جلسات نقاش بؤرية مفتوحة (FGDs) ، ليدرسوا الواقع، ويحددوا الأولويات، ويضعوا الحلول بمشاركة الناس أنفسهم.
توقف البروفيسور برهة، ولمعت في عينيه ابتسامة حانية شابها شجن قديم، ثم قال: «لكن النظريات شيء، ووجدان الواقع في قرانا شيء آخر تماماً… دعوني أحكي لكم ما حدث معنا في إحدى تلك القرى».
ساد الصمت القاعة، وسافر الحاضرون مع صوته إلى قرية منسية في قلب الجزيرة:
كانت دفعة من الطلاب قد استقر بهم المقام في تلك القرية لأسابيع؛ كابدوا جمع البيانات، واستقصوا أحوال الصحة والبيئة. وفي نهاية المسح، خلصت الأرقام والمؤشرات إلى نتيجة حاسمة صُنفت باعتبارها «الخطر الداهم والأولوية القصوى»: القرية تفتقر تماماً للمراحيض المنزلية، وأهلها يقضون حاجاتهم في الخلاء المفتوح، مما ينذر بكوارث صحية وتفشٍ وشيك للدوسنتاريا والبلهارسيا وغيرها من الأمراض المعدية.
عُقد اجتماع جامع في فناء مدرسة القرية لتنوير الأهالي بالخطة العلاجية. احتشد القرويون، شيوخاً وشباباً، بجلابيبهم البسيطة ووجوههم السمحة التي هدّها شح المواسم. وقف البروفيسور بشير أمامهم، وبدأ خطابه مثنياً على كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال التي أحاطوا بها بناته وأبناءه الطلاب. ثم استرسل يشرح المخاطر الصحية لظاهرة قضاء الحاجة في العراء، مستعرضاً خطة العمل: «وعليه، اتفقنا مع أبنائكم الدكاترة أن نبدأ فوراً، يداً بيد مع شباب القرية، في حفر مراحيض (أدبخانات) في كل البيوت المحتاجة، حتى نحمي أهلنا وأطفالنا من الإصابة من تلك الأمراض».
كان الأهالي يستمعون في صمت غريب، مطرقين برؤوسهم نحو الأرض، لا يحركون ساكناً ولا يظهرون حماساً.
وفيما كان الأستاذ مسترسلاً في حديثه بحماس علمي متقد، تقدّم شيخ القرية بخطى وئيدة، وربّت بيده الخشنة بلطف على كتف البروفيسور، ثم جذبه برفق جانباً، ليس بعيداً عنهم ليناجيه قليلاً.
نظر إليه الأستاذ بشير متسائلاً بقليل من الدهشة، فانحنى الشيخ نحوه وهمس في أذنه بنبرة جمعت بين عزة النفس وانكسار الفاقة: «يا دكتور بشير… الله يديك العافية، نحنا حقيقة شاكرين ومقدرين تعبكم وتعب وليداتنا الدكاترة ديل معانا… وما قصرتوا تب، وحفر الأدبخانات دا كلام سمح وعين العقل … لكن والله يا أستاذ… البِنْكُبُو في الأدبخانات دي ذاااتو ما عندنا!»
وقعت تلك الكلمات على مسمع البروفيسور كالصاعقة، فخرس اللسان وطاشت النظريات، وقطعت جهيزة قول كل خطيب!
لم تكن الكارثة في أين يقضي الناس حاجاتهم، بل في بطون خاوية لم تجد منذ أسابيع ما تبتلعه! إنها المجاعة الجاثمة التي خنقت القرية في صمت، بينما انشغل الطب الاستقرائي بـ«مخرجات» الأجساد ناسياً «مدخلاتها» وأساس بقائها.
انفضّ الاجتماع دون مزيد من الكلمات. عاد الأستاذ بشير وطلابه إلى مدينة ودمدني في ذلك المساء، لكن ليس لإعداد أدوات الحفر ومعدات البناء؛ بل تحركت قوافلهم في اليوم التالي بعربة (لوري) ناء تحت حمل كمية من جوالات الذرة والمواد التموينية المختلفة، مسابقين الريح لإنقاذ أهل القرية من مخالب الجوع الذي كان يفتك بهم سراً.
أما مشروع حفر «الأدبخانات»… فقد أُرجئ بهدوء إلى حين؛ حتى تمتلئ القدور، وتعود للبيوت عافيتها ولقمتها الكريمة.
رأس الخيمة 2026
Email:sayedhalaly23@gmail.com
الأدبخانات: جمع أدبخانة وهي كلمة أصلها تركي وتتكون من جزءين: أدب، وخانة وتعني مكان، وبذلك تعني (أدبخانة) مكان الأدب أي المرحاض.
2 البنكبو: يقصد الذى نصبه أو نفرغه، أي الفضلات – البراز.
3 دي: هذه.
4 ذاتو: ذات نفسه.
د سيد حلالى موسى.
