الصادق حمدين
ليس في دارفور ما يفاجئ إلا مقدار ما يستطيع العالم أن يتجاهله. فكل مجزرة جديدة لا تبدو سوى امتداد لمجزرة سبقتها، وكل دم يتم إهراقه يتحول إلى رقم عابر في نشرات الأخبار، هذا إذا تم تداوله عبر القنوات أصلاً، بينما تتسع المقابر ويضيق معنى الإنسانية.
في الزاوية غرة، حيث اجتمع رجال الإدارة الأهلية ووجهاء المجتمع لإصلاح ذات البين وفض النزاعات، حضرت طائرات الموت قبل أن تحضر العدالة، وسقط القتلى والجرحى، وتحولت لحظة كان يُراد لها أن تكون مساحة للصلح إلى مشهد مكتظ بالموت والألم. هذه الجريمة البشعة تمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وتستوجب مساءلة كاملة لا تعرف الانتقائية أو تقديم المصالح على العدالة.
إن المأساة في دارفور لم تعد مجرد أرقام تتكرر، بل أصبحت نمطاً مألوفا من الألم، تتوارثه القرى كما تتوارث أسماءها. هناك، لا يموت الناس وحدهم، بل تموت معهم ذاكرة المكان، وهيبة المجتمع، وإيمان البسطاء بأن لهذا العالم قانوناً يحمي الضعفاء أو ضميراً ينتصر للمظلومين.
إن تكرار استهداف المدنيين يرسخ شعورا بأن هذه الحرب تجاوزت حدود المواجهة العسكرية، وأن آثارها باتت تطال مجتمعات بأكملها. وقد حذرنا، مراراً وتكراراً، من الانحدار إلى هذا الدرك السحيق من التعري الأخلاقي، حين يُختزل الإنسان في أصله الجغرافي أو انتمائه الاجتماعي، ويصبح الانتماء وحده سبباً كافياً للاشتباه أو للعقاب الجماعي. وإذا استمر هذا المسار، فإنه لن يترك جرحاً في دارفور وحدها، بل سيزرع في جسد السودان ندوباً يصعب أن تندمل.
إن الحرب التي تفقد بوصلتها الأخلاقية لا تنتصر، مهما امتلكت من السلاح. والانتصار الذي يتم بنائه على أنقاض القرى، وعلى أجساد المدنيين، ليس نصراً، بل هزيمة للقيم التي قامت عليها فكرة الدولة نفسها. فالأوطان لن تحفظ بإخافة مواطنيها، ولا تُصان وحدتها إذا صار بعض أبنائها يشعرون بأنهم يدفعون ثمن هويتهم أو جغرافيتهم أو حتى حريتهم في الاختيار.
الزاوية غرة ليست اسماً على خارطة الحرب فحسب إنها سؤال أخلاقي موجه إلى العالم كله، كم مرة يجب أن يُقتل المدنيون في دارفور حتى يصبح موتهم قضية تستحق التحرك؟ وكم من الدماء ينبغي أن تُراق حتى تتحول الإدانات اللفظية إلى إجراءات تضمن الحماية والمساءلة والعقاب؟
إننا نخاطب الضمير الإنساني في العالم أجمع، ونناشد الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والمنظمات الحقوقية، وكل القوى المؤمنة بسيادة القانون، أن تتحمل مسؤولياتها تجاه المدنيين في دارفور، وأن تدعم إجراء تحقيق مستقل وشفاف في هذه الوقائع، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها، أياً كان موقعه أو انتماؤه.
سيكتب التاريخ أن دارفور لم تكن تفتقر إلى الشهود، بل كانت تفتقر إلى من يصغي لأن صوت الضحايا قد سمعها من كان به صمم. وسيكتب أيضاً أن الزاوية غرة لم تكن مجرد مكان أُريق فيه الدم، بل مرآة عكست إلى أي مدى يمكن أن يبلغ الصمت الدولي من القسوة، وإلى أي حد يصبح الدفاع عن حياة الإنسان واجباً مقدساً لا يقبل التأجيل.
ستظل الزاوية غرة أنشودة للدم، لا لأنها تمجد الموت، بل لأنها تذكرنا بأن العدالة التي تتأخر كثيراً قد تصبح شريكة في الألم والدم، وأن كرامة الإنسان، مهما حاولت الحروب أن تدفنها تحت الركام، تبقى القضية التي لا يجبها التقادم المسقط للجرائم. لا نطلب ثأراً، بل قصاصاً و”يا قاتل الروح وين بتروح”؟
umniaissa@hotmail.com
