بثينة تروس
مجدداً عجزت حكومة (الأمل) في بورتسودان والجنرال البرهان وقيادة الجيش، عن إدانة المجزرة التي ارتكبها سلاح الطيران المصري، يوم السبت 10 أكتوبر، بحق المعدّنين السودانيين داخل الأراضي السودانية. وبدلاً من إدانة صريحة تحدد المسؤولية عن مقتل ما يصل إلى 73 مواطناً وإصابة نحو 120 آخرين، صدر بيان هزيل عجز عن تحديد الجهة المسؤولة مباشرة، ولم يعكس حجم الجريمة ولا خطورتها على سيادة البلاد وحق مواطنيها في الحماية. ويعيد البيان خطاب سابق للبرهان لضحايا التعدين (نحن كدولة وكحكومة بنطلب من إخواننا وأهلنا إن الناس تلتزم بالحدود، ما يمشوا عشان يجيبوا مشاكل لرقبتهم وللدولة). وكأن هؤلاء المواطنين يذهبون إلى مناطق التعدين بدافع المغامرة أو التسلية، لا بحثاً عن مصدر للعيش في بلد عجزت حكومته، بإصرارها على مواصلة الحرب، عن توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها، إن التعدين بالوسائل البدائية، وما يصاحبه من انهيار المناجم على رؤوس العاملين فيها، والموت عطشاً في الجبال والصحاري، ثم التعرض لإطلاق النار من حرس الحدود المصري هو انعكاس لأزمة اقتصادية ومعيشية دفعت الناس إلى البحث عن سبل البقاء. الأخطر أن الهجوم الأخير وقع داخل الأراضي السودانية وبتأكيد الحكومة المصرية ان منجم العقيدات، قريباً من الحدود المصرية، يؤكد ان الأمر يتعلق بانتهاك لسيادة السودان واعتداء على مواطنيه داخل بلادهم، وهو ما يستوجب موقفاً رسمياً واضحاً غير (مدغمس)! لكن عجز البرهان وقيادة الجيش عن اتخاذ هذا الموقف، يؤكد أن حسابات السلطة تتقدم علي كرامة الوطن. والشاهد ان طبيعة المصالح والامتيازات الممنوحة للشركات المصرية في الموارد السودانية بما فيها الذهب في ظل الحرب ليست خافية علي كل حصيف.
قد ظل أنصار البرهان والجيش يرفعون شعار السيادة الوطنية، ويبررون دعمهم بالخوف من تفكك السودان والتدخلات الخارجية. لكن مجزرة المعدّنين تضع هذا الخطاب أمام تحدي ما قيمة السيادة التي يتحدثون عنها إذا عجزت القيادة عن إدانة اعتداء على مواطنيها داخل حدود البلاد؟ وكذلك ترد مخاوف الفتنة بين الشعبين (الشقيقين) وتعريض العلاقات للخطر، فلو كانت للدولة سيادة فعلية، الحفاظ على العلاقات لا يبرر الصمت عن الجرائم. كما أن وجود سودانيين في مصر لا يجوز أن يتحول إلى ورقة لإسكات المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن قتل مواطنين في وطنهم! أما الخوف من تمزق السودان وضياع دولته وسط الصراعات، فهو خوف مشروع، لكن السؤال، أي دولة نتحدث عنها، ولمن تعمل مؤسساتها؟ لقد تآكل مفهوم الدولة منذ أن تحولت مؤسساتها، في ظل نظام الإنقاذ، إلى أدوات لحماية التنظيم ومصالحه، عبر التمكين وإخضاع مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش، الذي لم يبخل بإضعاف مؤسسته بولادة مليشيات تتزايد عدداً وقوة بحسب عجز السلطة في إدارة شئون الدولة، ومنذ ذلك الحين، لم تعد حماية سيادة الوطن هي الأولوية لديهم، بل حماية السلطة ومصالح التنظيم. ولذلك وزر تفكيك الدولة وضياع هيبتها يقع على عاتق حكومة الكيزان بما في ذلك محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 وهي أبرز الجرائم التي لايزال السودان يتحمل تبعاتها السياسية.
ولا يمكن فصل أزمة اليوم عن تاريخ الجيش في إدارة الحروب الداخلية ضد مكونات الشعب التي طالبت بالمواطنة المتساوية ورفع التهميش وتحقيق العدالة. كما لا يمكن تجاوز عار مجزرة القيادة العامة في يونيو 2019، حين تعرض المعتصمون السلميون للقتل والسحل والاغتصابات وأُلقي بعضهم في النيل وهم أحياء، في انتهاكات جسيمة ارتبطت بمسؤولية مؤسسات عسكرية وأمنية، بينها الجيش والدعم السريع. لقد كشفت تلك المجزرة أن الخطر على المواطنين يأتي أيضاً من مؤسسات يفترض أن تحميهم. لذلك لا يجوز في حقها العصمة! بل بالأحرى مواجهتها وتعرية باطلها في انها خانت قسم الولاء للشعب في حراسة ماله ودمه. إن مجزرة المعدّنين ليست حادثة حدودية معزولة، بل تكشف أزمة أعمق في مفهوم الدولة والسيادة. فقد ضاعت الدولة تدريجياً حين أصبح الجيش طرفاً في الصراعات على السلطة، وحين تحولت مؤسساتها إلى أدوات لحماية المصالح السياسية للكيزان، وحين صار المواطن مطالباً بالخضوع لسردية حرب كرامة من اجل سيادة الدولة شعاراً يُرفع للاستنفار في الحرب. فإذا ظلت القيادة العسكرية عاجزة عن تسمية المسؤول عن قتل السودانيين، بينما تطالبهم بالتضحية باسم الكرامة والسيادة، فسيظل السؤال قائماً، أي سيادة هذه التي لا تحمي أصحابها، وأي دولة يطلب من مواطنيها الدفاع عنها بينما تعجز عن الدفاع عنهم؟
