مجموعة (قرفنا)… سنلج سم الخياط … بقلم: أبوذر علي الأمين ياسين

 


 

 

سنلج سم الخياط... تلك هي مغامرتنا التي نصر على المضي فيها ... هكذا رد بثقة جامحة شاب في العشرينات من العمر بعد أن عرفت منه أنه أحد ناشطي مجموعة (قرفنا) التي ينحصر مشروعها الانتخابي في (اسقاط المؤتمر الوطني) وكنت قد بادرته بأنهم يحرثون بحراً وأن الانتخابات لن تكون إلا مزورة، والاحتمال الثاني أنه لن تكون هناك إنتخابات أصلاً. الشاب الذي تخرج حديثاً من الجامعة، والذي قابلته مع مجموعة تنشط لصالح المؤتمر الوطني الامر الذي استفزني للحديث المطول معه خاصة وأنه أثار دهشتي وجعلني ابادره بما ذكرت اعلاه. قال لي أنه لم يكن له يوماً انتماء سياسي، لكنه بعد عدة تجارب مع لجنة الاختيار للخدمة ومشروع التوظيف المنتج وتشغيل الخريج بات مقتنعاً بأن كل شئ مرتبط بالسياسة، وأن المؤتمر الوطني يشترط للتوظيف أو الدعم الانتماء له وأن في ذلك ظلم كبير وسلب ليس لحق العمل الذي هو واجب الدولة أمام الجميع بل ينطوي على قدر عالي من تعمد التهميش والاذلال لشباب هم مستقبل هذه البلد. وأن الكثيرين من الشباب بات يؤمن أنه لابد من التغيير وأن المؤتمر الوطني تحديداً لا يمثل لهم الخيار الانتخابي فلا ثقة فيه. وحكي لي تجارب بعض الذين تحصلوا على تمويل لمشاريعهم الصغيرة وكيف اكتشفوا أنهم استدرجوا لشراك عرضتهم لخطر كبير ومساومات ما كانت في أبعد خيالاتهم، انتهت بهم لكوارث تجاوزت أشخاصهم لتطال وتخرب حتى أسرهم. ثم قال مهما حكيت لن تستطيع أن تعيش ما عشناه من مآسي منذ تخرجنا، وختم (ليس هناك شئ نخشى عليه) فنحن مشردين عمداً وتجارب الكثيرين منا تفيد أنه حتى الإنتماء للمؤتمر الوطني لن تجني منه سوى العذاب إن كنت ذو حظ عظيم أو يضاف له اذلال لن تجد مثله حتى في حساب يوم القيامة.

مضى الحديث بيننا وعرفت أنني سأحصل على الكثير من التفاصيل المثيرة!!، ثم سألته وما سر نشاطكم المشترك مع ناس المؤتمر الوطني؟. كان رده: معظمهم أبناء أحياء أمدرمان مثلك تماماً إلا ثلاث فلان وفلان وفلان، وهؤلاء هم القائمين على أمر التسجيل بهذه الدائرة، هكذا بدأ حديثه معي، كنا ننافسهم بشدة، وحدثت بيننا احتكاكات كثيرة فقد كنا نمنع تسجيل أياً من الناخبين ب(دفتر الولاء)!!؟، وهنا قاطعته ما هو دفتر الولاء هذا؟. قال لي عندما نصل إلى موقع التسجيل ستلاحظ أن هناك (خيمة) منصوبة هي للمؤتمر الوطني الذي يعيد تسجيل كل من يخرج من لجنة التسجيل إلا اذا رفض. ثم مضى يحكي: أزعجهم تحركنا وأربكهم، ثم جاؤونا وقالوا لنا (إن مصالحنا مرتبطة بتسجيل أكبر عدد بدفتر الولاء) وأن هذا لن يضركم في شئ فهو مجرد تسجيل لا أكثر!!، قال نحن رفضنا ذلك ومضينا نمنع من يأتي معنا ومن يأتي معهم بتنويرهم بأن التسجيل ينتهي في ذلك المكتب ولا علاقة لهذه الخيمة به. ثم جاؤونا مرة أخرى وقالوا لنا أننا نتضرر ضرراً بالغاً بما تفعلون، وسنمكنكم حتى ممن يأتي معنا بل لكم أن تصحبونا حتى في جولاتنا ولكم أن تفعلوا ما تريدون، فقط أجلعوا الناس يسجلون بدفتر الولاء وعند الانتخابات (وخلف الستار) أفعلوا ما بدأ لكم. قال ساعتها قيمنا الموقف ووجدنا أننا سنستفيد أكثر باستغلال الامكانات الموفرة لهؤلاء الشباب، كما أننا لا شأن لنا بمصالحهم، وهكذا ترانا معاً لكن كل منا يعمل على مكانته.

قلت باندهاش هذه فعلاً (مغامرة) كونها غير محسوبة العواقب، ثم سألته وكيف تطمئنون لمثل هذا الاجراء؟. قال لي أنظر لهؤلاء كلهم ينشطون لصالح المؤتمر الوطني، لكنهم يسرون لنا أنهم عند التصويت ستكون قناعتهم هي الفيصل!!!؟. ثم قال نحن نعرفهم منذ الصغر إنهم صادقون في ذلك. ثم أضاف هم أنفسهم يقولون لنا إننا لا نجتهد في ضمان من سيصوت للمؤتمر الوطني كل الذي يهتم له مديرونا هو العدد بدفتر الولاء فلا يغرنكم الخيمة والعربات والوجبات وغيرها، انهم لم يسألونا يوماً عن أي من الاسماء وما اذا كان فعلاً له ولاء للمؤتمر الوطني فلماذا نهتم نحن وندقق!!!؟.

كان علي أن أتأكد مما قاله هذا الشاب (القرفان). وصلنا موقع التسجيل وجدت الخيمة وبها الكثيرين ممن أعرفهم ويعرفوني جيداً. ثم دخلت وأتتمت إجراءات تسجيلي على بساطتها، ثم خرجت. فإذا بمن يعرفوني ذاتهم (بالخيمة) يطلبون مني التسجيل على (دفتر الولاء) لم أندهش وقتها، وقمت بتسجيل أسمي بدفتر الولاء، وتأكدت بأن الذي يجري هو تماماً كما حدثني عنه ذلك الشاب، لا أحد يهتم من يسجل على دفتر الولاء حتى الذين يعرفون الناس ومواقفهم لا يهمهم سوى التسجيل بدفتر الولاء. وهكذا ستجدون اسمي بدفتر الولاء، وسيحسبني أهل المؤتمر الوطني ضمن أرقامهم الانتخابية (المضمونه) ولهم ومنذ الآن أن (يطمئنوا) أن الكثيرين لن يكونوا كما يقدمهم لهم دفتر الولاء. وهكذا ولجت أنا أيضاً (سم الخياط) العبارة التي اندهشت لها من ذلك الشاب، ثم سارت الأمور لتؤكد لي أنه بالامكان ولوج سم الخياط ليس في الخيال ولكن (بيان بالعمل).

تناقشت مع ذلك الشاب كثيراً حول (مغامرتهم) وكيف سيكون تأثيرهم على نتائج الانتخابات، وقلت له أنكم لن تفعلوا أكثر من تشتيت الاصوات بعد أن أكد لي أنهم لا أهتمام لهم بأي حزب سياسي، وكل الذي يهمهم سقوط كل من هو مؤتمر وطني. قال لي: قلت لك سنلج سم الخياط، لا تستغرب نحن نفوق هؤلاء كثيراً، بل نحن أنشط منهم، والتسجيل يؤكد ذلك. ثم أضاف: لك أن تعلم أننا بخلافهم نتحدث للناس ونفصل ونتأكد ونتابع ولنا شبكة ناشطة دائمة الاتصال بالناس، لا تستغرب فنحن وبسبب العطالة ولسوء حظ المؤتمر الوطني كثيري التواجد بأحيائنا، أما هؤلاء فلن يتذكروا الناس إلا عند الانتخابات وقتها سيجدون أننا أكملنا استعداداتنا لهم، ولن يجدوا بهذه الدائرة إلا بقدر حجمهم الحقيقي. ثم قال: نحن لم نفكر في من سنصوت له في هذه المرحلة كل الذي يشغل تفكيرنا هو اسقاط كل مرشحي المؤتمر الوطني وسنضمن لهم ذلك ومنذ الآن، وعند الانتخابات سنحدد لمن ستذهب الاصوات هذا لا يزعجنا ولن يؤثر على ما ننشط فيه الآن، نحن نقول للناس أن المهم هو اسقاط المؤتمر الوطني ونجد تجاوب كبير منهم بأكثر مما نتوقع في بعض الاحيان، وهناك من السياسيين بالاحياء هنا من يقدم لنا العون الفني والنصح ونحن نهتم بالاتصال بهم والاستماع لهم، لكنهم لا يملون علينا ما نفعل كما أنهم مثلك مندهشين مما نفعل ويدهشهم أكثر نجاحنا الذي تؤكده متابعتهم لمجريات التسجيل.

ما عرفته من هذا الشاب من تفاصيل فظيع بقدر ما هو خطير، لكنه مما لا يمكن تناوله هنا والآن، ربما لاحقاً وفي وقت قريب. لكني تأكدت أنه لا يمكن كسب الناس بغير مشروع سياسي وبرامج يهتم بالناس ومصالحهم. أما الولاءات المحدودة والتي ترتبط بالاشخاص والمال، فذلك سبيل لن يوفر لك كسب مهما حرصت. وأن الناس سيتعاملون معك بقدر (عقلك) وضمن حدود (مصالحك) وسيجارونك لأسبابهم الخاصة لكنهم لن يقدموا للناس ما يقنعهم لانه ليس هناك شئ أصلاً يضمن لهم تفاعل الناس معهم وسيكون منهجهم معك هو (أشوي الزبدة اذا كان ذلك مراد صاحبها) ولا تجهد نفسك.

الذي أعرفه جيداً وتأكدت منه أن الدراسات الميدانية التي أجراها وموّلها المؤتمر الوطني (بكل السودان) كانت خلاصتها أن المؤتمر الوطني سيخسر الانتخابات بالثابتة والاكيدة. لم تتوفر بعد معلومات مفصلة عن تلك الدراسة، لكن ورقة بعنوان ( مغذى الانتخابات وكيف تكسب) قدمت ضمن ورشة نظمتها منظمة (IDEA) قد تساعد في الوقوف على بعد الملامح الرقمية للموقف والحظوظ الانتخابية للمؤتمر الوطني نفسه  صاحب الدراسة. أهم ما استعرضته تلك الورقة هو أن المؤتمر الوطني قوي بالشمال مقارنة بباقي القوى السياسية، وكذلك الحركة الشعبية قوية بالجنوب مقارنة بباقي القوى السياسية ، ولكن الأهم من ذلك أن هناك كتلة حجمها 57% من غير المنحازين كما وصفتهم الورقة (لا انتماء أو اهتمام سياسي لهم) ورأت الورقة ان هؤلاء هم من سيحدد الفائز في الانتخابات القادمة، بل مضت الورقة لابعد من ذلك لتستنتج أن الجهة الاقوى اثراً على هؤلاء ال 57% كونهم ضمن الفئة الشبابية (18 الى 44 سنة) ويمثلون حوالي ال 14 مليون أي ثلاث أرباع الناخبين، هي الحركة الشعبية وليس المؤتمر الوطني. وأن اقصى كسب متوقع للمؤتمر الوطني لا يتجاوز حدود ال 27% من أصوات الناخبين، لذلك تشكل التحالفات تحدي ومخاطر حقيقية على المؤتمر الوطني، بل مضت الورقة في تحديد المواقع التي ستؤثر فيها التحالفات بقوة وهي رئاسة الجمهورية، وانتخابات الولاة، وقوائم التمثيل النسبي.

وهكذا (سيلج شباب قرفنا سم الخياط)، ويعيدوا التأكيد والتحدي، أن الانتخابات القادمة في حالة قيامها ستكون حافلة بالمفاجأت. وأنه رغم التخطيط والتلاعب وحصار القوي السياسية إلا أن هناك من يستطيع اختراق المؤتمر الوطني ومن حيث لا يحتسب، ويشكل لهم تهديداً حقيقياً ومباشر. بل يؤكدون أنه لا يمكن حصارهم ... إنهم شباب مغامر يعيش وبتفاصيل كل مخرجات ومآلات سياسات المؤتمر الوطني. للدرجة التي دفعت بهم الآن ليتربصوا به، حيث لا اهتمام بهم في الوقت الذي ينصرف اهتمام المؤتمر الوطني إلى القوى السياسية وتحالفاتها التي يخشى التهديد الذي تمثله له، ويظن أنه لا أحد له جماهير مثله. لكن شباب قرفنا يفرضون عليك أن تسلم بأن (بعض الظن وهم).

Abuthar Ali [abuzzzar@yahoo.com]

 

آراء