الخرطوم ـ «القدس العربي»: حذرت مجموعة محامو الطوارئ في السودان من إرسال جهات أمنية صورا مزيفة إلى أسر مواطنين مخفيين قسرا.
إخفاء الحقيقة
واعتبرت هذه الممارسة «محاولة ممنهجة لتضليل الأسر وإخفاء الحقيقة والتنصل من المسؤولية عن جريمة الإخفاء القسري»، محذرة من اتساع نطاق استخدام وسائل التضليل لتزييف الوقائع المتعلقة بمصير الضحايا، في وقت تتواصل فيه التحذيرات الحقوقية من تفاقم ظاهرة الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي في السودان مع استمرار الحرب.
ورصدت، في أكثر من حالة، إرسال صور لأشخاص مخفيين قسرا إلى ذويهم، مرفقة بادعاءات تفيد بأنهم محتجزون في مناطق أخرى.
ورأت أن إرسال صور مزيفة إلى أسر المخفيين قسرا لا يقتصر على كونه وسيلة للتضليل، بل يمثل امتدادا لجريمة الإخفاء القسري، لما يسببه من مضاعفة لمعاناة الأسر، ولما يهدف إليه من طمس الحقيقة وعرقلة جهود المساءلة والتنصل من المسؤولية القانونية عن مصير الضحايا.
كما حذرت من أن استمرار مثل هذه الممارسات قد يفتح الباب أمام توسيع استخدام وسائل الخداع والتلاعب بالأدلة في قضايا الاختفاء القسري، بما يقوض حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة، ويعقد جهود توثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وفي السياق ذاته، طالبت المجموعة بالكشف الفوري عن أماكن وجود جميع المخفيين قسرا، وتمكينهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، والإفصاح عن الأساس القانوني لاحتجازهم، ووقف ما وصفتها بـ«ممارسات التضليل»، إلى جانب فتح تحقيق مستقل لمحاسبة كل من يثبت تورطه في جرائم الإخفاء القسري أو في تضليل أسر الضحايا والتلاعب بالأدلة المتعلقة بمصيرهم.
كما دعت السلطات السودانية إلى الإفراج الفوري عن المواطن المدني علي محمد صالح بريمة، الذي قالت إنه لا يزال محتجزا منذ اعتقاله في 13 أبريل/ نيسان 2024 دون توجيه أي اتهام معلن إليه أو عرضه على جهة قضائية مختصة.
وذكرت أن السلطات الأمنية في مدينة عطبرة أوقفت بريمة أثناء سفره برفقة أسرته إلى ليبيا في محاولة لمغادرة السودان على خلفية الحرب، مشيرة إلى أن اعتقاله جاء «نتيجة الاشتباه بانتمائه إلى قوات الدعم السريع استنادًا إلى انتمائه الإثني، رغم حمله وثائق رسمية تثبت هويته».
وأضافت «أن بريمة نقل عقب اعتقاله إلى مقر الفرقة 19 مشاة في مدينة مروي، حيث لا يزال محتجزا حتى الآن، دون السماح له بالتواصل مع أسرته أو محاميه».
وأوضحت أن المحتجز، المنحدر من ولاية جنوب دارفور، أب لطفلين ويعمل في مجال التعدين الأهلي، وأن أسرته تواجه أوضاعا إنسانية ومعيشية صعبة منذ اعتقاله، في ظل استمرار انقطاع التواصل معه، الأمر الذي فاقم مخاوفها بشأن سلامته وأوضاع احتجازه.
وأكدت المجموعة أن بريمة لم توجه إليه أي تهمة معلنة، ولم يمثل أمام جهة قضائية، معتبرة أن استمرار احتجازه لأكثر من عامين دون إجراءات قانونية معلنة يثير مخاوف جدية بشأن تعرضه للاعتقال التعسفي، ويتعارض مع الضمانات الأساسية المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما اعتبرت أن أي احتجاز يستند إلى الاشتباه القائم على الانتماء الإثني أو الجهوي يمثل انتهاكا لمبدأ عدم التمييز.
وطالبت السلطات بالإفراج عنه فورا ما لم تكن هناك اتهامات جنائية تستند إلى أدلة كافية، وفي حال وجودها يتم تقديمه إلى محاكمة عادلة أمام جهة قضائية مستقلة، مع الإفصاح عن وضعه القانوني وتمكين أسرته ومحاميه من زيارته والتواصل معه وضمان جميع حقوقه القانونية والإنسانية.
وتأتي هذه المطالب في ظل استمرار التقارير المحلية والدولية التي تتحدث عن اتساع نطاق الاختفاء القسري والاحتجاز خارج الأطر القانونية منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/ نيسان 2023.
وتقدر حالات الاختفاء القسري منذ اندلاع الحرب السودانية منتصف أبريل/ نيسان 2023 بنحو 2309 حالة، فيما ترجح منظمات حقوقية أن يكون العدد الحقيقي أعلى بكثير بسبب صعوبة التوثيق واستمرار النزاع.
كما وثقت منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، حالات احتجاز تعسفي واختفاء قسري في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، تضمنت، وفق تقاريرها، احتجاز مدنيين بمعزل عن العالم الخارجي وحرمانهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، بالإضافة إلى مزاعم عن التعذيب وسوء المعاملة ووقوع وفيات أثناء الاحتجاز.
وفي المقابل، خلصت تقارير صادرة عن بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق ومنظمة العفو الدولية إلى توثيق انتهاكات جسيمة منسوبة إلى قوات الدعم السريع، شملت الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب والعنف الجنسي والقتل خارج نطاق القانون والتهجير القسري، فيما اعتبرت بعض التقارير أن قوات الدعم السريع ارتكبت نمطا من هذه الانتهاكات قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
ويبرز سجن دقريس في مدينة نيالا، الواقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع، باعتباره أحد أبرز مراكز الاحتجاز التي أثارت قلق المنظمات الحقوقية خلال السنوات الأخيرة. فقد وثقت تقارير حقوقية مزاعم عن اكتظاظ شديد داخل السجن، ونقص في الغذاء والرعاية الصحية، وانتشار الأمراض، واحتجاز مدنيين وعسكريين لفترات طويلة دون ضمانات قانونية، إلى جانب تسجيل وفيات بين المحتجزين.
وفي وقت تعيش عائلات المخفيين حالة مستمرة من عدم اليقين بشأن مصير ذويها، مع صعوبة الوصول إلى معلومات موثوقة أو التواصل معهم، فضلا عن التداعيات الاقتصادية والنفسية الناجمة عن غياب المعيل في كثير من الحالات، تتلقي أسر مختفين معلومات متضاربة أو مضللة بشأن أماكن احتجازهم، وهو ما يزيد من معاناتها ويعقد جهود كشف الحقيقة
وفي السياق شدد الناشط الحقوقي أحمد عبد الله في حديثه لـ« القدس العربي» على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والكشف عن أماكن وجود جميع المحتجزين والمختفين قسرا، وضمان خضوع أي احتجاز للرقابة القضائية، وتمكين المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وإجراء تحقيقات مستقلة في جميع مزاعم الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، بما يضمن المساءلة وإنصاف الضحايا.
وأشار إلى أن القانون الدولي يعتبر إخفاء المعلومات المتعلقة بمصير أو مكان وجود الأشخاص المختفين قسرا جزءا من جريمة الإخفاء القسري نفسها، وليس مجرد مخالفة إجرائية.
ووفقًا للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، تقوم هذه الجريمة على الحرمان من الحرية يعقبه رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده، بما يضعه خارج حماية القانون. ويؤكد القانون الدولي كذلك حق الضحية وأسرته في معرفة الحقيقة، بما يشمل الحصول على معلومات دقيقة عن مكان الاحتجاز والوضع القانوني والمصير النهائي للمختفي، كما يفرض على السلطات واجب إجراء تحقيقات فعالة وسريعة والكشف عن هذه المعلومات.
حجب المعلومات
وأشار إلى أن حجب المعلومات أو تقديم معلومات مضللة لأسر المختفين يقوض حقهم في معرفة الحقيقة وقد يشكل انتهاكا إضافيا لحقوق الإنسان، لما يسببه من معاناة نفسية مستمرة ويعرقل جهود المساءلة والعدالة.
وأضاف: «في حالات النزاعات المسلحة يجب أن تلتزم جميع أطراف النزاع، سواء كانت دولا أو جماعات مسلحة تسيطر فعليا على أشخاص محتجزين، باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني التي توجب تسجيل المحتجزين، والسماح بالتواصل مع ذويهم، والكشف عن أماكن وجودهم، بما يمنع تحول الاحتجاز إلى اختفاء قسري ويحد من الإفلات من العقاب».
