باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 7 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

محرَّرات الخليفة عبد الله

اخر تحديث: 16 سبتمبر, 2026 10:47 صباحًا
شارك

محرَّرات الخليفة عبد الله
أرشيفُ دولةٍ يتكلَّم بلسانه، قراءةٌ في صنيع محمد إبراهيم أبي سليم

د. الرشيد خليفة

تركت الدولة المهديّة خلفها صنفين من الورق لا صنفاً واحداً؛ فأمّا الصنف الأشهر الذائع، فهو ما كتبه عنها خصومها وأسراها: صفحات سلاطين في «السيف والنار»، وأوهرفالدر في «عشر سنوات في الأسر»، ونيوفيلد في سجنه، وونجت في تقاريره الاستخبارية، وشقير في تاريخه. وأمّا الصنف الآخر، الأخفت صوتاً والأصدق نسباً إلى أصحابه، فهو ما كتبته الدولة عن نفسها بيدها: مناشير الخليفة، ورسائله إلى أمرائه وعمّاله وملوك الأرض، وأوامره الإدارية اليومية، مبثوثةً في دفاتر الديوان وسِجِلّاته. الصنف الأوّل هو الذي صاغ صورة المهديّة في أذهان العالم قرناً كاملاً؛ والصنف الثاني هو الذي ظلّ حبيس دار الوثائق ينتظر مَن يُنطقه. وكتاب «محرَّرات الخليفة عبد الله»، بجمع محمد إبراهيم أبي سليم وتحقيقه، هو محاولةٌ لأن يُعيد إلى الدولة المهديّة حقّها في أن تُحاكَم إلى كلامها هي، لا إلى كلام مَن سجنته أو مَن غزته [1].
وفي هذه القراءة نمضي على سبعة محاور: مَن هو المحقِّق، وما منهجه في العموم ثمّ في هذا الكتاب بخاصّة، وما الذي يتفرّد به عن سواه، وما أطروحاته الكبرى في هذه الإصدارة، وأيّ فترةٍ وأحداثٍ غطّاها، وما موقفه من المهديّة وخليفتها تأييداً أو نقداً، ثمّ نقدُ الكتاب ومصادره ومبلغ صدقها وأهميّتها في ميزان التاريخ.
المحقِّق، رجلٌ صار «مِلكاً للسودان كلّه»
وُلد محمد إبراهيم أبو سليم سنة 1927م في قرية سَركَمتو بالولاية الشمالية، في ذلك الشمال النوبيّ الذي ابتلع النيلُ كثيراً من قراه بعد قيام السدّ العالي. تلقّى تعليمه الأوّل في عَبري ووادي حلفا، ثمّ درس علم الوثائق بجامعة الخرطوم فتخرّج سنة 1955م، والتحق فور تخرّجه بمكتبٍ صغيرٍ لحفظ المحفوظات في وزارة الداخلية. وهنا مكمن الحكاية: فذلك المكتب الصغير تطوّر على يديه، لا على يد وزارةٍ ولا لجنة، حتى صار «دار الوثائق القومية»، مؤسّسةَ الذاكرة الرسمية للسودان. ونال الدكتوراه في فلسفة التاريخ من جامعة الخرطوم سنة 1966م، وظلّ يكتب ويحقّق إلى أن توفّي بالخرطوم في السابع من فبراير سنة 2004م، وقد جاوزت مؤلّفاته وتحقيقاته الستّين، وقيل تخطّت المئة، ما بين تأليفٍ وتحقيق مخطوطٍ وتحقيق وثيقة [2].
وليست منزلته من التاريخ السودانيّ منزلةَ باحثٍ بين باحثين، بل، هي منزلةُ مَن صار مؤسّسةً في رجل. ويُروى في هذا خبرٌ طريف: أنّ آل أبي سليم أقاموا له احتفاءً، فحضره رئيس الوزراء الأسبق إسماعيل الأزهري من غير دعوةٍ ولا تنبيهٍ لأحد، وجلس بينهم في تواضعٍ حتى إذا استولت الدهشة على القوم قال كلمته المشهورة: إنّ محمد إبراهيم أبا سليم ليس مِلككم وحدكم، بل، هو مِلكٌ للسودان كلّه. ولم تكن مجاملةً؛ فالرجل الذي أنقذ أرشيف دولةٍ بأكمله من التلف والضياع قد استحقّ أن يُنسب إلى الوطن لا إلى العشيرة [3].
ولم يكن اعترافُ الدولة به دون اعتراف أهله. تولّى إدارة محفوظات السودان عند «سَودنة» الوظائف سنة 1955م، وظلّ يبنيها حتى غدت مؤسّسةً مستقلّةً كبرى باسم «دار الوثائق القومية» سنة 1982م، وارتبط اسمه بها حتى تقاعده سنة 1995م [4]. وكرّمته الدولة عند تقاعده بحفلٍ كبيرٍ أُقيم بقاعة الصداقة جزاءَ خدماته، وقلّدته على مدى سنيّه أوسمةً عِدّة: وسامَ الجدارة تقديراً لإنشائه دار الوثائق، ووسامَ العلم والآداب والفنون الذهبيّ لأعماله العلمية، ووسامَ النيلين من الطبقة الأولى في احتفال تكريمٍ سنة 1999م [5]. وله فوق ذلك ريادةٌ تجاوزت حدود بلده، إذ شارك في تأسيس الفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للأرشيف ورأسه.
مكتبةُ المهديّة التي بناها رجلٌ واحد، ما صدر في حياته وما صدر بعد مماته
لم يكن «محرَّرات الخليفة» جزيرةً منفردة، بل، حلقةً في مشروعٍ عمريٍّ نهض به أبو سليم لجمع تراث المهديّة وتحقيقه. ففي حياته أخرج «الحركة الفكرية في المهدية»، أوّلَ كتبه المنشورة، وفيه يؤرّخ للحياة الفكرية والعلمية في دولة المهدي، ثمّ «منشورات المهدية»، وهي مجموعُ ما أصدره المهدي من مناشيرَ للعامّة والخاصّة، وكانت طبعتُها الأولى قد خرجت عن مطبعة الحجر (lithography) بأمّ درمان سنة 1896م بأمر الخليفة؛ حقّقها أبو سليم من نسخةٍ بمكتبة جامعةٍ بريطانية عدّها النسخةَ الوحيدةَ الباقية من تلك الطبعة، ثمّ ظهرت بعده نسخةٌ أخرى بمكتبة جامعة هارفارد فبطَل وصفُ اليُتم [6]، وأخرجها عن دار الجيل ببيروت سنة 1979م. وأخرج «الآثار الكاملة للإمام المهدي» في سبعة مجلّدات، وهي عمود «سلسلة المهدية» ومرجعُها الأمّ، و«المرشد إلى وثائق الإمام المهدي» دليلاً كاشفاً لأرشيفه. وفي سِيَر الأمراء حقّق «مذكرات عثمان دقنة» سنة 1973م من دفتر الأمير الذي عُثر عليه في طوكر، وفيه ثلاثُ رسائلَ توثّق معاركه في الشرق [7].
ولم يقتصر على المهديّة الخالصة، بل، أتبعها بثلاثية الأرض، «الفونج والأرض»، و«الفور والأرض»، و«الأرض في المهدية»، في ملكية الأرض وعلاقاتها عبر دول السودان المتعاقبة، وبتحقيقه لتاريخ نعوم شقير «تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته»، الذي أخرجه عن دار الجيل ببيروت [8]، وبكتابه «تاريخ الخرطوم» الذي صار مرجعاً في بابه، وبتحقيقه ديوان «أُفُق وشَفَق» للشاعر توفيق صالح جبريل.
وتقويمُ أبي سليم لكتاب شقير نموذجٌ لعدله في وزن المصادر ووضعِها مواضعها. فقد عرض في مقدّمته لجذور هذا المؤرّخ العصاميّ وخلفيّته التاريخية وإسهاماته في التاريخ والدراسات الاجتماعية، ثمّ قوّم كتابه «تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته» تقويماً علميّاً منصفاً. فرآه، على تكوينه العامّ وغزارة معلوماته، “مرجعاً لا يُستغنى عنه رغم توالي الأعوام وتقدّم الدراسات السودانية، وأنّ صاحبه أوّلُ مَن وضع للسودان تاريخاً ممتدّاً من عصوره الأولى إلى مطلع القرن العشرين. وعدَّ بناءه للتاريخ القديم بناءً قويّاً في جملته، وقراءتَه للعهد التركيّ المصريّ متّزنةً ملتزمةً بالموضوعية؛ على أنّه وصف العهد الثنائيّ وصفاً غثّاً حافلاً بمدح زعمائه والثناء عليهم. أمّا المهدية، فقد التمس فيها شقيرٌ الحيدةَ وبذل أقصاه في وصفٍ أمينٍ للحوادث، لكنّ اتّجاهه العامّ غلبه فأنكر شرعيّتها وناصبها العداء هنا وهناك، وبقيت له مع ذلك ومضاتُ إنصافٍ وعطف. وبهذا الحكم المتوازن ردَّ أبو سليم كتابَ شقير إلى موضعه الحقيقيّ، ونفى عنه تهمةَ المُشتطّين الذين يختزلونه في «تقرير مخابرات» عارٍ من الموضوعية لا يصلح مصدراً لتاريخ السودان [9].”
وقد أصدر «مركز أبي سليم للدراسات» طائفةً من أعماله في حياته وبعد مماته. فمِمّا صدر في حياته «محرَّرات الخليفة عبد الله» نفسها، الكتاب الذي بين أيدينا، طبعته القاهرةُ سنة 2001م بمطبعة سوتير، بمبادرةٍ كريمةٍ من سيّدَين كريمَين من بيت المهدي، كما هو مثبَتٌ على صفحة حقوقه [1]. فلمّا توفّي أبو سليم سنة 2004م لم يمُت مشروعه معه؛ إذ نهض المركزُ، بالاشتراك مع أسرة الراحل، بإخراج ما لم يُنشر من تحقيقاته وإعادةِ طبع ما نفد منها. فصدر بعد رحيله كتابه الأخير «الخصومة في مهدية السودان» الذي وضع فيه خلاصةَ رأيه في المهديّة بين مؤيّديها ومعارضيها، وصدرت بقيّةُ سلسلة المحرَّرات: «محرَّرات القائد عبد الرحمن النجومي»، و«محرَّرات عثمان دقنة» التي رصدت نشاط عمالة (ولاية) الشرق العسكريّ والسياسيّ والإداريّ إلى صيف 1898م، وكتابُ «العالم المجاهد حسن العبادي» [7].
صنعة المحقِّق، ثمّ صنيعه في هذا الكتاب
وقبل أن نمضي في منهجه، يحسُن الوقوف عند معنى «التحقيق» نفسه، فكلمة «محقِّق» على الغلاف لا تعني مؤلّفاً ولا شارحاً، بل، رجلاً نذر نفسه لخدمة نصٍّ كتبه غيره. والتحقيق صنعةٌ صبورة: يجمع صاحبها ما تفرّق من نسخ المخطوط، ويقابل بينها حرفاً حرفاً ليستخرج ما أراده المؤلّف من تحت ركام أخطاء النسّاخ، من تصحيفٍ قلبَ الحرفَ حرفاً، وتحريفٍ أزاغ الكلمة عن وجهها، وسَقْطٍ أكل السطر، ثمّ يثبت هذه الفروق في الهامش أمانةً للقارئ. ثمّ يضبط ما أشكل، ويخرّج ما استشهد به المؤلّف من آيةٍ وحديثٍ وبيتِ شعرٍ ومثلٍ سائر، ويترجم للأعلام والبلدان والمصطلحات الغامضة، ويُصدّر عمله بمقدّمةٍ يوثّق فيها نسبة الكتاب إلى صاحبه ويصف نسخه ويبيّن طريقته، ويذيّله بفهارسَ تدلّ على مواضعه. وقانونه الأوّل الأمانة: أن ينقل النصّ كما هو لا كما يهوى، وأن يميّز صوته من صوت المؤلّف، فما كان من عنده جعله بين حاصرتين أو في الحاشية، لئلّا يختلط كلامُ الحيّ بكلام الميّت. وهو في هذا جنديٌّ مجهول: يُنفق العمر في قراءة رسائل غيره وأوامر مَن مضوا، فإذا خرج الكتاب نُسب المتنُ إلى مؤلّفه، ولم يبقَ للمحقّق إلّا نصف سطرٌ على الغلاف، وأجرُ مَن أحيا نصّاً كاد يموت.
على أنّ تحقيق الوثائق الرسمية، كمحرَّرات الخليفة، يزيد على هذا عبئاً خاصّاً، فالوثيقة الأرشيفية كثيراً ما تكون فريدةً لا نظير لها يُقابَل بها، ممزّقةً أو باهتةً أو مجهولة التاريخ، فيلزم المحقّق أن يقرأ الخطّ الصعب، ويفكّ رمز الختم، ويستدلّ على المُرسِل والمُرسَل إليه وزمن الكتابة من قرائن الداخل والخارج، ويرتّب المتفرّق ترتيباً يكشف خيط الأحداث، ويتحقّق قبل ذلك كلّه من صحّة نسبة المحرَّر إلى ديوان الخليفة، فلا يُدخِل في المتن ما دسّه دخيل.
ومنهج أبي سليم في هذا الباب واحدٌ عرفناه في أخواته من سلسلة المحرَّرات: يستند إلى أرشيف المهديّة المُودَع بدار الوثائق القومية بالخرطوم، وهو الأرشيف الذي رعاه هو بنفسه وفهرسه وأنقذه، فيستخرج منه ما خرج من ديوان الخليفة، ثمّ يقدّم للكتاب بمقدّمةٍ ضافية تجمع بين ثلاثة أمور: سيرةِ صاحب المحرَّرات في المهديّة، ووصفِ المادّة الوثائقية ومحتوياتها، وبيانِ كيفية تحقيقها وتقييمها شكلاً وموضوعاً. وهو يميّز بدقّة الأرشيفيّ بين صنفين: «المذكرات» التي أساسها دفترٌ شخصيّ دوّنه صاحبه، كدفتر عثمان دقنة الذي عُثر عليه في طوكر، و«المحرَّرات» التي أساسها سِجِلّ الدولة الرسميّ. فالكتاب الذي بين أيدينا من الصنف الثاني: مادّته منشورات الخليفة ورسائله وأوامره كما صدرت عن دولته، لا كما رواها عنه راوٍ أو حكاها أسير [10].
ومن دقائق منهجه أنّه لا يقرأ الوثيقة معزولةً عن نسيجها الاجتماعيّ، بل، يضعها في تضاريسها القبلية والدينية والسياسية؛ فيفهم رسالةً إلى أميرٍ في ضوء انتماء ذلك الأمير وموقع قبيلته وعلاقتها بجيرانها. وهذه العادة المنهجية، قراءةُ المستند في سياق الأنساب والمراعي والطُّرق الصوفية والتنافس المحليّ، هي التي تجعل تحقيقه تاريخاً اجتماعياً مضمَراً لا مجرّد نشرٍ لأوراق رسمية.
ما الذي يتفرّد به أبو سليم
يتفرّد أبو سليم بأنّه لم يكتب تاريخ المهديّة من الوثائق فحسب، بل، أتاح الوثائق نفسها لمن يكتب. وهذا فرقٌ جوهريّ: فالمؤرّخ العاديّ يستهلك المصادر، أمّا هو فقد صنع المصدر وأتاحه للأمّة. وقبل أن يشتغل بالنشر كان أرشيف المهديّة أوراقاً مبعثرةً معرّضةً للتلف، فلمّا فرغ منه صار مكتبةً منشورةً مفهرسة. وبهذا المعنى هو مؤسِّس المدرسة الوثائقية في الكتابة التاريخية السودانية، ورائدُها الذي يقيس عليه مَن جاء بعده.
ويتفرّد ثانياً بأنّه أعاد إلى المهديّة صوتها. فقد ظلّت صورة الدولة في الغرب، بل، في كثيرٍ من كتابات الشرق، مرسومةً بأقلام أعدائها وأسراها؛ حتى إذا نشر أبو سليم محرَّرات المهدي ثمّ محرَّرات خليفته وقادته، وضع في يد الباحث مرآةً أخرى يقابل بها المرآة الأولى، فلم يعُد الحكم على الدولة موقوفاً على شهادة الخصم وحده.
ويتفرّد ثالثاً بذلك الجمع النادر في رجلٍ واحد بين ثلاث صنائع لا تكاد تجتمع: الأرشيفيّ الذي يحفظ ويفهرس، والمؤرّخ الذي يحلّل ويؤصّل، والمحقّق الذي يضبط ويخرّج. فهو أمينُ الخزانة وقارئُها ومفتاحُها في آنٍ معاً، امتيازٌ منحه سلطاناً على المادّة قلّ إن يظفر به سواه، وهو نفسه، كما سيأتي في النقد، موضعُ تحفّظٍ منهجيّ لطيف.
أطروحاته الكبرى في هذه الإصدارة
الأطروحة الجامعة التي يقوم عليها الكتاب أنّ المهديّة في طورها الثاني كانت «دولة منشوراتٍ ورسائل»؛ فالمنشور والرسالة عندها أداتا حكمٍ ودعوةٍ لا مجاملةٍ دبلوماسية، بهما تُدار العمالات، وتُجنّد القبائل، وتُخاطَب الملوك، وتُبلَّغ الأوامر. ومن ثمّ فإنّ قراءة هذه المحرَّرات ليست تزيّداً وثائقياً، بل، هي قراءةٌ في آلة الحكم ذاتها.
ومن أطروحاته الجزئية اللافتة ما استنبطه من المحرَّرات في مسألة هوية الخليفة وعصبيّته: فقد ذهب، استناداً إلى الوثائق لا إلى الروايات، إلى أنّ الخليفة لم يُظهر طوال حياته انتماءً إلى غير قبيلته التعايشة وقبائل البقارة، وأنّه حصر كبار مناصبه في أهله وتلاميذ أبيه، ولم يُسنِد إمارةً كبرى إلى أحدٍ من الفلاتة أو التكارير. ويستدلّ على حرارة هذه العصبية بما يظهر في محرَّراته إلى الأمير حمدان أبي عنجة من «عاطفة قربى ومحبّة جيّاشة». على أنّ «الانتماء إلى التعايشة» في هذا الباب انتماءٌ اجتماعيّ يتّسع للموالي وتلاميذ بيت الخليفة، لا نسبٌ بقاريٌّ صريحٌ وحده؛ فأبو عنجة نفسه، قائدُ الجهاديّة، رجلٌ مختلَفٌ في أصله وُصف بأنّه «نصف تعايشيّ»، وإنّما دخل الدائرة تلمذةً على والد الخليفة وولاءً لا خلوصَ نسبٍ بقاريّ [11]. فمعيارُ الخليفة كان الدائرةَ التعايشيّة بنسبها ومواليها وتلاميذ بيتها، لا الدمَ وحده. ويترتّبُ على ذلك، عنده، إبطالُ القول بأنّ المهديّة قامت على «حِلفٍ فلاتيّ بقاريّ»؛ فالوثائق تنطق بعصبيةٍ بقاريةٍ خالصة، لا بحلفٍ يضمّ البقارة إلى الفلاتة. على أنّ هذه العصبيّة عصبيّةُ بطانةِ الحكم وحلقةِ القرار في عهد الخليفة، لا وصفٌ لتركيب الحركة كلِّها؛ فالمهديّةُ في أصلها ومؤسّسيها وجهازها الإداريّ والقضائيّ لم تكن مشروعاً غربيّاً يُقصي أهل النيل، والمهديُّ نفسه دنقلاويُّ المولد، والأشرافُ أقاربُه منهم، بل، ضاقت على أهل النيل دائرةُ القرار حين آثر الخليفةُ قومه، وذلك بعينه أصلُ ثورة الأشراف. فلا تناقضَ بين بقاريّةِ الحلقة الحاكمة وبين حضور أهل النيل في صميم الحركة، لاختلاف المستوى.
ومنها أطروحته أنّ صراعات عهد الخليفة كانت في جوهرها صراعاتِ نفوذٍ وسلطةٍ وطموحٍ شخصيّ بين ساسة المهديّة وأمرائها، لا صراعاتٍ إثنيةً بين «أولاد البحر» و«أولاد الغرب» كما يحلو لبعضهم أن يصوّرها؛ والدليل من الوثائق نفسها أنّ الخليفة كان يفضّ النزاع بين أميرين من قبيلةٍ واحدةٍ تحت رايةٍ واحدة، ويستدعي أحدهما إلى العاصمة ليُخلي الميدان للآخر. فالوثيقة عنده تكشف أنّ المِحور محورُ سلطةٍ لا محورُ دم.
ومنها أنّ المحرَّرات تنطق بعقل الخليفة في تبرير سياساته بلسانه هو؛ فسياسة التهجير، التي رُميت بأبشع المعاني، تظهر في كتبه معلّلةً بحفظ الدولة وتأمين العاصمة وتوفير المقاتل المخلص. حتى المجاعة الكبرى فسّرها بمنطقه الخاصّ، إذ كتب إلى عامله يونس الدُّكيم أنّ القحط «عقابٌ من الله على الظلم ليكفّ الظالمون عنه»، وأمر بمنع الجيش من التعدّي على الزروع والمنازل. وهذه نصوصٌ لا تجدها بهذا الوضوح إلّا في محرَّراته، ولا سبيل إلى معرفة كيف كان الرجل يرى نفسه ودولته إلّا من مثلها.
الفترة والأحداث التي غطّاها الكتاب
تغطّي سلسلةُ المحرَّرات طورَ الدولة في المهديّة، أي عهد الخليفة عبد الله من وفاة المهدي في الحادي والعشرين من يونيو سنة 1885م إلى سقوط الدولة على يد الغزو الإنجليزيّ المصريّ: هزيمة كرري في الثاني من سبتمبر سنة 1898م، ثمّ مقتل الخليفة في أمّ دبيكرات في الرابع والعشرين من نوفمبر سنة 1899م. أمّا هذا المجلّد الأوّل بعينه فلا يستوعب الحقبةَ كلَّها، بل يقف عند مطلع حكم الخليفة ولا يكاد يتجاوز عامَه الأوّل (نحو سنتَي 1885 و1886م)، كما يدلّ نطاقُه الزمنيّ المثبَت على صدر الكتاب [1]؛ فهو فاتحةُ السلسلة لا خاتمتُها، وما نستشهد به في هذه القراءة من وثائق العهد المتأخّر إنّما نأخذه من المشروع الوثائقيّ في جملته لا من هذا الجزء وحده.
وتضيء المحرَّرات جوانبَ الدولة من داخلها: تقسيمَ السودان إلى عمالاتٍ يرأس كلاًّ منها عاملٌ يُنفّذ ما يَرِدُه من العاصمة أمّ درمان؛ وبيتَ المال ومصادره من الزكاة والغنائم والعشور الجمركية وخراج الصمغ وغلّة الأرض وجباية القوارب؛ والجيشَ ورايَاته وحامياتِ الثغور الحدودية المعروفة بـ«البوغازات»؛ والقضاءَ برأسه قاضي الإسلام. وتوثّق حروبَ الدولة على جبهاتها: حربَ الحبشة التي قُتل فيها الإمبراطور يوحنّس الرابع سنة 1889م، وحملةَ مصر التي انكسر فيها النجومي عند توشكى في العام نفسه، ونشاطَ عثمان دقنة في الشرق وتحريرَه كسلا وإغارتَه على سواكن واحتلالَه طوكر سنة 1889م.
كما تحفظ المحرَّرات ذكرى الأزمات الكبرى: المجاعةَ التي عُرفت بـ«مجاعة سنة ستّة»، والتسمية نسبةٌ إلى العام الهجريّ 1306 الذي يوافق 1889 و1890م، وما رافقها من جفافٍ وجرادٍ وحروبٍ وتهجيرٍ هجر الناسُ بسببه الزرع. وتحفظ خطاباتِ الخليفة إلى ملوك الأرض على تباعد أقطارهم: الملكةِ فكتوريا، والسلطان عبد الحميد الثاني، والخديويّ توفيق، والإمبراطور منليك، وزعماءِ الحجاز وليبيا ووداي وصكتو؛ خطاباتٌ يدعوهم فيها، بل، يأمرهم، بالدخول في طاعة المهديّ، غزيرةٌ في الآيات والنبوءات، على قِصَرها في فقه الدول والمصالح. وفي كلّ ذلك ينبغي، امتثالاً لطبيعة الكتاب، أن تُقرأ تواريخُ الوثائق الهجرية بمقابلها الميلاديّ، فذلك أقربُ إلى القارئ وأدلّ على تعاقب الأحداث.
رسائلُ الخليفة إلى الملوك، نموذجان
ولمّا كانت خطاباتُ الخليفة إلى ملوك الأرض، التي مرّ ذكرُها، من ألفت ما في محرَّراته، حسُن أن نقف عندها وقفةً أطول، فنتّخذ من رسالتيه إلى السلطان عبد الحميد الثاني والملكة فيكتوريا نموذجين. وهي جميعاً على منوالٍ واحد: دعوةٌ إلى طاعة «مهديّ الله» في ثوب إنذار، غزيرةٌ في الآيات والنبوءات، شحيحةٌ في فقه الدول والمصالح [12]. وهي من صميم الأرشيف الذي جمعه أبو سليم في سلسلة المحرَّرات، وعنه يأخذها الدارسون. على أنّ هاتين الرسالتين بعينهما تقعان خارج نطاق هذا المجلّد الأوّل، إذ لا يكاد يتجاوز العامَ الأوّل من حكم الخليفة، وإنّما كُتبت خطاباتُ الملوك في طورٍ متأخّرٍ من عهده؛ فاتّخاذُنا إيّاهما نموذجين إنّما هو لعلوّ منزلتهما بين رسائله لا لورودهما في هذا الجزء، تنبيهاً للقارئ إلى الفرق بين ما نناقشه تمثيلاً وما يحويه المجلّد فعلاً.
ويفرض سؤالٌ نفسه: مَن كان يحرّر هذه الرسائل؟ فالخليفة رجلٌ باقريٌّ نشأ على الإبل لا على الكتب، وفي مبلغه من القراءة والكتابة خلافٌ قديم. أمّا هذه اللغةُ المسجوعةُ المشحونةُ بالقرآن والنبوءات فليست من صنعته، بل، من صنعة كتَبة ديوانه المتعلّمين ممّن انضووا تحت المهدية؛ فالبلاغةُ بلاغتُهم، والختمُ ختمُ الخليفة. ومن ثمّ لا تُقاس فصاحةُ الرسائل على ثقافة صاحبها، فهي صوتُ المؤسّسة لا صوتُ الرجل، ولستُ أُثبت اسمَ كاتبٍ بعينه إذ لم تُسعفني المصادرُ بتعيينه.
أمّا رسالته إلى عبد الحميد الثاني فجرت على المنوال نفسه: دعوةٌ إلى تصديق دعوة المهديّ والدخول في طاعته، مُسنَدةٌ إلى آياتٍ وأحاديثِ المهديّ المنتظَر، مقرونةٌ بالترغيب والترهيب. وفيها المفارقةُ الفقهية الكبرى: فعبد الحميد «خليفةُ المسلمين» في عُرف عصره، فلو آمن بالدعوة لزمه على مذهبها أن يُبايع المهديّ؛ إذ المهديُّ المنتظَر، في عقيدة المهدية، تنحلّ ببيعته كلُّ بيعةٍ سابقة، ويجب على كلّ مسلمٍ الدخولُ في طاعته. فلو أجاب لانقلب من خليفةٍ متبوعٍ إلى تابعٍ تحت راية خليفةِ المهديّ عبد الله، وذابت خلافةُ آل عثمان التاريخية في إمامة مهديٍّ ظهر على أطراف السودان. وذلك عينُ ما لم يكن العثمانيّون ليُذعنوا له، فلم تلقَ الرسالةُ إلا الصمت أو الازدراء.
وأمّا فيكتوريا فملكةُ بريطانيا وإمبراطورةُ الهند التي يُنسب إليها «العصر الفيكتوريّ»، حكمت من سنة 1837م إلى سنة 1901م. وتوالى على العرش بعدها ابنُها إدوارد السابع، ثمّ حفيدُها جورج الخامس، ثمّ إدوارد الثامن الذي تنازل عن العرش، ثمّ أخوه جورج السادس، ثمّ ابنتُه إليزابيث الثانية التي حكمت من 1952م إلى 2022م؛ فإليزابيث خامسةُ مَن وَلِيَ العرش بعد فيكتوريا.
ورسالتُه إليها من عفّة اللسان بحيث تُكذّب ما شاع عنها. خاطبها بعد البسملة: «من العبد المعتصم بمولاه القاهر خليفةِ المهديّ عليه السلام، إلى عزيزة قومها فيكتوريا ملكةِ بريطانيا، سلامٌ على مَن اتّبع الهدى»، ثمّ دعاها إلى الإسلام واتّباع المهدية، وبشّرها بالأمن والمغفرة إن آمنت، وحذّرها أن تغترّ بجيوشها، وذكّرها بمصير هكس وغردون وستيوارت ممّن حاربوا المهدية فأُهلكوا، وختم بأنّها إن أبت «وطئ حزبُ الله دارها». فهي دعوةٌ وإنذارٌ في لغةٍ رصينة، لا سُخفَ فيها ولا مُجون [13].
وأمّا ما تناقلته الألسنة أجيالاً، ثمّ عاد يشيع عند وفاة إليزابيث الثانية سنة 2022م، من خطابٍ قصيرٍ يعرض فيه الخليفةُ أن يُطهّرها ويُزوّجها الأميرَ يونس ود الدكيم إن آمنت، فتزويرٌ موضوعٌ لا أصل له في المحرَّرات. نبّه إلى وضعه الحاجّ عبد الله القطيني سنة 2012م، وردّه الدكتور عبد الله علي إبراهيم ردّاً قاطعاً، وبيّن أنّه إنّما راج في مناخٍ سياسيٍّ حديثٍ يُقرَن فيه بين المهدية وخصومٍ معاصرين، فأُلبِس الخليفةُ سُخفاً لم ينطق به. والعبرةُ منهجية: أنّ الرجوع إلى المحرَّرات هو الذي يفرز نصَّ الدولة الصحيح من نحلٍ تقوّلته عليها الأهواء [13].
موقفه من المهديّة والخليفة، إنصافُ العالِم لا حماسةُ الداعية
موقف أبي سليم من المهديّة موقفُ العالِم المنصِف لا الداعية المتحمّس. عُني بها باحثاً وحافظاً لتراثها، ورأى فيها حركةً وطنيةً سودانيةً أصيلة، لكنّه لم يجعل من التحقيق منبراً للدعوة. وطريقته في الإنصاف طريقةٌ غير مباشرة: فهو لا يخطب في الدفاع عن الخليفة، بل، يضع بين يديك محرَّراته لتحكم أنت. وحين نشر هذه الوثائق كان يصحّح ميزاناً اختلّ قرناً، إذ كانت صورة الخليفة مرسومةً بأقلام سلاطين وأوهرفالدر ونيوفيلد وونجت وشقير، أي بأقلام أسراه وخصومه وغُزاته، فجاءت محرَّراته لتضع في الكفّة الأخرى شهادةَ الدولة عن نفسها [14].
على أنّه في هذه الإصدارة بخاصّة يميل، بحكم المادّة، إلى تفنيد بعض ما رُمي به الخليفة: فيردّ تهمة «الجهوية الفلاتية» بشواهد التعيينات، ويردّ تهمة «الصراع الإثنيّ» بشواهد فضّ النزاعات، ويقرأ سياساته القاسية في ضوء منطق الدولة لا في ضوء التشفّي. لكنّه لا يجامل ولا يكتم؛ فالوثائق التي ينشرها هي نفسها التي تُثبت قسوة العقوبات، وثقلَ التهجير، واحتكارَ المناصب في الأهل والعشيرة. وهذا هو الإنصاف في أدقّ صوره: أن يقدّم للخليفة أوراقاً تنطق له وعليه معاً، ويترك للقارئ فصلَ الخطاب.
نقد الكتاب ومصادره، ومبلغ صدقها وأهميّتها
أمّا القيمة، فلا تكاد تُقدَّر: هذه وثائق أوّلية من الطبقة الأولى، صادرةٌ عن الدولة نفسها، تُوازن بها شهادةَ الأسير والغازي والرحّالة. وفيها من الفائدة الدبلوماسية والإدارية ما لا يُغني عنه غيره: صيغُ الديوان وأختامُه وتواريخُه، وآلةُ الحكم من بيت مالٍ وعمالاتٍ وثغور، ونصوصٌ لا يُعرف بها عقل الخليفة إلّا منها. ولا تقوم دراسةٌ جادّةٌ للمهديّة اليوم إلّا وهذه المحرَّرات في أساسها؛ ولولا صنيع أبي سليم لظلّ تاريخ الدولة قائماً على كتب أعدائها وحدها.
لكنّ للمصدر، على نفاسته، حدوداً ينبغي أن يعيها القارئ. أوّلها أنّ الأرشيف صوتُ الدولة عن نفسها، ووثيقةُ الديوان ليست شهادةً محايدة، بل، هي خطابُ سلطةٍ يحمل في صلبه التبريرَ والتزيينَ والشرعنة، كما رأينا في تبرير سياسة التهجير وتعليل مجاعة سنة ستة، والمنشورُ خاصّةً أداةُ دعايةٍ قبل أن يكون تقريرَ واقع. فما ينبغي أن يُؤخذ كلامُ الخليفة عن سياساته على أنّه الحقيقةُ المجرّدة، فهو خصمٌ وحكمٌ في آنٍ.
وثانيها مفارقةُ الأمين المحقِّق: فأبو سليم كان مديرَ الأرشيف ومحقِّقَه معاً، وهو امتيازٌ ومأخذٌ في آنٍ. امتيازٌ لأنّ لا أحد أعرفُ بالمادّة منه؛ ومأخذٌ لأنّ مَن يملك الخزانة هو الذي يختار ما يُنشَر منها وكيف يُرتَّب ويُقدَّم، وليست هذه بالضرورة قسمةً محايدة. ولا طعن في أمانة الرجل، لكنّ المنهج يقتضي أن نتذكّر أنّ ما بين أيدينا اختيارٌ من كلٍّ، لا الكلُّ.
وثالثها انحيازُ البقاء: فما وصلنا من أرشيف المهديّة إنّما هو ما نجا من سقوط أمّ درمان ومن أيدي جند كتشنر ومن عوادي الزمن، فغيابُ الوثيقة ليس دليلاً على غياب الواقعة، والصورة التي ترسمها المحرَّرات صورةٌ ناقصةٌ بطبيعتها لا مُطبَقة.
ورابعها أنّ الوثيقة الداخلية تستدعي من قارئها المقابلةَ بمرايا أخرى: بأدب الأسرى (سلاطين وأوهرفالدر)، وبالتقارير الاستخبارية (ونجت)، وبالمدوّنات الحولية (شقير)، وبالدراسات الأكاديمية اللاحقة (مكي شبيكة [15]، وفيفيان ياجي في رسالتها عن الخليفة [16]، وبيتر هولت في دولة المهديّة)، وبالرواية الشفوية. والمقابِلُ بهذه المرايا هو الباحثُ اليوم لا المحقِّق نفسه؛ فبعضُها متأخّرٌ عن زمنه، وإنّما يوضَع بين يدي مَن يستعمل الكتاب لا يُنسَب صنيعُه إليه. فلا مرآةَ واحدةً تكفي، والحقيقةُ تُستخرج بتثليث الشهادات لا بالاكتفاء بواحدة.
وخامسها، وهو مأخذٌ لطيف، أنّ الغزارة النادرة في إنتاج أبي سليم على امتداد عمره لم تخلُ من هَناتٍ طباعيةٍ وسهواتٍ يسيرةٍ رصدها بعضُ دارسي تراثه [17]؛ وهي لا تغضّ من قامته، لكنّها تذكّر بأنّ نصّ المحقِّق الكبير نفسه يُقرأ بعينٍ يقظى لا بعين التسليم. وليس لهذا المجلّد عذرُ مَن خرج كتابُه بعد وفاته، فقد طُبع في حياته سنة 2001م وأدرك صاحبُه مراجعتَه.
والخلاصة أنّ «محرَّرات الخليفة عبد الله» حجرُ الأساس في دراسات المهديّة الحديثة؛ قيمته أنّه ينطق بلسان الدولة، وحدّه أنّ لسان الدولة لسانٌ منحاز كسائر ألسنة الدول. وأعظم ما أسداه أبو سليم أنّه جعل المهديّة قابلةً لأن تُحاسَب أمام التاريخ بكلامها هي، وتلك خدمةٌ لا يؤدّيها إلّا مَن أنفق العمر جندياً مجهولاً في خدمة أوراق مَن مضوا.

المراجع
[1] محمد إبراهيم أبو سليم (جمعاً وتحقيقاً)، محرَّرات الخليفة عبد الله التعايشي، المجلد الأول، القاهرة، مركز أبي سليم للدراسات (طبع شركة سوتير)، 2001م.
[2] عبد العزيز محمد، «المؤرخ السوداني محمد إبراهيم أبو سليم: تاريخ الوثائق في السودان»، مجلة العربي، نوفمبر 2008م:
https://alarabi.nccal.gov.kw/Home/Article/5771
[3] التجاني صلاح، «عن محمد إبراهيم أبو سليم»، ساسة بوست، 2016م:
https://www.sasapost.com/opinion/about-mohammed-ibrahim-abu-salim/
[4] مركز أبي سليم للدراسات، تعريفٌ بالراحل ومناسبةُ ذكراه السنوية، لتاريخ التقاعد (1995م) واستقلال دار الوثائق (1982م) وعمل المركز بالاشتراك مع أسرة الراحل (منقولٌ على مدوّنة أخبار المدينة، 2014م):
https://akhbaralmadina.wordpress.com/2014/02/page/3/
[5] «محمد إبراهيم أبو سليم»، الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)، للأوسمة وحفل التكريم بقاعة الصداقة عند التقاعد:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85_%D8%A3%D8%A8%D9%88_%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85
[6] محمد وقيع الله، «لماذا أخفى أبو سليم هذا النص من تحقيقه لمنشورات المهدي؟»، سودانايل، 2009م، لطبعة أمّ درمان الحجرية (1896م) ونسخة جامعة هارفارد وعدِّ أبي سليم النسخةَ البريطانية الوحيدةَ الباقية:
https://sudanile.com/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A3%D8%AE%D9%81%D9%89-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D9%87-%D9%84/
[7] صحيفة الراكوبة، «الذكرى العاشرة لرحيل البروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم»، 2014م:
https://www.alrakoba.net/1356461/
[8] نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، تحقيق وتقديم محمد إبراهيم أبي سليم (صدرت طبعتُه بعنوان: نعوم شقير، تاريخ السودان)، دار الجيل، بيروت، 1986م.
[9] أحمد إبراهيم أبوشوك، محمد إبراهيم أبوسليم محققاً ومؤرخاً، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أمدرمان، سبتمبر 1999م، ص 39 (لتقويم أبي سليم لتاريخ نعوم شقير).
[10] أحمد إبراهيم أبوشوك، تقديم كتاب «عثمان دقنة» (تأليف هنري سيسل جاكسون، ترجمة بدر الدين حامد الهاشمي)، دار المصورات، الخرطوم، 2019م، وفيه وصفٌ مفصّل لمنهج أبي سليم في سلسلة المحرَّرات، منشورٌ ملخّصه في صحيفة التحرير:
https://www.alttahrer.com/archives/34535
[11] «حمدان أبو عنجة»، الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)، للاختلاف في أصله ونسبه ووصفه بـ«نصف تعايشيّ» وقيادته فرقة الجهاديّة:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D9%85%D8%AF%D8%A7%D9%86_%D8%A3%D8%A8%D9%88_%D8%B9%D9%86%D8%AC%D8%A9
[12] «عبد الله التعايشي»، الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)، لرسائل الخليفة إلى ملوك الأرض ومضمونها بين التحذير والترغيب:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%B4%D9%8A
[13] عبد الله علي إبراهيم، «عِرِس ود الدكيم من عزيزة قومها فكتوريا»، سودانايل (كُتب عند وفاة الملكة إليزابيث الثانية، 2022م)، لنصّ رسالة الخليفة الحقيقية إلى فيكتوريا وتزييف رواية زواج ود الدكيم:
https://sudanile.com/%D8%B9%D9%90%D8%B1%D9%90%D8%B3-%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D9%8A%D9%85-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2%D8%A9-%D9%82%D9%88%D9%85%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-3/
[14] رودولف سلاطين، السيف والنار في السودان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999م.
[15] مكي شبيكة، تاريخ شعوب وادي النيل في القرن التاسع عشر الميلادي، دار الثقافة، بيروت، 1980م.
[16] فيفيان ياجي، الخليفة عبد الله وحياته وسياسته، ترجمة مكي بشير، (أصلها أطروحة دكتوراه، جامعة مونبلييه الثالثة، فرنسا)، 2011م.
[17] خالد محمد فرح، «نظرات ومراجعات في جانبٍ من تراث العلّامة أبو سليم»، سودانايل، 2022م:
https://sudanile.com/%D9%86%D8%B8%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D8%A7%D9%86%D8%A8%D9%8D-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%91/

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
من مناهج وأساليب السرد في رواية 48 للكاتب محمد المصطفى موسى
تجربة المجتمعات المحلية في السودان مع التطرف العرقي والصراع الاجتماعي
منبر الرأي
نعم … إنه فيصل محمد صالح وكفي
بيانات
بيان رئيس المحكمة الجنائية الدولية بمناسبة يوم العدالة الجنائية الدولية
منبر الرأي
الصحافة.. تسقط بايديهم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أيام ذهبية في الخرطوم 4-4 .. بقلم: سليم عثمان

سليم عثمان
منبر الرأي

الأسد ذاااتوو ! .. بقلم: الفاتح جبرا

طارق الجزولي
منبر الرأي

أمسية بمركز رعاية الثدي في الديوان .. بقلم: إمام محمد إمام

إمام محمد إمام
منبر الرأي

تجديد الماركسية … بقلم : تاج السر عثمان

تاج السر عثمان بابو
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss