محكمة الجنايات الدولية – الحاضر الغائب في مأساة سوريا

 


 

 

( وحاجة النظام الدولي للإصلاح )
محكمة الجنايات الدولية وهي مؤسسة قانونية حديثة الإنضمام لمؤسسات المجتمع الدولي, من إسمها وتخصصها تبدو الكيان الأكثر اهلية لتعزيز ثقة الإنسان العادي (حول العالم) في وجود مجتمع دولي ذي مؤسسات متماسكة وضرورة إنتماء كل الدول لهذه المؤسسات من اجل ضمان حماية الإنسان الفرد كأولوية قصوى يتجاوز واجب ادائها كل الحدود والنظم الوطنية، وهو ما يشكل جوهر إختصاصها كونه إنساني عالمي وتكميلي، ومن جهة اخرى فهي احد الأجسام المؤسساتية المهمة التي تدعم الخط الفكري للرأسمالية الغربية الساعي لربط العالم كله بمؤسسات تصب في مصلحة نظام عالمي ظل يبشر به منظرو الغرب على انه النهاية الحتمية والوحيدة لصراع البشرية من اجل نيل حقوقها والإعتراف بكرامتها بشكل ينبي حتى بنهاية التاريخ تحت مظلة نظام هذا النظام الذي يشترك في اقتصاد سوق واحدة ونظرية سياسية واحدة في إطار ليبرالي.
مساعي الغرب والأمريكيين لحسم الصراع لصالح الديموقراطية الليبرالية بحسبانها اسمى ما يصبو إليه إنسان من اجل تحقيق كرامته والتي يرى الفيلسوف هيقل انها (الكرامة) تبرر تضحيته بكل المكتسبات المادية المتمثلة في ذات وجوده المادية من اجل تحقيقها وهي لا تعدو كونها شعور مجرد (الثيموس) كما يعرفها اليونانيون, فهي تتحقق لدرجة التلاشي, أو عدم الحاجة لذكرها في مجتمع ديموقراطي يضمن لمتساكنيه المساواة الكاملة في كل الحقوق ويوفر لهم غاية اسباب الرفاه بشكل تنتفي معه حاجة المرء للإعتراف القديم بكافة وجوههه (كرامته).
هذه الكرامة المشتركة او لنقل المساواة التي قدر لها ان تحسم كل حاجة لإستنفار مفهوم الكرامة, ما كانت لتتحقق لولا التقدم الجوهري في تحقيق مبادي المساواة امام القانون، مما اكسب القانون قدرا كافيا من الإحترام ومن ثم النظام الذي تبنى واطر وحمى هذا القانون.
هذه الحقيقة ظلت غائبة – جوهريا- في كل مراحل تشكيل وتصدير نظام عالمي يقوم على ذات الابجديات لدول العالم الثالث (مخزون الموارد الخام), فبذات القدر الذي يصور به مفكر كبير كفرانسيس فوكوياما المشروعية على انها الإحتياطي الذي تلجأ إليه النظم الديموقراطية عند حدوث الأزمات و الإخفاقات فإن النظم الإستبدادية تفتقر لهذا الرصيد مما يضعها أمام صعوبات قد تعصف بها عند بروز اول اخفاق، نجد ان النظام العالمي يبدو فاقدا لأي مشروعية لدى المواطن العادي في العالم الثالث لأسباب كثيرة ليس اهمها الخلفية التاريخية (الإستعمار) التي شكلت وعيه تجاه العالم الأول, ولكن لرسوخ ممارسات آنية اقتصادية وسياسية تجاه هذا الإنسان لا تقل وحشية عن حقب الإستعمار الصريح وهو بالتالي (أي النظام العالمي) لا يبدو اكثر رحمة من النظم الإستبدادية (الحكومات القطرية) التي يعاني منها.
لذلك فإن محاولة تطويق العالم بمؤسسات دولية شاملة تحد من الفوارق في انظمة الحكم سياسيا واقتصاديا وقانونيا لا تعدو كونها أمرا واقعا مفروضا تقبله بلاد العالم الثالث حكاما ومحكومين بشكل مرحلي دون ان يمثل ذلك القبول إلتزاما أخلاقيا وقانونيا حقيقيا ولا يرجع ذلك للدور الهامشي الذي لعبته هذه الدول في صياغة ذلك النظام ( وهو موضع تفصيل يضيق عنه المقام) ولكن لإهتزاز صورة القانون الدولي وإنعدام المساواة في حقوق الإنسان الفرد امامه, ولا يحتاج المرء لإثبات اهمية  المساواة امام القانون في منحه مشروعيته كقانون, وبذات القدر فإن مشروعية القانون هي التي تمنح المشروعية السياسية والإقتصادية لأي نظام. ولو استثنينا مجلس الأمن الدولي من هذه الرغبة المثالية في رعاية عالم متحضر يحترم الإنسان ابتداءا فإن امتداد الفشل في تحقيق المساواة امام مؤسسة قانونية كمحكمة الجنايات الدولية يعد امرا مخجلا بحق, كيف لا يكون ذلك كذلك وهي قد استحدثت على مبداي السياسة والقانون المتمثل في ولاية مجلس الأمن وهو هيئة سياسية على المحكمة وهي مؤسسة قانونية كمصدر إحالة ملزم في حال توافقت مصالح القوى المكونة له، وسوف لن نحتاح للإستشهاد بحصول الولايات المتحدة الأمريكية على حصانة لجنودها المشاركين في غزو العراق وافغانستان من الملاحقة القانونية ومن ثم المثول امام محكمة جرائم الحرب، عندما تبرز المقارنة الأشهر بين ما أرتكبته آلة القتل الإسرائيلية في فلسطين وما قامت به حكومة السودان من جرائم في دارفور بالتزامن، ثم تأتي سلسلة الجرائم المخجلة التي يرتكبها النظام الحاكم في سوريا وهي الأكثر نطقا بفداحة ما يمكن ان يصمت عنه قانون لو قدرنا ان ذات محكمة الجنايات كانت قد وزعت اتهاماتها مبكرا جدا لعقيد ليبيا وإبنه ورئيس مخابراته جراء ارتكاب والتحريض على ارتكاب جرائم حرب، ولو توخينا الأمانة فإن ما يجري في سوريا يفوق حد المقارنة والوصف قياسا لسرعة تحرك المجتمع الدولي في حسم قرار التدخل ضد العقيد الليبي بمحجة منعه من استخدام الطيران ضد المدنيين وكأن الذي يقصف السوريين اليوم هو ليس بطيران حربي!
ولا يمكن بحال من الاحوال قبول التزرع بعدم قدرة المجتمع الدولي على التحرك جراء الفيتو الروسي إلا على انه دليل فشل آخر للنظام العالمي على كل اصعدته السياسية والقانونية، مما يستدعي البشرية ان تنتظر لعقود طويلة  حتى تبلغ غاية نهاية التاريخ وخاتم البشرية الذي يحلو لفرانسيس فوكوياما، ناهيك عن ارتيابه فيما لو كان الإنسان الغربي ذاته ورغم تحضره المادي الملحوظ قد بلغ تلك الغاية! عليه فإن الإفتراض بأن التاريخ قد لا يعيد نفسه في بربرية جديدة  يشهدها القرن الحادي والعشرون امر لا يتوفر على ضمانات ولو نظرية في كوكب الارض.

عبدالله عبدالعزيز الأحمر
ايطاليا- سان جيوفاني انكاريكو
17 . 12. 2012
abdellah abdelaziz [alahmer2003@yahoo.co.uk]

 

آراء