محمود محمد طه بين تحضير الأرواح والحدود والختان الفرعوني وأحاديث الآحاد
مفارقات المشروع الجمهوري وإشكالية الغربة الاجتماعية
طلعت محمد الطيب
مقدمة
تثير بعض مواقف الشهيد الأستاذ محمود محمد طه، المفكر السوداني ومؤسس الحزب الجمهوري، تساؤلات حول مدى اتساق مشروعه المعلن لتطوير التشريع الإسلامي وتحرير الإنسان مع مواقفه من تحضير الأرواح، والحدود الشرعية، والختان الفرعوني، والسنة النبوية، ولا سيما أحاديث الآحاد.
لا يستهدف هذا النقد الانتقاص من مكانته الفكرية أو تضحياته السياسية، وإنما إخضاع مشروعه للمساءلة الموضوعية، باعتباره اجتهاداً بشرياً قابلاً للنقد والمراجعة.
أولاً: تحضير الأرواح وحدود المعرفة الغيبية
رفض محمود محمد طه اعتبار تحضير الأرواح مصدراً مستقلاً للمعرفة الدينية، وميز بين الأرواح العلوية والسفلية، محذراً من الاسترشاد بما وصفه بالإرشاد الشيطاني.
غير أن موقفه، رغم رفضه تحضير الأرواح كمرجعية دينية، ظل يستند إلى تصورات صوفية وغيبية تثير تساؤلات معرفية حول أسسها وإمكانية التحقق منها.
وهنا تبرز مفارقة بين دعوته إلى تحرير الفكر الديني وبين استمرار بعض مكونات مشروعه في الاعتماد على تصورات لا تخضع بسهولة للنقد التجريبي والعقلاني.
ثانياً: الحدود الشرعية ومفارقة الحرية
دعا محمود محمد طه إلى تطوير التشريع الإسلامي، والانتقال إلى مستوى أكثر اتساقاً مع الحرية والكرامة الإنسانية، لكنه لم يتجاوز الحدود والقصاص بالقدر نفسه.
فقد دافع عن حد السرقة، مع اشتراط النصاب والحرز وانتفاء الضرورة، واعتبر العقوبة ذات وظيفة تربوية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لمشروع تحرري أن يدافع عن عقوبة بتر عضو من جسد الإنسان؟
كما أن رفضه قوانين سبتمبر 1983 لا يعني بالضرورة رفضه الحدود من حيث المبدأ؛ إذ ينبغي التمييز بين الاعتراض على توظيف الشريعة سياسياً وبين الموقف النظري من العقوبات الحدية.
وتظل الإشكالية قائمة حول مدى اتساق العقوبات البدنية الدائمة مع مبادئ الحرية الفردية، والكرامة الإنسانية، والتناسب بين الجريمة والعقوبة.
ثالثاً: السنة النبوية وأحاديث الآحاد
يثير المشروع الجمهوري تساؤلاً حول مدى إخضاع المرويات الحديثية لنقد تاريخي ومعرفي مستقل.
فمع أن الحديث عرف الرواية الشفوية والكتابة المبكرة، فإن تدوين المصنفات الكبرى جاء في مراحل لاحقة، مما يجعل البحث في موثوقية الروايات وأسانيدها ومتونها أمراً مشروعاً.
وتزداد المسألة تعقيداً فيما يتعلق بأحاديث الآحاد، التي اختلف العلماء حول حجيتها، خاصة في مسائل العقيدة والتشريع.
فهل يكفي تصحيح الحديث وفق المنهج التقليدي لمنحه سلطة تشريعية ملزمة؟ أم ينبغي إخضاعه أيضاً لنقد المتن، والسياق التاريخي، والاتساق مع المبادئ القرآنية والقيم الإنسانية؟
إن دعوة محمود محمد طه إلى تجاوز سلطة التشريع التاريخي كانت تقتضي، في تقديري، موقفاً أكثر وضوحاً من المرجعية الحديثية. فالمفارقة تكمن في الدعوة إلى تحرير التشريع من وصاية الماضي، مع الاحتفاظ ببعض سلطات الموروث الحديثي دون نقد تاريخي شامل.
رابعاً: الختان الفرعوني ومقاومة القانون الاستعماري
تمثل حادثة رفاعة عام 1946 محطة بارزة في تاريخ محمود محمد طه، حين قاد احتجاجاً ضد السلطات البريطانية عقب اعتقال امرأة بسبب ممارسة ختان الإناث، وانتهى الاحتجاج باقتحام السجن وإطلاق سراحها، ثم سجنه لمدة عامين.
وقد برر الجمهوريون موقفه باعتباره مقاومة للوصاية الاستعمارية، لا دفاعاً عن الختان الفرعوني ذاته، مؤكدين أن العادات الضارة تُحارب بالتربية والتعليم لا بالقوانين.
لكن هذا التبرير لا يحسم الإشكالية الأخلاقية؛ فالختان الفرعوني ممارسة مؤذية تنتهك سلامة جسد المرأة وحقوقها.
فهل تصبح مقاومة الاستعمار مبرراً لمقاومة قانون يحمي الفتيات من الأذى؟ وهل ينبغي أن تتغير المعايير الأخلاقية تبعاً لهوية السلطة التي تصدر القانون؟
إن مقاومة الاستعمار قيمة سياسية مشروعة، لكنها لا تعفي المفكر من مسؤوليته تجاه الضحايا الفعليين للعادات الاجتماعية الضارة. فرفض الوصاية الاستعمارية لا يستلزم رفض كل تغيير قانوني يحقق مصلحة إنسانية.
خامساً: الغربة الفكرية والبحث عن القبول الاجتماعي
اعترف محمود محمد طه بغربة أفكاره عن المجتمع السوداني، وهو ما يطرح سؤالاً حول العلاقة بين مشروعه الفكري وانتمائه الاجتماعي.
ويمكن عقد مقارنة مع الشيوعيين السودانيين الذين عانى كثير منهم من الغربة الفكرية، رغم استمرار محافظتهم الاجتماعية والثقافية في جوانب عديدة وإصرارهم على ان ياتى اسم الحزب كاملا ( الحزب الشيوعى السودانى ) رغم ان القارئ يعلم ذلك سلفا.
ومن هنا، يمكن طرح فرضية أن بعض المواقف المحافظة، لدى محمود محمد طه أو بعض الشيوعيين ، ربما حملت بعداً يتعلق بمحاولة تقليص المسافة بينهم وبين المجتمع، أو استعادة قدر من القبول الاجتماعي.
لكن لا ينبغي الجزم بأن الدفاع عن الحدود أو مقاومة قانون منع الختان كانا ناتجين عن رغبة نفسية في القبول، إذ لا تتوافر أدلة كافية لإثبات ذلك.
ومع ذلك، يظل السؤال مشروعاً: هل انعكس التوتر بين الغربة الفكرية والانتماء الاجتماعي على بعض اختيارات محمود محمد طه السياسية والتشريعية؟
هل تجاوز المشروع الجمهوري البنية المحافظة؟
تكشف قراءة مواقف محمود محمد طه من تحضير الأرواح والحدود والختان الفرعوني وأحاديث الآحاد عن توترات داخل مشروعه التجديدي.
فقد دعا إلى تطوير التشريع، لكنه أبقى على عقوبات بدنية قاسية. ورفض تحضير الأرواح مصدراً للمعرفة الدينية، مع استمرار تصورات غيبية صوفية في منظومته. كما قاوم الاستعمار في قضية الختان الفرعوني، بما أثارته من إشكاليات تتعلق بحقوق المرأة وسلامة جسدها.
أما في علاقته بالسنة النبوية، فإن مشروعه يثير تساؤلاً حول مدى تحرره من سلطة المرجعية الحديثية التقليدية.
وربما يكون السؤال الأعمق: هل استطاع محمود محمد طه تجاوز البنية المحافظة للمجتمع السوداني، أم ظل في بعض مواقفه أسير التوتر بين طموحه الفكري وحاجته إلى الانتماء الاجتماعي؟
إن الوفاء للمفكر لا يكون بتقديس أفكاره، بل بإخضاعها للنقد الموضوعي. فالمفكر الحقيقي لا تقاس قيمته بمدى اختلافه عن المجتمع أو توافقه معه، وإنما بمدى انتصاره لحرية الإنسان وكرامته، حتى عندما تتعارض هذه القيم مع العادات الراسخة.
وبهذا المعنى، فإن نقد المشروع الجمهوري لا يمثل نفياً لقيمته، بل مدخلاً ضرورياً لفهم إسهامه وحدوده في تطوير الفكر الديني والسياسي السوداني.
