باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 25 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

مخاطر الانتخابات قبل تفكيك اقتصادات الحرب الأهلية: الأدلة والبيانات والدروس التطبيقية للسودان

اخر تحديث: 25 يوليو, 2026 10:38 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يقوم المقال على أطروحة أن الانتخابات التنافسية في مجتمعات خارجة من الحرب الأهلية، إذا أُجريت قبل تفكيك اقتصاد الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية وتحويل الحوافز من العنف إلى السلم، تتحول من أداة لترسيخ السلام إلى عامل يهدد استقراره ويعرقل إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي في السودان. ينطلق النص من سياق سوداني تاريخي معقد منذ الاستقلال عام 1956، حيث توالت الحروب الأهلية والانقلابات والانتقالات غير المكتملة، وتراكَم اقتصاد حرب يرتبط بالموارد الطبيعية وشبكات التجارة الحدودية والميليشيات والقوات شبه العسكرية والأجهزة الأمنية والنخب السياسية، بحيث لم يعد ممكناً الحديث عن انتخابات دون فهم هذه البنية الاقتصادية السياسية التي تجعل استمرار التوتر والعنف مربحاً لبعض الفاعلين.
في الإطار المفاهيمي يعرّف المقال اقتصاد الحرب كمنظومة من التمويل غير الرسمي، واحتكارات الموارد، والتهريب، والجبايات غير الرسمية، وخصخصة العنف، وانخراط النخب العسكرية والاقتصادية في الصراع بما يجعل إنهاء الحرب مكلفاً لها، ويبيّن أن هذا الاقتصاد في السودان نشأ وتوسع عبر الحروب في الجنوب ثم دارفور والمناطق الحدودية مع ظهور النفط والذهب والتهريب، إلى أن أصبح جزءاً من بنية الدولة لا مجرد اقتصاد ظل. ضمن هذا الإطار، ينتقد المقال الافتراض الشائع في أدبيات التنمية والسياسة الدولية بأن الانتخابات وحدها يمكن أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد؛ فهو يوضح أن في وجود اقتصاد حرب راسخ تنقلب الانتخابات إلى آلية إضافية لصراع النخب على الموارد والسلطة، حيث يدخل أمراء الحرب السابقون العملية الانتخابية بموارد مالية هائلة وشبكات تنظيمية وقدرة على العنف، بينما تدخل القوى المدنية بقدرات محدودة في ظل مؤسسات أمنية وإدارية منحازة أو ضعيفة، ما يهدد بتحويل الانتخابات إلى امتداد للصراع.
يستعرض المقال أدلة كمية ونوعية حول مخاطر الانتخابات المبكرة في سياقات ما بعد النزاع، مبيناً أن توقيت الانتخابات عامل حاسم في احتمالات تجدد الحرب أو استدامة السلام؛ إذ ترتبط الانتخابات التي تُجرى خلال السنة أو السنتين الأوليين بعد وقف إطلاق النار بارتفاع واضح في مخاطر العودة إلى العنف، خاصة في الدول بلا خبرة ديمقراطية مستقرة أو التي لم تستكمل فيها برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإصلاح قطاع الأمن وبناء المؤسسات المدنية. يوضح أن النماذج الإحصائية تظهر زيادة في احتمالات تجدد النزاع مع الانتخابات المبكرة، مقابل انخفاضها عندما يُؤجَّل الاقتراع ويُستثمر الوقت في بناء مؤسسات قوية وإصلاح الاقتصاد. كما يناقش دور الضغوط الدولية المزدوج، إذ تسعى القوى الخارجية إلى تسويات سلام سريعة ثم تدفع نحو انتخابات مبكرة لإضفاء شرعية شكلية على هذه التسويات، وهو ما يؤدي عملياً في حالات عديدة إلى اقتراع في بيئة مؤسساتية ضعيفة واقتصاد حرب قوي، فتزداد احتمالات الانزلاق إلى العنف كما في أنغولا وسيراليون. ويبيّن أن جودة العملية الانتخابية نفسها، من حيث النزاهة وتكافؤ الفرص ومنع العنف وشراء الأصوات، تؤثر بشدة في نتائجها؛ فالانتخابات منخفضة الجودة تقترن أيضاً بمخاطر أمنية وسياسية عالية حتى لو كان توقيتها متأخراً نسبياً.
يفصّل المقال في الأسباب التي تجعل الانتخابات المبكرة خطرة في ظل اقتصادات الحرب، موضحاً أن القوى المسلحة السابقة تدخل العملية وهي تسيطر على طرق التجارة والجبايات والموارد والاحتكارات والشركات المرتبطة بها، بينما تعاني القوى المدنية من ضعف التمويل والتنظيم والحماية، ما يجعل موازين القوى مختلة. في هذا السياق تصبح الانتخابات امتداداً للصراع المسلح بأدوات أخرى؛ إذ تُستغل الانقسامات الإثنية والجهوية والطائفية في تعبئة الناخبين، ويُقدَّم استمرار امتيازات اقتصاد الحرب كوعود انتخابية، ويُستخدم التهديد بالعنف أو تعطيل العملية الانتخابية في التفاوض على السلطة والموارد، مع توظيف المال السياسي من شبكات التهريب والجبايات لشراء الأصوات وتوجيه الإعلام. يبرز المقال كذلك كيف توظف الحكومات الخارجة من النزاع، إذا كانت مكونة من نخب مرتبطة باقتصاد الحرب، الأجهزة الأمنية والقضائية والإدارية للتلاعب بالنتائج وقمع المعارضة وعرقلة الحملات، ما يخلق منافسة غير عادلة ويغذي شعور الأطراف المهزومة والمهمشة بأن العودة إلى السلاح هي وسيلتها الوحيدة لحماية مصالحها. ويؤكد أن النظم الانتخابية القائمة على منطق «الغالب يأخذ كل شيء»، في مجتمعات قُسمت بعنف، تدفع الخاسرين إلى اعتبار الهزيمة الانتخابية استمراراً للهزيمة العسكرية مع بقاء امتيازات اقتصاد الحرب في يد المنتصر، فتغذي دوافع التمرد وعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات.
يعرض المقال أربع مقاربات رئيسية لتنظيم الانتخابات في ما بعد النزاع لتقليل المخاطر وربط العملية بالسلام المستدام. الأولى هي «تسلسل الانتخابات»، حيث يبدأ المسار بانتخابات محلية أو بلدية منخفضة المخاطر لبناء الخبرة المؤسسية وإدارة الحملات والتسجيل وحماية المراكز، ثم ينتقل تدريجياً إلى إصلاح دستوري وانتخابات وطنية واسعة بعد ترسيخ المؤسسات؛ وقد أثبتت تجارب مثل إندونيسيا وتيمور الشرقية وكوسوفو أن التسلسل المدروس يجنب الصدمات ويتيح إصلاحاً تدريجياً. الثانية هي «دمج ترتيبات تقاسم السلطة في التصميم الانتخابي»، عبر أنظمة تمثيل نسبي معدلة أو نظم تصويت تفضيلي وترتيبات دستورية تُلزم بحكومات وحدة وطنية أو ائتلافات واسعة في فترة انتقالية، بما يخفف منطق المنافسة الصفرية ويحول الانتخابات إلى آلية لتوزيع السلطة تدريجياً؛ وهو أمر حاسم في بلد متعدد مثل السودان. الثالثة هي التركيز على «أمن الانتخابات وجودة العملية»، من خلال قوات محايدة وأنظمة مراقبة واسعة وقواعد قانونية صارمة ضد العنف والتزوير وشراء الأصوات، وبرامج إعلامية وتربوية تعيد تشكيل ثقافة التنافس السياسي على أساس سلمي. الرابعة هي «ربط الانتخابات بخطة اقتصادية انتقالية لتفكيك اقتصاد الحرب»، بحيث تكون الانتخابات جزءاً من اتفاق أشمل يشمل إصلاح قطاع الأمن وإعادة توزيع الموارد وبرامج نزع السلاح والتسريح والإدماج وسياسات لتفكيك شبكات التهريب والجبايات غير الرسمية وبناء اقتصاد سلمي؛ فلا تُجرى الانتخابات إلا بعد تحقيق حد أدنى من البنية الاقتصادية والمؤسساتية القادرة على إدارة التنافس.
يناقش المقال بتفصيل خاص نظام التمثيل النسبي في سياقات ما بعد الحرب بوصفه أداة أساسية لتقليل منطق «الغالب يأخذ كل شيء» وتوسيع المشاركة في المجتمعات المنقسمة. يوضح أن التمثيل النسبي يوزع المقاعد وفق نسب التصويت، متيحاً تمثيلاً للأحزاب الصغيرة والقوى الإقليمية والأطراف التي كانت جزءاً من النزاع، ما يقلل الشعور بالإقصاء ويعزز تقاسم السلطة داخل المؤسسات المنتخبة. كما يشرح إمكان تكييف التمثيل النسبي عبر عتبات انتخابية ودوائر متعددة المقاعد ومزيج بين قوائم وطنية وإقليمية، وقوائم مغلقة أو مفتوحة، لضبط التعددية ومنع التشظي الفوضوي. ويرى أن اعتماد نظام تمثيل نسبي أو مختلط في السودان يمكن أن يساعد على إدخال قوى الهامش والنقابات والحركات التي تحولت إلى أحزاب مدنية في مؤسسات القرار بطريقة منظمة، وربطه بترتيبات دستورية لتقاسم السلطة خلال المرحلة الانتقالية، ما يقلل دوافع العودة إلى العنف بعد الانتخابات ويحول التنافس السياسي إلى جزء من عملية تفكيك اقتصاد الحرب وليس امتداداً له.
يتناول المقال أفضل الممارسات العملية التي ظهرت في تجارب دول أخرى، فيشير إلى أهمية التأجيل الاستراتيجي للانتخابات الوطنية الكبرى حتى استكمال نزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم، وترسيخ الحكم المحلي واللامركزية، وبناء مفوضيات مستقلة للانتخابات تتمتع باستقلال سياسي وتُدعَم فنياً. يستعرض تجارب مثل كوسوفو وتيمور الشرقية حيث ساعدت فترات انتقالية من عامين إلى ثلاثة تحت إدارة دولية أو شبه دولية في بناء قواعد قانونية وإدارية وتدريب الكوادر ووضع نظم أمنية وتقليل احتمالات تفجر العنف أثناء الانتخابات. كما يؤكد ضرورة إشراك الفاعلين المحليين – من منظمات المجتمع المدني والنقابات والقيادات المجتمعية والنساء والشباب والقيادات التقليدية – في تصميم النظم الانتخابية والدوائر وقواعد الحملات وتمويلها وآليات الرقابة، لتعزيز الثقة والشرعية. ويشدد على أن الدعم الدولي ينبغي ألا يقتصر على تمويل العملية الانتخابية نفسها، بل أن يُربط بإصلاحات مؤسسية وقضائية وأمنية طويلة الأمد، حتى لا تترك مؤسسات هشة في مواجهة ضغط اقتصاد الحرب بعد انتهاء الحدث الانتخابي.
في المقابل، يعرض المقال أسوأ الممارسات والنتائج الكارثية المرتبطة بالانتخابات المبكرة في بيئات ما بعد النزاع، مثل التعجيل بانتخابات وطنية واسعة خلال شهور من وقف إطلاق النار بلا مفوضيات مستقلة أو قضاء نزيه أو قوات تحفظ الأمن، والاعتماد على صناديق الاقتراع لإضفاء شرعية على ترتيبات سياسية لا تحظى بثقة الأطراف أو المجتمع. يستشهد بحالة أنغولا في التسعينيات حيث أدى رفض الأطراف المسلحة للنتائج وشعورها بالخداع في عملية معدومة الضمانات إلى تجدد الحرب الأهلية، مع استمرار اقتصاد حرب قائم على النفط والماس والتهريب. كما يوضح أن الانتخابات المبكرة في أفغانستان والعراق، في ظل تدخل خارجي ومؤسسات أمنية مفككة واقتصاد ميليشياوي فاسد، فاقمت الانقسامات وأنتجت سلطات منتخبة ذات شرعية شكلية لكنها تعتمد عملياً على شبكات العنف والاقتصاد غير الرسمي، ما خلق نموذج دول «ديمقراطية شكلاً، ميليشياوية مضموناً». ويحذر المقال من استيراد نظم انتخابية جاهزة من دون تكييفها مع السياق المحلي، إذ يمكن أن تكرس هيمنة نخبة معينة أو تعيد إنتاج الانقسامات الإثنية والطائفية في صورة مؤسساتية جديدة.
يرسم المقال في فصله الأخير دروساً واقعية وخارطة طريق للانتخابات في السودان بعد الترتيبات الأمنية وتفكيك اقتصاد الحرب، موضحاً أن تنظيم الانتخابات في ظل استمرار اقتصاديات الميليشيات واحتكار الموارد وتمويل الصراع عبر شبكات تجارية غير رسمية وتداخل مصالح النخب العسكرية مع مصالح شبكات الأعمال يحمل مخاطر عالية لعودة النزاع أو تحولِه إلى عنف سياسي ممتد. يقترح خارطة طريق من خمسة محاور مترابطة: إصلاح قطاع الأمن عبر حصر القوى المسلحة تحت قيادة موحدة ونزع سلاح التشكيلات غير النظامية وتسريح المقاتلين وإعادة دمجهم في المجتمع والاقتصاد، وتأكيد السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية؛ تفكيك اقتصاد الحرب من خلال تنظيم التجارة الحدودية وضبط الجبايات وإلغاء الرسوم غير الرسمية وإعادة توزيع الموارد لصالح المناطق المهمشة وبناء اقتصاد منتج؛ بناء المؤسسات المدنية والقضائية والإدارية بإصلاح الخدمة المدنية وتعزيز استقلال القضاء وإنشاء مفوضيات مستقلة وإدارة محلية قوية؛ تصميم نظام انتخابي يعكس التعدد السوداني ويفضل التمثيل النسبي أو النظام المختلط مع ترتيبات دستورية لتقاسم السلطة؛ وإدارة العملية الانتقالية بمشاركة واسعة من القوى المجتمعية وبناء إعلام مستقل وثقافة سياسية تجعل المشاركة السلمية والاحتكام للقانون أساس الممارسة.
تخلص الخاتمة النقدية إلى أن النموذج الدولي السائد، الذي يرى في الانتخابات مؤشراً سريعاً على التقدم نحو السلام والديمقراطية، يعاني من اختزال خطير للديمقراطية في لحظة التصويت ويتجاهل ضرورة إصلاح الاقتصاد والمؤسسات وبناء عقد اجتماعي جديد قبل اللجوء إلى الاقتراع. يجادل المقال بأن هذا النموذج لا يأخذ في الاعتبار قدرة اقتصاد الحرب على إعادة إنتاج نفسه في صورة اقتصاد سياسي انتخابي قائم على شراء الأصوات والعنف الانتخابي والسيطرة على مؤسسات الدولة، ولا يراعي اختلاف السياقات بين الدول. وفي السودان، حيث يتشابك تاريخ طويل من الحروب والانقلابات والانتخابات في ظل سلطات عسكرية وسلطوية مع اقتصاد حرب متشعب وانقسامات اجتماعية وثقافية عميقة، يرى النص أن الدعوة لانتخابات سريعة قبل تفكيك اقتصاد الحرب وإصلاح قطاع الأمن وإعادة بناء مؤسسات الحكم المدني تُعد مغامرة بالسلام أكثر مما هي خطوة نحو الديمقراطية. لذلك يدعو إلى قلب المعادلة: اعتبار الانتخابات مرحلة متقدمة تأتي بعد إصلاح الحوافز والمؤسسات والعلاقات الاقتصادية، وربط كل خطوة انتخابية بإصلاحات ملموسة في الأمن والاقتصاد والقانون والإدارة، بحيث تصبح الديمقراطية مساراً طويل الأمد لإعادة بناء علاقة الدولة بالمجتمع والاقتصاد، لا مجرد لحظة تصويت قد تعيد إنتاج العنف في شكل جديد.

النص الكامل للمقال

المقدمة التحليلية: أطروحة المقال وسياقها النظري والسوداني

يقوم هذا المقال على أطروحة مركزية مفادها أن إدخال الانتخابات التنافسية في مجتمعات خارجة من الحرب الأهلية قبل تفكيك «اقتصاد الحرب» وإعادة بناء مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية وتحويل الحوافز البنيوية من العنف إلى السلم، لا يمثل مجرد مخاطرة سياسية أو إدارية، بل يشكل تهديداً عميقاً لبنية السلام ذاتها ومسار إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي، خصوصاً في الحالة السودانية الراهنة التي تتسم بتشابك معقد بين شبكات الريع المسلح وبنية الدولة وترتيبات السلطة (Flores, 2012). هذه الأطروحة تستند إلى أدبيات واسعة في دراسات ما بعد النزاع، تجمع بين تحليلات نظرية حول الاقتصاد السياسي للحرب، ودراسات كمية تقارن مئات الحالات من الحروب الأهلية، ودراسات حالة تفصيلية لانتقالات هشة وفاشلة في أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية، إضافة إلى تقارير وتحليلات من مراكز فكر وسياسات أميركية وأوروبية وأفريقية وعربية وأسترالية وأميركية جنوبية تناولت علاقة الانتخابات بترتيبات السلام وإعادة البناء (Reilly, 2017).
من منظور الاقتصاد السياسي للنزاع، يُعرَّف اقتصاد الحرب بوصفه منظومة متشابكة من شبكات التمويل غير الرسمي، واحتكارات الموارد الطبيعية، وتهريب السلع عبر الحدود، والجبايات غير الرسمية، وخصخصة العنف، وارتباط النخب العسكرية ـ الاقتصادية بمسارات الصراع بحيث يصبح استمرار التوتر والعنف مربحاً لها، بينما يصبح السلام مكلفاً ما لم يُعاد تصميم الحوافز والمؤسسات جذرياً (Rost, 2006). في السودان، تشكل هذا الاقتصاد تدريجياً منذ الحرب الأهلية الأولى في الجنوب، عبر التزاوج بين جهاز الدولة المركزي والنخب المحلية المسلحة، ثم تعمق مع الحروب اللاحقة في الجنوب ودارفور والمناطق الحدودية، ومع اقتصاد النفط والذهب والتهريب، بحيث أصبح تفكيك هذا الاقتصاد شرطاً لا غنى عنه لأي انتقال ديمقراطي حقيقي (de Waal, 2007).
تأتي أهمية السودان من كونه حالة مركبة شهدت منذ الاستقلال في 1956 موجات متكررة من الحرب الأهلية والانقلابات والانتقالات غير المكتملة؛ فمن الحرب الأولى في الجنوب التي انتهت باتفاقية أديس أبابا 1972، مروراً بالحرب الثانية واتفاقية السلام الشامل في نيفاشا 2005 وما تلاها من انتخابات واستفتاء أدى إلى انفصال جنوب السودان، إلى حروب دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وصولاً إلى النزاعات الراهنة متعددة الجبهات (Poggo, 2009). خلال هذه العقود، تراكمت طبقات من اقتصاد الحرب تربط بين الموارد الطبيعية، وشبكات التجارة الحدودية، والميليشيات، والقوات شبه العسكرية، والأجهزة الأمنية، والنخب السياسية؛ ومن دون فهم هذه الطبقات، يصبح الحديث عن «انتخابات» مجرد إعادة تدوير للنخب ذاتها في قوالب جديدة.
يهدف المقال إلى تقديم قراءة تركيبية تجمع بين الأدلة الكمية والنوعية حول أثر توقيت الانتخابات على تجدد النزاع، وبين النظريات والمقاربات المبتكرة لتنظيم الانتخابات في سياقات ما بعد الحرب، وبين دروس واقعية وخارطة طريق تطبيقية للحالة السودانية، تؤكد أن الانتخابات لا ينبغي أن تُفهم كشرط شكلي أو حدث معزول، بل كجزء متأخر من عملية أوسع لإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

أولاً: الإطار المفاهيمي – اقتصاد الحرب والانتخابات ما بعد النزاع

يتقاطع مفهوم «اقتصاد الحرب الأهلية» مع أدبيات الاقتصاد السياسي للنزاع التي تطورت منذ تسعينيات القرن العشرين، وارتبطت بتحليل دوافع الحروب الأهلية وتفسير استمرارها أو تجددها عبر مقاربة تجمع بين «الطمع» و«الغبن»، وبين الموارد الريعية والمؤسسات الضعيفة، مع التركيز على أن الحروب لا تُدار فقط لأسباب هووية أو سياسية، بل أيضاً كرهان اقتصادي لنخب محددة (Rost, 2006). يرى هذا المنظور أن الحرب الأهلية، بالنسبة لأمراء الحرب وقادة الميليشيات وبعض النخب، مشروع اقتصادي ـ سياسي منظم، تُعاد فيه هيكلة شبكات التجارة، وتُخلق مصادر جديدة للثروة عبر التهريب والجبايات والعقود المربحة، وتتكون طبقة من المستفيدين من استمرار الحرب، تشمل قادة الميليشيات وشبكات الأعمال المرتبطة بهم وقطاعات داخل أجهزة الدولة، ما يجعل إنهاء الحرب تهديداً مباشراً لمصالحهم واستمرارها أو تجددها خياراً عقلانياً من منظور هذه المصالح (de Waal, 2007).
في السودان، وثقت دراسات مثل أعمال (Poggo, 2009) أن الحرب الأولى في الجنوب خلقت شبكات تهريب وتسليح وتحالفات بين قوى محلية ودول إقليمية، بينما أفرزت الحرب الثانية مع توسع النفط في الجنوب، ثم اكتشاف الذهب في دارفور ومناطق أخرى، اقتصاداً ريعياً مسلحاً يتداخل فيه العنف مع السيطرة على موارد بعينها، ويتحول فيه القائد العسكري إلى فاعل اقتصادي من خلال السيطرة على مناطق إنتاج، أو فرض رسوم على طرق النقل، أو الحصول على امتيازات استثمارية (Poggo, 2009). مع مرور الوقت، امتدت هذه الشبكات لتشمل شركات شبه رسمية، وعقود حكومية، وشراكات مع مستثمرين من دول عربية وأفريقية، ما جعل اقتصاد الحرب جزءاً من بنية الدولة وليس مجرد اقتصاد ظل.
هذا الإطار يجعل موقع الانتخابات في عملية ما بعد النزاع موضع مساءلة؛ إذ يفترض خطاب التنمية والسياسة الدولي أن الانتخابات يمكن أن تكون مدخلاً لعقد اجتماعي جديد قائم على التمثيل والمساءلة، لكن في وجود اقتصاد حرب راسخ، تتحول الانتخابات إلى آلية إضافية لصراع النخب على السيطرة على الموارد والقوة في بيئة لم تُفكك فيها شبكات الريع المسلح ولم تُصلح فيها مؤسسات الأمن والاقتصاد (Brancati, 2011). يدخل أمراء الحرب السابقون العملية الانتخابية بموارد مالية ضخمة وشبكات تنظيمية محلية عميقة وقدرة على ممارسة العنف أو التهديد به، بينما تدخل القوى المدنية – الأحزاب والنقابات ولجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني – بقدرات مالية وتنظيمية محدودة وبدون حماية مؤسسية كافية من أجهزة الدولة المنحازة أو الضعيفة (Lyons, 2004).
تضيف تقارير مراكز التفكير الأوروبية والأميركية مثل (Reilly, 2015) و(GSDRC, 2013) أن الاعتماد حصراً على الانتخابات في سياقات ما بعد الحرب، من دون إصلاح مؤسسي وأمني واقتصادي عميق، يؤدي غالباً إلى تكريس ما يسمى «الأوليغارشية الانتخابية»، حيث تحتفظ نخب الحرب بسلطتها عبر صناديق الاقتراع من خلال شراء الأصوات، وتعبئة الانقسامات الإثنية والطائفية، واستخدام موارد الدولة لقمع المنافسين، مع استمرار بنية اقتصاد الحرب في الخلفية (Reilly, 2015). هذا ما يجعل التفريق بين «انتقال ديمقراطي» حقيقي قائم على إعادة هندسة المؤسسات المدنية والعسكرية والاقتصادية وبين «انتقال انتخابي» شكلي يعيد إنتاج الترتيبات غير العادلة ويُشرعن اقتصاد الحرب في صيغة جديدة، محورياً لفهم المخاطر المرتبطة بالانتخابات المبكرة في السودان.

ثانياً: الأدلة والبيانات حول مخاطر الانتخابات المبكرة

تقدم الدراسات الكمية المقارنة للحروب الأهلية في مرحلة ما بعد الحرب دليلاً قوياً على أن توقيت الانتخابات عنصر حاسم في تحديد احتمالات تجدد النزاع أو استدامة السلام، وأن تنظيم انتخابات مبكرة – خلال السنة أو السنتين الأوليين بعد وقف إطلاق النار – يرتبط إحصائياً بارتفاع ملحوظ في مخاطر العودة إلى الحرب، خاصة في البلدان التي لم تعرف ديمقراطية مستقرة من قبل أو التي لم تستكمل فيها عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإصلاح قطاع الأمن وبناء المؤسسات المدنية (Brancati, 2011). في دراسة تشمل عدداً كبيراً من حالات ما بعد الحرب في الفترة ما بعد الحرب الباردة، وجد (Flores, 2012) أن الدول التي أجرت انتخابات خلال السنة الأولى بعد انتهاء النزاع كانت أكثر عرضة بنسبة واضحة لعودة العنف خلال السنوات الخمس التالية مقارنة بالدول التي أخرت الانتخابات ثلاث سنوات أو أكثر (Flores, 2012).
تُظهر النماذج الإحصائية في تلك الدراسة أن الانتخابات المبكرة في «الديمقراطيات الجديدة» – أي الدول التي لا تمتلك مؤسسات حزبية وقضائية وإدارية راسخة – تؤدي إلى زيادة في احتمالات تجدد النزاع، بينما تنخفض هذه الاحتمالات عندما تؤجل الانتخابات، ويُستثمر الوقت في بناء مؤسسات وإصلاح الاقتصاد وإكمال برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (Flores, 2012). هذه النتائج تدعم فكرة أن الانتخابات ليست أداة محايدة، بل تتفاعل بقوة مع جودة المؤسسات ودرجة رسوخها؛ ففي غياب مؤسسات قادرة على ضبط سلوك الفاعلين المسلحين السابقين، تصبح الانتخابات نفسها «ساحة مواجهة» جديدة.
في دراسة أخرى حول «أسباب الانتخابات المبكرة»، يبيّن (Brancati, 2011) أن الضغوط الدولية تلعب دوراً مزدوجاً؛ فمن ناحية تدفع القوى الدولية نحو تسويات سلام تقوم على موازين قوة هشة ثم تضغط باتجاه انتخابات سريعة بهدف إضفاء شرعية شكلية على هذه التسويات أمام الرأي العام الدولي، ومن ناحية أخرى تحاول عبر قوات حفظ السلام وبرامج بناء المؤسسات وترتيبات تقاسم السلطة أن تقلل من مخاطر تجدد الحرب (Brancati, 2011). إلا أن هذا الدور المزدوج يؤدي في كثير من الحالات إلى نتيجة واحدة: انتخابات مبكرة تُجرى في بيئة مؤسساتية ضعيفة وفي ظل اقتصاد حرب قوي، فتزيد احتمالات العودة إلى العنف؛ وقد رُصدت هذه النتيجة في حالات مثل أنغولا وسيراليون وبعض الحالات في أمريكا اللاتينية، حيث تحولت الانتخابات من علامة على الانتقال إلى محفز لعودة النزاع (Lyons, 2004).
كما تؤكد (DMS authors, 2015) أن أثر الانتخابات على السلام يعتمد بدرجة كبيرة على جودة العملية الانتخابية نفسها؛ فانتخابات «منخفضة الجودة» – حيث تُسجَّل خروقات واسعة في التسجيل، وتُستخدم موارد الدولة لصالح حزب أو طرف معين، وتُرتكب أعمال عنف أو تهديد أو شراء أصوات، وتُصعّب الإجراءات على بعض الفئات – ترتبط بارتفاع مخاطر العنف السياسي، حتى إذا كان توقيتها متأخراً نسبياً (DMS authors, 2015). هذا يعني أن توقيت الانتخابات شرط ضروري لكنه غير كاف؛ فالجودة المؤسسية والإجرائية شرط مكمل لا يمكن إغفاله، خاصة في بلد مثل السودان تعرض فيه النظام الانتخابي في الماضي لتسييس شديد وتدخل من الأجهزة الأمنية.

ثالثاً: لماذا تصبح الانتخابات المبكرة خطرة في ظل اقتصادات الحرب؟

ترتبط خطورة الانتخابات المبكرة في بيئة اقتصاد حرب بطبيعة البنية الاقتصادية ـ السياسية التي خلفتها الحرب أكثر من مجرد نقص الوقت لبناء مؤسسات؛ إذ تُظهر الدراسات المقارنة أن القوى المسلحة السابقة – حركات تمرد أو ميليشيات أو فصائل من الجيش – تدخل العملية الانتخابية وهي متمترسة على موارد اقتصادية واسعة تشمل السيطرة على طرق التجارة، وضرائب غير رسمية، واحتكار بعض السلع، وامتلاك شركات مرتبطة بها، في حين تعاني القوى المدنية من ضعف التمويل وقلة الشبكات التنظيمية وضعف القدرة على حماية كوادرها (Rost, 2006).
في هذه الظروف تصبح الانتخابات امتداداً للصراع المسلح بأدوات أخرى؛ إذ يستخدم أمراء الحرب نفس شبكاتهم في تعبئة الناخبين على أساس الانقسامات الإثنية أو الجهوية أو الطائفية التي غذّت الحرب، ويقدمون وعوداً مرتبطة باستمرار الامتيازات التي يمنحها اقتصاد الحرب لأنصارهم، ويستخدمون التهديد بالعنف أو تعطيل العملية الانتخابية كأداة تفاوض على السلطة والموارد (Brancati, 2011). في السودان، يمكن أن نرى ملامح هذا المنطق في كيفية استخدام بعض القوى المسلحة لعلاقاتها مع المجتمعات المحلية والأعيان التقليديين، وفي سيطرتها على مناطق إنتاج الذهب أو طرق تجارة المواشي، ثم ترجمة هذه السيطرة إلى نفوذ انتخابي أو سياسي.
كثيراً ما تُوثَّق حالات يتم فيها استخدام المال السياسي القادم من شبكات التهريب والجباية لشراء الأصوات أو لتوجيه الإعلام المحلي أو لتأمين دعم زعماء محليين، إلى جانب استخدام الميليشيات في ترويع الناخبين أو المرشحين المنافسين أو السيطرة على مراكز الاقتراع في المناطق الريفية أو الهامشية (Lyons, 2004). في مثل هذه الحالات، لا تكون الانتخابات ساحة تنافس متكافئ بين برامج سياسية، بل امتداداً لمنطق «من يملك السلاح والمال يملك الصوت».
إضافة إلى ذلك، تشير تقارير مثل تقرير (Kofi Annan Foundation, 2013) إلى أن الحكومات الخارجة من النزاع، حين تكون متشكلة من نخب عسكرية ـ سياسية مرتبطة باقتصاد الحرب، تميل إلى استخدام الأجهزة الأمنية والقضائية والإدارية المتحكم فيها للتلاعب بنتائج الانتخابات أو لقمع المعارضة أو لعرقلة حملات بعض القوى، في ظل غياب منظومات رقابة فعالة وقضاء مستقل؛ ما يجعل المنافسة الانتخابية غير عادلة ويزيد احتمالات أن تشعر الأطراف المهزومة أو المهمشة بأن الطريق الوحيد للدفاع عن مصالحها هو العودة إلى السلاح (Kofi Annan Foundation, 2013). في السودان، حيث تعرض القضاء والإدارة والهيئات الانتخابية السابقة لتدخلات سياسية، يمكن أن يشكل هذا العامل خطراً كبيراً إذا لم يُعالج قبل أي انتخابات جديدة.
تزداد خطورة ذلك عندما يكون المجتمع منقسماً على خطوط عميقة؛ فالنظم الانتخابية ذات المنطق «الغالب يأخذ كل شيء» التي تمنح فائزاً واحداً أو كتلة واحدة السيطرة على السلطة التنفيذية والتشريعية في بلد خرج للتو من حرب أهلية تجعل الخاسرين يشعرون بأنهم تحولوا من شرعية السلاح إلى «هزيمة انتخابية كاملة»، في ظل استمرار امتيازات اقتصاد الحرب لصالح الطرف الغالب، وهو ما يغذي دوافع جديدة للتمرد أو عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات (Reilly, 2017). في هذه الحالة، تصبح الانتخابات نفسها جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل.

رابعاً: أفضل النظريات والمقاربات المبتكرة في تنظيم الانتخابات ما بعد النزاع

في مواجهة هذه المخاطر، طورت أدبيات السلام والديمقراطية والحوكمة عدداً من النظريات والمقاربات المبتكرة لتنظيم الانتخابات في سياقات ما بعد النزاع، يمكن تلخيصها في أربعة اتجاهات مترابطة ذات صلة بالحالة السودانية وغيرها من الحالات التي تعاني من اقتصاد حرب راسخ (Kofi Annan Foundation, 2013).
الاتجاه الأول هو نظرية «تسلسل الانتخابات»، التي تدعو إلى ترتيب مدروس للانتخابات بحيث لا تبدأ العملية بانتخابات وطنية كبيرة ذات مخاطر عالية، بل تُفتتح بانتخابات محلية أو بلدية محدودة النطاق تسمح ببناء خبرة مؤسسية وإدارية وتجريب نظم إدارة العملية وتهيئة المجتمع للتعامل مع المنافسة السياسية دون عنف قبل الانتقال إلى انتخابات وطنية تتعلق بمستوى توزيع السلطة والموارد في الدولة (Reilly, 2017). تجارب مثل إندونيسيا وتيمور الشرقية وكوسوفو أظهرت أن التعامل المتدرج مع الانتخابات – بدءاً بانتخابات محلية ثم إصلاح دستوري ثم انتخابات وطنية – يساعد على تجنب «صدمة» انتقال مفاجئ، ويتيح فرصاً لإعادة تشكيل المؤسسات عبر ممثلين منتخبين بدلاً من محاولة إصلاح شامل دفعة واحدة في بيئة هشة (Reilly, 2015).
الاتجاه الثاني هو مقاربة «دمج ترتيبات تقاسم السلطة في التصميم الانتخابي»، بحيث تتضمن القوانين الانتخابية والنظم الدستورية آليات لضمان تمثيل الأطراف الرئيسة في السلطة التنفيذية والتشريعية في مرحلة ما بعد الحرب، عبر أنظمة تمثيل نسبي معدَّلة أو نظم تصويت تفضيلي تشجع التصويت العابر للهويات أو ترتيبات دستورية تلزم بتشكيل حكومات وحدة وطنية أو ائتلافات واسعة لمدة انتقالية محددة (Lyons, 2004). الهدف هو تخفيف منطق «الغالب يأخذ كل شيء» وتحويل الانتخابات من منافسة صفرية إلى عملية لتوزيع السلطة بشكل تدريجي ومتوازن، وهو أمر حاسم في بلد متعدد مثل السودان.
الاتجاه الثالث هو التركيز على «أمن الانتخابات وجودة العملية الانتخابية»، ويشمل ذلك تطوير مفهوم «الأمن الانتخابي» الذي يتضمن وجود قوات حفظ سلام محايدة أو قوات أمن خاضعة لرقابة صارمة، ونظم مراقبة دولية ومحلية واسعة النطاق، وقواعد قانونية واضحة لعقاب استخدام العنف أو التهديد أو التزوير أو شراء الأصوات، إضافة إلى برامج إعلامية وتربوية تهدف إلى تغيير ثقافة العنف الانتخابي وترسيخ قيمة التنافس السلمي (USAID, 1998). هنا تصبح جودة الانتخابات – من حيث إدارة التسجيل وضمان سرية التصويت وتأمين مراكز الاقتراع ومعالجة الشكاوى والنزاعات وشفافية إعلان النتائج – عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن توقيتها.
الاتجاه الرابع هو مقاربة «ربط الانتخابات بخطة اقتصادية انتقالية شاملة لتفكيك اقتصاد الحرب»، بحيث لا تُفهم الانتخابات على أنها حدث سياسي منفصل، بل جزء من اتفاق أوسع يتضمن إصلاح قطاع الأمن، وإعادة توزيع الموارد، وبرامج قوية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وسياسات لتفكيك شبكات التهريب والجبايات غير الرسمية، وإعادة بناء الاقتصاد على قاعدة أوسع من المشاركة والشفافية (Kofi Annan Foundation, 2013). في هذه المقاربة تصبح الانتخابات خطوة تتويج لمسار إصلاحي لا نقطة بدايته؛ أي أنها تأتي بعد بناء حد أدنى من الاقتصاد السلمي والمؤسسات القادرة على إدارة التنافس السياسي.

نظام التمثيل النسبي في الانتخابات ما بعد النزاع

في قلب النقاش حول تصميم النظم الانتخابية في سياقات ما بعد الحرب، يحتل نظام التمثيل النسبي مكانة بارزة باعتباره أحد أهم الأدوات لتقليل منطق «الغالب يأخذ كل شيء» وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، خاصة في المجتمعات المنقسمة والمتعددة مثل السودان (Reilly, 2017). يقوم نظام التمثيل النسبي على مبدأ توزيع المقاعد في المجالس المنتخبة – سواء كانت برلماناً وطنياً أو مجالس ولائية – بما يتناسب مع نسبة الأصوات التي تحصل عليها القوائم أو الأحزاب، بدلاً من منح كل مقعد للفائز الأول في دائرة واحدة كما في نظام الأغلبية البسيطة.
تظهر أدبيات مثل (Lyons, 2004) و(FES, 2008) أن التمثيل النسبي يوفر عدة مزايا في سياقات ما بعد النزاع؛ فهو، أولاً، يتيح تمثيلاً أوسع للأطراف المختلفة، بما في ذلك الأحزاب الصغيرة أو القوى الإقليمية أو المجموعات التي كانت طرفاً في النزاع السابق، ما يقلل من شعور الإقصاء ويدعم منطق تقاسم السلطة داخل المؤسسات المنتخبة (Lyons, 2004). ثانياً، يشجع الأحزاب على بناء قوائم عابرة للهويات، خاصة إذا صُمِّم النظام بحيث يفرض وجود قوائم وطنية أو إقليمية ذات تنوع داخلي، ما يدفع الفاعلين السياسيين إلى تقديم برامج تتجاوز خطوط الانقسام الإثني أو الجهوي.
ثالثاً، يمكن تعديل نظام التمثيل النسبي بأدوات إضافية تناسب السياق؛ مثل وضع حد أدنى معقول لدخول البرلمان (عتبة انتخابية)، أو اعتماد دوائر متعددة المقاعد، أو المزج بين قوائم وطنية وقوائم إقليمية، أو استخدام قوائم مغلقة أو مفتوحة بحسب الحاجة؛ كل ذلك يسمح بتكييف النظام ليعكس التعدد السوداني مع تجنب تشظي مفرط في النظام الحزبي (Reilly, 2015). في بعض الحالات ما بعد النزاع، تم اعتماد نظم مختلطة تجمع بين التمثيل النسبي والدوائر الفردية، بهدف الحفاظ على علاقة مباشرة بين الناخب وممثله المحلي، وفي الوقت نفسه ضمان تمثيل القوى المختلفة على المستوى الوطني.
في السودان، يمكن أن يكون التمثيل النسبي – بصيغة معدَّلة ومناقشة مجتمعياً – أداة مهمة لتفكيك اقتصاد الحرب سياسياً؛ إذ يسمح بإدخال قوى الهامش والأقاليم، والنقابات، والحركات التي تحولت إلى أحزاب مدنية، في مؤسسات القرار بطريقة منظمة، بدلاً من ترك السيطرة على البرلمان والحكومة لحزب واحد أو تحالف ضيق مدعوم من شبكات اقتصاد الحرب. كما أن التمثيل النسبي يمكن أن يُربط بترتيبات تقاسم السلطة منصوص عليها في الدستور، بحيث تضمن مشاركة الأطراف الرئيسة في السلطة التنفيذية لفترة انتقالية محددة، ما يقلل من دوافع اللجوء إلى العنف بعد الانتخابات (FES, 2008).

سادساً: أفضل الممارسات العملية في سياقات ما بعد الحرب

تكشف تقارير منظمات التنمية الدولية ومراكز الفكر عن مجموعة من الأساليب التي أثبتت فعاليتها النسبية في تقليل مخاطر الانتخابات في سياقات ما بعد النزاع عندما تم تطبيقها مع مراعاة السياق وربطها بجهود تفكيك اقتصاد الحرب ومأسسة السلام (USAID, 1998). من أبرز هذه الأساليب الالتزام بـ«التأجيل الاستراتيجي» للانتخابات الوطنية الكبرى إلى حين استكمال مراحل أساسية من مسار ما بعد الحرب، تشمل نزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم، وتثبيت هياكل الحكم المحلي والإدارة اللامركزية، وتكوين مفوضيات مستقلة لإدارة الانتخابات تتمتع باستقلال سياسي وتُدعَم فنياً وتقنياً (Brancati, 2011).
كما توضح تجارب مثل كوسوفو وتيمور الشرقية أن اعتماد فترة انتقالية تمتد بين عامين وثلاثة أعوام تحت إدارة دولية أو شبه دولية قبل تنظيم انتخابات تأسيسية ساعد على بناء قواعد قانونية وإدارية، وتدريب كوادر، ووضع نظم أمنية للمناطق، وتقليل احتمالات أن تؤدي الانتخابات إلى تفجر العنف (Reilly, 2015). بالإضافة إلى ذلك، برزت ممارسات تقوم على إشراك الفاعلين المحليين – من منظمات المجتمع المدني والنقابات والقيادات المجتمعية والنساء والشباب والقيادات التقليدية – في تصميم نظم الانتخابات وتحديد حدود الدوائر ووضع قواعد الحملات وتحديد سقوف الإنفاق وآليات الرقابة المحلية، بما يقلل من التلاعب السياسي ويفتح المجال لبناء ثقة أوسع في العملية الانتخابية ويمنح شرعية أعمق للنتائج (Lyons, 2004).

سابعاً: أسوأ الممارسات والنتائج الكارثية للانتخابات المبكرة

على الطرف المقابل، تكشف دراسات حالة عديدة عن نماذج لانتخابات ما بعد النزاع أدت إلى نتائج كارثية عندما نُظمت قبل معالجة جذور اقتصاد الحرب أو قبل بناء مؤسسات قادرة على إدارة التنافس السياسي، أو عندما استُستخدمت الانتخابات كأداة لتثبيت ترتيبات سلام هشة لا تعبّر عن موازين القوى الفعلية ولا تعالج أسباب النزاع (Brancati, 2011). من بين أسوأ الممارسات التعجيل بانتخابات وطنية واسعة في غضون شهور من وقف إطلاق النار من دون وجود مفوضيات مستقلة أو قضاء قادر على الفصل في النزاعات الانتخابية أو قوات حفظ سلام تحمي المدنيين ومراكز الاقتراع، مع اعتماد مفرط على صناديق الاقتراع لإضفاء شرعية شكلية على ترتيبات سياسية لا تحظى بثقة الأطراف أو المجتمع (USAID, 1998).
تجربة أنغولا في التسعينيات مثال واضح؛ إذ أدت الانتخابات إلى تجدد الحرب الأهلية حين رفضت أطراف مسلحة النتائج وشعرت بأنها خُدعت في عملية لم تتوفر فيها الضمانات الكافية، بينما ظل اقتصاد الحرب القائم على النفط والماس وشبكات التهريب في أوج قوته (Brancati, 2011). كما تُظهر تجارب أفغانستان والعراق أن الانتخابات المبكرة في بيئة تدخل خارجي، مع مؤسسات أمنية مفككة أو مخترقة، واقتصاد حرب قائم على ميليشيات وطوائف وشبكات فساد، أدت إلى تفاقم الانقسامات الداخلية وأوجدت سلطات منتخبة ذات شرعية صورية لكنها تعتمد عملياً على شبكات العنف والاقتصاد غير الرسمي (Reilly, 2015).

ثامناً: دروس واقعية وخارطة طريق للانتخابات بعد الترتيبات الأمنية وتفكيك اقتصادات الحرب الأهلية السودانية

تُظهر تجربة السودان أن تنظيم الانتخابات في ظل استمرار عناصر أساسية من اقتصاد الحرب – بما يشمل اقتصاديات الميليشيات، واحتكار الموارد من قبل قوى مسلحة، وتمويل الصراع عبر شبكات تجارية غير رسمية، وتداخل مصالح النخب العسكرية مع مصالح شبكات الأعمال – يحمل مخاطر عالية لعودة النزاع أو لتحويله إلى صراع سياسي عنيف وممتد (Rost, 2006). استناداً إلى الأدبيات المقارنة وتحليلات مراكز الفكر مثل برغهوف ومراكز الأمن والدراسات الاستراتيجية، يمكن صياغة خارطة طريق عملية للانتخابات في السودان بعد الترتيبات الأمية وإعادة الهيكلة وبناء جيش مهني موحد وبعد تفكيك اقتصاد الحرب، ترتكز على خمسة محاور مترابطة: إصلاح قطاع الأمن، تفكيك اقتصاد الحرب، بناء المؤسسات المدنية والقضائية والإدارية، تصميم النظام الانتخابي (مع تفضيل التمثيل النسبي أو النظام المختلط)، وإدارة العملية الانتقالية ومشاركة المجتمع (Berghof Foundation, 2010).

الخاتمة النقدية: حدود النموذج الانتخابي وضرورة قلب المعادلة في السودان

تكشف الأدبيات المتراكمة حول الانتخابات ما بعد الحرب، والأدلة الكمية والنوعية، والتجارب الميدانية، عن تناقض جوهري في النموذج الذي ساد خلال العقود الأخيرة؛ إذ رأت كثير من القوى الدولية والإقليمية في الانتخابات «مؤشراً سريعاً» على التقدم نحو السلام والديمقراطية، بينما أظهرت البيانات أن هذا المؤشر يمكن أن يكون مضللاً حين يتم تجاهل شروطه البنيوية، وخاصة تفكيك اقتصاد الحرب وإصلاح المؤسسات (Flores, 2012). في هذا التناقض، تصبح الانتخابات شكلًا من «الاستعجال المؤسساتي» الذي يفضِّل صور الشرعية على مضمونها، ويغفل أن مجتمعات ما بعد الحرب تحتاج إلى فترات أطول لتعديل الحوافز وإعادة بناء الثقة وتأسيس مؤسسات قوية قبل أن تُحمل عبء منافسة سياسية واسعة.
في السودان، يصبح هذا النقد أكثر إلحاحاً؛ إذ يعاني البلد من تداخل عميق بين الحرب والاقتصاد والسياسة ومن تراكم طويل لتجارب انتخابات في ظل سلطات عسكرية أو سلطوية أو هشة ومن اقتصاد حرب تجاوز حدود الأقاليم إلى شبكات إقليمية ودولية ومن انقسامات اجتماعية وثقافية تغذيها سياسات التهميش والتمييز (de Waal, 2007). في مثل هذا السياق، يمكن أن يكون الحديث عن «انتخابات سريعة» قبل تفكيك اقتصاد الحرب وإصلاح قطاع الأمن وإعادة بناء مؤسسات الحكم المدني أقرب إلى مغامرة بالسلام منه إلى خطوة نحو الديمقراطية؛ لأن صناديق الاقتراع ستُفتح في بيئة لم تتغير فيها الحوافز البنيوية التي جعلت الحرب مشروعاً مربحاً لبعض النخب ولم تُبن فيها مؤسسات قادرة على حماية المواطنين.

المراجع

  1. Berghof Foundation. Sudan: Conflict analysis and options for systemic conflict transformation. 2010. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  2. Brancati D, Snyder J. Rushing to the polls: The causes of premature postconflict elections. 2011. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  3. DMS authors. Not all elections are created equal: Election quality and civil conflict. 2015. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  4. FES. Elections as milestones and stumbling blocks for peaceful democratic consolidation. 2008. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  5. Flores T, Nooruddin I. The effect of elections on postconflict peace and reconstruction. 2012. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  6. GSDRC. Donor support for post-conflict elections. 2013. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  7. Kofi Annan Foundation. Elections and peacebuilding. Policy Report. 2013. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  8. Kuol LBD. South Sudan: The bumpy road to democratic transition. 2025. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  9. Lyons T. Post-conflict elections: Constraints and dangers. 2004. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  10. Poggo S. The first Sudanese civil war: Africans, Arabs, and Israelis in the southern Sudan, 1955–1972. 2009. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  11. Reilly B. Key issues for post-conflict elections. 2017. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  12. Reilly B. Timing and sequencing in post-conflict elections. CRPD Working Paper No. 26. 2015. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  13. Rogier E. No more hills ahead? The Sudan’s comprehensive peace agreement. 2005. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  14. Rost N. A global risk assessment model for civil wars. 2006. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  15. USAID. Postconflict elections: Political and institutional dimensions. 1998. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
  16. de Waal A. Sudan: What kind of state? What kind of crisis? 2007. تاريخ الوصول لمصادر الإنترنت: 24 يوليو 2026.
Author

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
أبرز 4 مرشحين لرئاسة الوزراء في السودان بعد التسوية
منبر الرأي
سياسة بريطانيا ما زالت بعقلية استعمارية تفتقر الي الشفافية وتستبعد حقوق الشعوب في تقرير مصيرها ولا تبشر بدور في إنهاء الحرب
منشورات غير مصنفة
دايماً
منشورات غير مصنفة
مجدوا هلالكم!! .. بقلم: كمال الهِدي
منبر الرأي
ممالك شرق السودان، حرّاس ذهب الآخرين

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

السودان سلة أمراض العالم!! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري

طارق الجزولي
منبر الرأي

(الوضعية التاريخية المأزومة للأسر السودانية وأثرها علي الإنسان ..) ١

محمد عبد المنعم صالح
منبر الرأي

المفاوضات مع الجنوب للحسم أم التلهى !؟ .. بقلم: آدم خاطر

أدم خاطر
منبر الرأي

انظر عندك السودان!! مشروع تعديل قانون الجنسية العراقية يثير موجة سخط واسعة

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss