مدرسة تبرير الهزائم السودانية

 


 

 

السودان شهد نحو عشرين محاولة انقلاب، وربما تنتهي هذه المسألة لاحقا لأن ما فعله البشير ثم البرهان من بعده أجهز على قوته وقد يخرجه من زمرة الجيوش التي يُشار إليها بالبنان.
يحتاج السودان إلى التخلص سريعا من مدرسة التبرير وعدم تحميل المسؤولية للآخر، سواء كان شخصا أو مؤسسة أو دولة، فالانتكاسات التي تعرضت لها الدولة منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع لا تحتمل مزايدات أو اتهامات أو تراشقات، واستمرار الحرب نحو سبعة أشهر يكفي، حيث أُنهكت البلاد وتحتاج إلى عملية إعادة بناء تستغرق سنوات طويلة من العمل والتئام الجروح العسكرية والشروخ السياسية.
بعث التفوق الذي حققته قوات الدعم السريع في أقاليم دارفور برسائل تؤكد أن التبرير الذي يسوقه قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان في كل مرة لم يعد مجديا، فعندما اندلعت الحرب بشّر المواطنين بأن “التمرد” سيتم حسمه خلال بضعة أيام، وعندما خرج من مقر القيادة العسكرية في الخرطوم وانتقل إلى بورتسودان في الشرق بدا الأمر كأنه تكتيك عسكري جديد أو مدخل سياسي لإعادة الاصطفاف.
وعندما تعرضت قواته لإخفاقات لافتة في دارفور أخيرا لم يجد ما يبرر به سيطرة قوات الدعم السريع على أماكن رئيسية في نيالا وزالنجي والجنينة وتتجه نحو الفاشر حاليا، واعتمد على فكرة أن ذاكرة الشعوب مثل ذاكرة السمك تنسى سريعا، وفاقدة القدرة على المحاسبة، وربما يتم التفكير في حجة عسكرية أو ذريعة سياسية يقنع بها المواطنين، وقد تقوده إلى عدم الممانعة في انفصال دارفور من أجل الحفاظ على الخرطوم.
ما فعله البشير ثم البرهان من بعده أجهز على قوة الجيش، وقد يخرجه من زمرة الجيوش التي يُشار إليها بالبنان في القارة إذا دخل السودان دوامة جديدة من الانقسامات
فعلها ناظر (مدير) مدرسة التبرير في السودان من قبل الرئيس الأسبق عمر البشير، حيث خاض حربا مريرة في دارفور وارتكب جرائم بشعة وانتهاكات جرّته إلى مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بضرورة محاكمته، وكان شعاره وقتها محاربة حركات مسلحة خارجة على القانون وضبط الأمن وتوفير الاستقرار في الإقليم، ثم هدأت الحرب أو جُمدت ولم يضبط أمن ولم يتم تحقيق استقرار.
كان التبرير واضحا عند الموافقة على تقرير مصير جنوب السودان والقبول بالانفصال، فكي تحافظ على الرأس ليس مهما أن تضحي بإحدى القدمين، قد يكون البشير ورفاقه في الحركة الإسلامية حافظوا على الرأس (الخرطوم) ومنحوا مشروعهم الإسلاموي دفقة هواء أو استراحة مؤقتة، لكنهم وضعوا أول مسمار عملي في تفتيت السودان بعد أن قاومت قيادات سابقة جهات عديدة سعت لسلخ الجنوب.
ينتقل الجنرال البرهان من تبرير سياسي حيال موقفه من نقل السلطة إلى حكومة مدنية لآخر، ومن فخ عسكري في الخرطوم ودارفور وكردفان لآخر، ربما يصل الحال إلى جر شرق السودان الهادئ إلى فخ يحوّل كل أقاليم البلاد إلى أماكن مشتعلة بالنيران، في سبيل الحفاظ على مكانته داخل المؤسسة العسكرية وعدم مصارحة الشعب بما يجري أو عدم كشف تغول حققته فلول البشير في هذه المؤسسة، وكان أحد أسباب مأزق السودان.
خسر وفد الجيش الكثير من مقوماته السياسية في عملية التفاوض مع وفد الدعم السريع في جدة السعودية، فالمعارك الأخيرة التي حققت فيها قوات الدعم السريع انتصارات سوف تتحول إلى أداة ضغط على الطاولة، ما يجعل لاءات أعلنها الجيش تتراجع، ومطالب رفعها تتوارى، لأن نتائج الاتفاقيات تتحدد دوما بما يملكه كل طرف من أوراق.
لا أعلم ما هو المنطق الذي يمكن أن يقدمه البرهان إلى جيشه لإقناع قيادات متململة بأن الحرب سوف يربحها في النهاية وهم يشاهدون تراجعا عسكريا في ميادين عدة، ولا ما هو التفسير الذي يستطيع به المحافظة على من عولوا عليه لسحق قوات الدعم السريع خلال مدة قصيرة، لكن ما يعلمه المراقبون لما يدور في السودان أن نظرية التبرير التقليدية سقطت أو آخذة في السقوط، فلا توجد أسباب لفهم تراجع الجيش في الميدان سوى أن هناك قلة حيلة أو رؤية ضيقة أفضت إلى النتيجة الراهنة.
إذا كان كل طرف يتلقى دعما عسكريا وسياسيا من جهات مختلفة، فتفوق أحدهما على الآخر لهذا السبب يحسب لقيادته وليس عليها، كما تحسب الخسارة على الجانب الثاني لأنه لم يتمكن من الحصول على دعم كاف لخوض معركة تحدد مستقبل البرهان ولها دور واضح على مركزية المؤسسة العسكرية التاريخية في الدولة السودانية.
ينحسر تدريجيا دور مدرسة التبرير على مستوى القيادات السياسية والعسكرية والمؤسسات الحيوية، فهي لم تعد مجدية لمن داروا في فلكها، وتتحمل جانبا مهما من الكوارث التي حلت بالبلاد، ويكفي أن كوابيس هذه المدرسة أيقظت شريحة كبيرة من الشعب ونخبه على عدم الانسياق وراء تفسيرات واهية أو مسكنات قصيرة المدى تخدم أهدافا أيديولوجية، والسعي نحو التفكير بصورة عملية، لأن الأزمات التي يمر بها السودان تحتاج إلى جراحات عاجلة للحفاظ على ما تبقى من وحدة البلاد.
التفوق الذي حققته قوات الدعم السريع في أقاليم دارفور بعث برسائل تؤكد أن التبرير الذي يسوقه قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان في كل مرة لم يعد مجديا.
يُفسح سقوط أصحاب مدرسة تبرير الهزائم المجال لأصحاب مدرسة الواقعية السياسية، فالأحلام التي دغدغ بها البشير مشاعر فئة كبيرة من الناس سقطت، والانتصارات التي وعد بها البرهان تبخرت مع معلومات تؤكد سقوط وحدات عسكرية في أماكن مختلفة، وحتى المبررات التي كانت تقدم في مثل هذه الحالات لن تجد من يصدقها، والأخطر هو جريمة تقزيم المؤسسة العسكرية، فمهما كان حجم قوات الدعم السريع فقد كانت جزءا من هذه المؤسسة الأم وتابعا لها، تختلف أو تتفق عليه لكنه فرع من جذر.
ما فعله البشير ومن جلسوا بعده على سدة الحكم وعُيّنوا على رأس المؤسسة العسكرية العريقة أساء إليها، وما حدث من إخفاق أمام قوات الدعم السريع في ميادين الحرب المتباينة سوف يظل جريمة في حق الجيش الوطني، والذي كان أحد أهم الجيوش في القارة الأفريقية قبل أن ينخره سوس جماعة الإخوان وتقنع بعض قياداته بأهدافها.
هذا هو التفسير الوحيد المقنع لفهم أسباب الخسائر التي مني بها الجيش على جبهات دارفور، فالجيوش الوطنية ضد الانحياز لحركات أيديولوجية، وكل الجيوش التي نخرتها الطائفية أو تبنت رؤى عقائدية لم يكتب لها التفوق والاستمرار، وحلّت ببعضها نهايات مؤلمة، وقد كان جيش السودان رمانة ميزان في كثير من المحطات.
لذلك من يتولّى قيادة الجيش كان يملك حكم السودان، ما جعل التطلع إليه مطمعا للعديد من الجنرالات، حيث شهد هذا البلد نحو عشرين محاولة انقلاب، نجح منها سبع فقط، وربما تتلاشى أو تنتهي هذه المسألة لاحقا، لأن ما فعله البشير ثم البرهان من بعده أجهز على قوة الجيش، وقد يخرجه من زمرة الجيوش التي يُشار إليها بالبنان في القارة إذا دخل السودان دوامة جديدة من الانقسامات ولم تتمكن هذه المؤسسة من تقديم جنرال وطني يمكنه التخلي عن التبريرات الزائفة والتحلي بالواقعية.

نقلاً عن صحيفة العرب اللندنية

 

آراء