مزن النيل… انطفاء القنديل

نزار عثمان السمندل

يمرُ اسمها كجرحٍ طازج في ذاكرة بلدٍ أنهكته الخسارات. مزن النيّل، التي لوّحت ومضت إلى الضفة الأخرى، في تزامن مع ذكرى اندلاع الحرب، بدت كأنها تختار موعدها بعناية موجعة؛ يومٌ يفتح دفاتر الدم، وشابة جسورة أصرّت أن تكتب فيه سطرا مختلفا، ثم رحلت قبل أن يكتمل النص.

حياتها لم تهدأ يوما. سيرة مشدودة إلى قلق دائري، إلى أسئلة العدالة التي ترفض السكون، وإلى غضبٍ نبيل لا يعرف المساومة. خرجت من قلب ثورة ديسمبر تحمل صوتا واضحا في زمنٍ مزدحم بالضجيج، وتدفع بكلماتها نحو مناطق يتردّد كثيرون في الاقتراب منها.

العدالة الاجتماعية عندها اختبارٌ يومي، وحقوق النساء معركة شخصية تُخاض بعنادٍ ووعي. مهندسة تشتغل على السياسة كما لو أنها تفكّك آلة معقّدة، وتعيد تركيبها على نحو أكثر إنصافا. كتبت عن الاقتصاد والتنمية والسياسات الصناعية، وذهبت إلى الهامش حيث تُختبر الأفكار على أجساد الناس، بعيدا عن القاعات المكيّفة.

انحازت للفئات التي تُترك خارج الصورة، وراكمت معرفةً هادئة لا تتباهى بها، بل تضعها في خدمة نقاش عام يحتاج إلى من يضيئه لا من يزيّنه. حضورها بين المجموعات الشبابية لم يكن تنويعا عفويا كي تكتمل الصورة، كان شراكة حقيقية في التفكير والعمل، وفي مساءلة المسلّمات التي تُغلق الأفق.

الهندسة في تكوينها، والاقتصاد الاجتماعي في شغفها، والسياسات العامة في أفقها. أكثر من عقدٍ من العمل المهني في مشاريع معقّدة، بين شركات كبرى وناشئة، وبين استشارات تقنية وإدارة مشاريع، لم يصرفها عن همّها الأول. ظلّت تقرأ البلد كما يُقرأ نصٌّ صعب، وتبحث عن ثغرةٍ يدخل منها الضوء.
مساهمتها في مراكز الأبحاث والاستشارات، وفي تأسيس معهد معنيّ بالسياسات الصناعية، كانت امتدادا لهذا القلق المنتِج، قلق المعرفة التي لا تكتفي بالتشخيص، بقدر ما تطمح إلى اجتراح طريق.

نعاها العالم الذي يشبهها: مكتبات، دور نشر، صحف، نقابات، حركات عمّالية، منصّات ثورية. اتسعت دائرة الحزن حتى بدت اعترافا متأخرا بقيمةٍ عاشت في الظلّ عن قصد، أو لأن الضوء انصرف إلى غيرها. أصدقاؤها كتبوا بمدادٍ باكٍ، كلمات تحاول ردّ بعض الدين لامرأةٍ أعطت أكثر مما أخذت. لم تكن تبحث عن موقع في الواجهة، كانت تريد أن يكون الناس في مكانٍ يليق بكرامتهم.
حلمها كان بسيطا إلى حدّ التعقيد: بلد يقرّر مصيره بيديه، ويصون كرامة أهله، ويقيم عدلا لا يُستثنى منه أحد. خرجت مع جيلٍ كامل إلى الشوارع، ترفع هذا الحلم، قبل أن تبتلعه قعقعة السلاح.
رأت كيف ينكمش الأفق، وكيف يتحوّل الحلم إلى مهمة بقاء. ومع ذلك، ظلّت تكتب وتجادل وتذكّر بأن الحياة الكريمة ليست تفصيلا بسيطا يمكن تأجيله.

رحيلها يحمل قسوة الفقد الشخصي، حتى لمن لم يلتقوا بها. شيءٌ في نبرتها، في صراحتها، في صدقها غير المروّض، يجعل الحزن عليها شأنا عاما. الذين عرفوها عن قرب يملكون وجعا مضاعفا ولابدّ، ومن عرفوها من بعيد يشاركونهم الخسارة، لأنهم فقدوا صوتا كان يعبّر عنهم.

كلماتها باقية كعلامات على طريق وعرة:
“مجرمو الحرب يتصارعون على السلطة ونحن نصارع من أجل الحياة”.
جملة تختصر مأساة بلد وتفضح توازناته المختلّة.
رفضها للحرب كان قناعة راسخة بأن السلاح يفسد السياسة ويختطف القرار. كانت ترى أن الطريق إلى الديمقراطية لا يمكن تعبيده بالبندقية، وأن حياة الناس وكرامتهم ليست ورقة في لعبة السلطة.

لم تمنح الطغاة رفاهية الصمت (نبيل أديب، هل تسمع؟)، ولم تترك رفاقها في مواجهة الخيبات وحدهم. ظلّ صوتها عاليا حين خفَتت الأصوات، وبقيت إشارتها واضحة حين تاهت الاتجاهات. دفعت كلفة هذا الوضوح، وواجهت حملات التشويه بصلابة من يعرف موقعه. لم تنتظر إذنا لتغضب، ولم تعتذر يوما عن انحيازها.
عبارتها الأشد صفاءً تبدو اليوم كوصيّة:
“موقفي السياسي هو أن لا يُقتل الناس”.
جملةٌ تُختبر في كل زاوية من هذا البلد المنكوب، وتكشف كم هو صعب أن يكون البديهي مطلبا.
رحلت مزن النيّل، وبقيت هذه البديهيات معلّقة في الهواء، تبحث عمّن يحملها إلى الأرض … إلى مماشي الحياة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

محجوب شريف… عاش كما كتب وكتب كما عاش

نزار عثمان السمندل تحتفظ ذاكرة السودانيين باسمٍ حين يُنطق يتقدّم على صفته، ويكاد يعرّفها… محجوب …