مسافر الي الغني .. بقلم: هلال زاهر الساداتي
قصة قصيرة
هجر بخيت قريته الصغيرة القابعة في الشمال ميمما” شطر المدينة الكبيرة بعد أن ضاقت أبوآب الرزق علي آماله الرحيبة وأشواقه المتسعة فما عادت الزراعة تجود عليه الا بالقليل الشحيح ، فهو كد كثير ورزق قليل ومشقة ومكابدة وعائد وحصاد ضئيل يصد النفس ويطفئ نور الأشواق النبيلة الطامحة الي لين العيش بل حده الأدني الذي يحفظ الحياة في الأجسام المنهكة الكادحة ، ولكنه عندما جاء الي المدينة الكبيرة تآه وتاهت معه آماله الوردية وعصرته قتامة الحياة فلم يجد فيها ما ارتجي من عمل يعوضه عن ماضي ايامه الكالحات ولكن جآءه الفرج عندما حدثه أحد أبنآء قريته العاملين خارج القطر عن السفر الي السعودية والذهاب اليها معتمرا” وهناك يتخلف عن العودة ثم يجد عملا” حيث أن العمل متآح هناك والأرزاق وافية والأموال طائلة ويمكن أن يعيش متخفيا” آمنا” شر الشرطة ومطاردتها للمقيمين بصورة غير شرعية لا سيما أن له ابن عم يعمل هناك في مدينة جدة وهون عليه المخاطر حتي اقتنع بخيت وثبتت أمنية السفر الي الفردوس الأرضي هناك عبر البحر في الأراضي المقدسة في آعماقه واصبحت هاجسا” يشغل بآله في ليله ونهآره ، وذهب الي قريته وباع غنيماته وهي كل ما يملكه في دنيآه واقترض بعض المال وودع والديه وأهل قريته وكان يوم وداعه يوما” فريدا” في عمره وكان كأنه ولي عهد ذاهب لتتويجه ملكا” ، وأحس في داخله شيئا” من الزهو والعظمة لم يألفه من قبل وترقرقت الدموع في أعين البعض وذرفت أمه دموعا” غزيرة ورددت الشفآه والألسن الدعوات الصالحات له بالذهاب والعودة بالسلامة والغنيمة ، وتسمع أحدهم يقول : ( والله بخيت ود المبارك اتفتحتلو طاقة القدر ) ويقاطعه آخر بقوله : ( يا زول اسكت ساكت القروش هناك مشتتة متل المطر ) وينادي ولد بلهفة : ( عمي بخيت ـ عمي بخيت عليك الله لمن ترجع جيب لي معاك كورة كفر للتيم حقتا ) وزجره أحد المودعين : ( يا جني تر غادي الناس في شنو وانتو همكم في اللعب ) ، وطفحت مشاعر بخيت فلم يتمالك نفسه من البكآء وهو يحتضن أبآه وأمه مودعا”.
لا توجد تعليقات
