باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 18 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

مستقبل قوات الدعم السريع في السودان بين التفكيك والدمج المشروط والإخراج التدريجي: نحو إعادة بناء احتكار الدولة للعنف

اخر تحديث: 18 يوليو, 2026 2:42 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يرى المقال أن مستقبل قوات الدعم السريع يمثل عقدة مركزية في أزمة الدولة السودانية الراهنة، لأن هذه القوة انتقلت منذ حرب أبريل 2023 من شريك في السلطة إلى ندّ عسكري ينازع الجيش على العاصمة وأقاليم إستراتيجية، في سياق انهيار مؤسسات الدولة، وتآكل احتكارها للعنف، ودمار اقتصادي واجتماعي واسع. ينطلق التحليل من سؤال جوهري: هل يسير السودان نحو إعادة تأسيس دولة وطنية تحتكر العنف عبر أجهزة أمنية وعسكرية مهنية خاضعة لسلطة مدنية وقانون، أم نحو تكريس نموذج تعدّد الجيوش والقوى المسلحة، حيث تصبح الدولة مجرد فاعل بين فاعلين مسلحين متنافسين، ويتقاطع هذا السؤال مع مسارات الانتقال السياسي، والعدالة الانتقالية، وإصلاح القطاع الأمني، وسط انقسام اجتماعي حاد حول طبيعة الدعم السريع بين من يعدّها أداة إبادة مليشياوية ومن يراها تمثيلاً للهامش المسلح في مواجهة مركز محتكر للموارد والدولة.
يؤسس المقال نقاشه على إطار نظري يجمع بين مفهوم احتكار العنف المشروع، وأدبيات إصلاح القطاع الأمني والحوكمة الأمنية، والعدالة الانتقالية وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ومقاربات الحروب الهجينة وتفكيك المليشيات، ليخلص إلى أن السودان عرف تاريخياً تعدّد الحركات المسلحة، لكن خصوصية الدعم السريع أنها قوة شبه رسمية داخل بنية السلطة، ما أفرز وضعاً أقرب إلى «دولة ثنائية» بين دولة الجيش ودولة الدعم السريع. يوضح أن محاولات إصلاح القطاع الأمني قبل الحرب عبر الاتفاق الإطاري وورش الإصلاح العسكري والأمني تعثرت بسبب غياب الثقة بين الجيش والدعم السريع واختلاف رؤيتيهما للسلطة، وأن أي مسار واقعي لتفكيك أو دمج هذه القوة لا يمكن أن ينجح دون تفكيك اقتصاد الحرب الذي تستفيد منه هذه المليشيا والجيش وشبكات إقليمية متداخلة.
يتتبع المقال جذور الدعم السريع بوصفها امتداداً للجنجويد في دارفور، تم تجييشها على أساس قبلي وتحالفات محلية لخدمة نظام البشير، ثم جرى «شرعنتها» بقانون خاص عام 2013 وربطها اسمياً بجهاز الأمن والجيش مع الحفاظ على ولائها الشخصي والعشائري، ما يجعلها بعيدة عن نموذج المؤسسة العسكرية المهنية. ومع الزمن تضخمت هذه القوة عددياً ومالياً، حتى صار تقدير عناصرها بين 70 و100 ألف مقابل نحو 200 ألف للجيش، وانتشرت في شوارع الخرطوم أكثر من انتشار الجيش في الثكنات، وراكمت اقتصاداً خاصاً عبر الذهب وحرب اليمن واستثمارات في العاصمة، ما حوّلها إلى فاعل اقتصادي–سياسي مستقل نسبياً عن الدولة. يقدّم المقال عرضاً تفصيلياً لانتشارها الجغرافي في الخرطوم (معسكرات ومقار رئيسية) وأغلب ولايات السودان، خاصة دارفور وكردفان والبحر الأحمر، مع سيطرة واسعة على مدن وطرق حيوية، ويبيّن كيف انتقلت بعد سقوط البشير من أداة للنظام إلى شريك في السلطة عبر موقع قائدها في مجلس السيادة ونفوذها الأمني والاقتصادي، وما ولّده ذلك من شعور بأن الثورة اختُطفت لصالح تحالف عسكري–مليشياوي.
يرصد المقال أثر الحرب الراهنة على صورة الدعم السريع، حيث تحولت إلى فاعل حربي رئيسي متهم بانتهاكات جسيمة تشمل القتل على الهوية، الاغتصاب الجماعي، التهجير القسري، والسيطرة على منازل المدنيين في دارفور والخرطوم، ما عمّق المطالبات بحلها وعدم منحها شرعية مستقبلية. في المقابل، تحاول قيادتها تقديم نفسها كقوة تمثل الهامش أو كحركة قومية تسعى لتأسيس كيان سياسي أو نواة جيش جديد في ترتيبات ما بعد الحرب، الأمر الذي يفاقم التوتر بين سردية الضحايا وسردية القيادة. في هذا السياق، يميّز المقال بين ثلاثة تيارات رئيسية في الجدل حول مستقبلها: تيار الحلّ الكامل الذي يدعو لتفكيكها جذرياً ومحاكمة قيادتها ودمج انتقائي محدود لعناصر غير متورطة؛ تيار الدمج المشروط الساعي إلى إدخالها تدريجياً في الجيش والشرطة ضمن إصلاح شامل للقطاع الأمني وبرامج تسريح وإعادة إدماج، مع مساءلة جزئية للقيادات وتفكيك لشبكات التمويل؛ وتيار الإخراج التدريجي الذي يطرح مسار تسويات سياسية وأمنية متدرجة تشمل وقف الحرب، سلطة انتقالية مدنية، إعادة انتشار مؤقت خارج المدن، تفكيك نفوذها تدريجياً، وحضور دولي لمراقبة التنفيذ، مع منع تحويلها إلى حزب مسلح وبناء أجهزة أمنية محلية جديدة لتفادي الفراغ.
يقدّم المقال تقييماً مقارناً معمقاً لهذه الخيارات وفق معايير احتكار الدولة للعنف، العدالة الانتقالية، الاستقرار الأمني–السياسي، وإمكان التنفيذ الواقعي، ويخلص إلى أن الحل الكامل متسق نظرياً مع الاحتكار لكنه محفوف بمخاطر الفراغ الأمني وإعادة تشكّل القوة بأشكال جديدة أو انتقال عناصرها إلى الجريمة المنظمة وحروب أخرى، وأن الدمج المشروط قد يقلل هذه المخاطر لكنه يهدد بتحويل الدعم السريع إلى كتلة داخل المؤسسة العسكرية إذا لم يُصلح الجيش نفسه، بينما الإخراج التدريجي أقل صدمة لكنه يعتمد على ضغط دولي وإقليمي مستمر وقد ينتهي إلى تسويات مؤقتة تُبقي المليشيا في حالة «قوة مؤجلة الحل». كما يبرز أن كل خيار يحمل تعقيدات أخلاقية وسياسية في علاقة الدولة بالضحايا؛ فالحل الكامل يمنح إمكانية أوسع للمحاسبة لكنه قد يغذي خطاب المظلومية؛ الدمج المشروط يصطدم بثقة الضحايا في العدالة؛ والإخراج التدريجي معرض للمماطلة والتأجيل.
انطلاقاً من هذا التحليل، يقترح المقال مقاربة مركّبة تراها الأكثر واقعية: إعلان مبدأ «لا تعدّد للجيوش» وربط أي حل أو دمج بإصلاح عميق للجيش نفسه؛ تفكيك الدعم السريع كمؤسسة وكيان قانوني ومنع استخدام اسمها مستقبلاً؛ فتح مسارات دمج انتقائي مشروط للأفراد غير المتورطين في الجرائم الجسيمة ضمن الجيش أو الشرطة أو مؤسسات مدنية مع برامج إعادة تأهيل؛ إنشاء آلية عدالة انتقالية مستقلة ذات صلاحيات واسعة للتحقيق في انتهاكات جميع الأطراف ووضع مسارات للمحاسبة أو العفو المشروط أو التعويض بمشاركة الضحايا؛ وإخراج تدريجي لقيادات الدعم السريع من المشهد العسكري والسياسي عبر صيغ توازن بين المحاسبة ومنع تحويلهم إلى رموز تعبئة جديدة. يشدد المقال على أن الدور الدولي والإقليمي مهم لدعم هذا المسار وضمان عدم إعادة إنتاج القوة في شكل جديد، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن إرادة وطنية وتوافق مجتمعي واسع حول رفض تعدّد الجيوش.
لترجمة هذه الرؤية إلى واقع، يطرح المقال خارطة طريق زمنية تمتد من خمس إلى عشر سنوات، تبدأ بمرحلة أولى (حتى عام) تتضمن وقف إطلاق النار تحت رعاية إقليمية ودولية، آليات مراقبة مشتركة في الخرطوم ودارفور والمناطق المشتعلة، وإجراءات لبناء الثقة وفتح الممرات الإنسانية تمهيداً لحوار سياسي–أمني. تليها مرحلة ثانية (6–24 شهراً) تقوم على تأسيس سلطة انتقالية مدنية واسعة التمثيل، مع مشاركة محدودة للقوى العسكرية بضوابط واضحة، واعتماد وثيقة دستورية تؤكد مبدأ جيش واحد، وإنشاء مفوضية مستقلة لإصلاح القطاع الأمني والعدالة الانتقالية، وإجراء مسح شامل لكل القوى المسلحة لبناء قاعدة بيانات للفرز والدمج والتسريح. في المرحلة الثالثة (السنة 2–5) يُصدر قانون تفكيك الدعم السريع ككيان قانوني خلال سقف زمني محدد مع حظر اسمها وشعاراتها، وتُطلق برامج متكاملة للتسريح ونزع السلاح وإعادة الإدماج تستهدف أولاً الفئات الأقل تورطاً ثم فئات مختارة بعد اختبارات مهنية وقانونية، بالتوازي مع إصلاح هيكلي للجيش وتقليص أدواره الاقتصادية ومراجعة عقيدته القتالية وإخضاعه لرقابة مدنية.
أما المرحلة الرابعة (السنة 3–7) فتركز على العدالة الانتقالية ومحاسبة القيادات عبر لجان حقيقة وتحقيق تنشر تقارير دورية وتوصي بمسارات المحاسبة والعفو والتعويض، مع إحالة القيادات المتورطة في الجرائم الجسيمة إلى محاكم وطنية أو دولية ومنعهم من أي دور عسكري أو سياسي، وتنفيذ ترتيبات خروج تدريجي لهم من المشهد عبر الاستقالة أو الإبعاد أو المنفى السياسي مع ضبط الخطاب الإعلامي لمنع توظيفهم في سرديات مظلومية مزيفة. وفي المرحلة الخامسة (السنة 5–10) تُستكمل عملية الدمج الانتقائي للأفراد من الدعم السريع والحركات المسلحة في الجيش والشرطة وفق معايير مهنية، وتُثبّت بنية جيش واحد مهني مع ضبط حجم القوات، ويجري بناء مؤسسات مدنية رقابية قوية (برلمان منتخب، أجهزة مستقلة، مجتمع مدني) وقوانين تحد من تدخل الجيش في السياسة والاقتصاد، بالتوازي مع ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وسيادة القانون في التعليم والإعلام والخطاب الديني، إدراكاً بأن إعادة بناء الدولة لا تتوقف عند تفكيك قوة مسلحة بل تتطلب تغييراً عميقاً في الثقافة السياسية التي شرعنت العنف المليشياوي.
في خاتمته النقدية، يؤكد المقال أن الجدل حول الدعم السريع يكشف أزمة هيكلية في بنية السلطة والعنف وعلاقة المركز بالهامش، وأن الخيارات الثلاثة المطروحة تعكس إلى حد كبير توازنات القوى الراهنة أكثر مما تقدم رؤية متكاملة لعقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة والعدالة والاحتكار القانوني للعنف. يحذر من أن يُدار مستقبل هذه القوة عبر تسويات نخب مغلقة بين قيادات عسكرية وسياسية محلية وإقليمية، من دون إشراك المجتمعات المتضررة والضحايا والقوى المدنية الجذرية أو معالجة اقتصاد الحرب، لأن ذلك يحوّل الترتيبات الأمنية إلى مجرد إعادة توزيع للسلطة داخل نفس الحقل المليشياوي. ويخلص إلى أن استعادة شرعية الدولة ومشروعيتها تتطلب إصلاحاً عميقاً للمنظومة العسكرية والأمنية وإعادة تعريف دور الجيش في الحياة السياسية والاقتصادية وربط ذلك بمسار عدالة انتقالية غير قابلة للمساومة وببناء مؤسسات مدنية رقابية فعالة، وأن أي مقاربة لا تنطلق من هذا الأفق النقدي المركّب ستظل إدارةً للأزمة لا تجاوزاً لها، وتبقي السودان عرضة لدورات جديدة من العنف المليشياوي وتفكك الدولة، حتى لو نجحت مرحلياً في تجميد الحرب الراهنة.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

يأتي النقاش حول مستقبل قوات الدعم السريع في لحظة تاريخية فارقة تتسم بانهيار واسع لمؤسسات الدولة السودانية، وتآكل قدرتها على احتكار العنف المشروع، وتحوّل العنف من مجال تحتكره الدولة إلى موردٍ تتنافس عليه جيوش نظامية وقوى شبه عسكرية ومليشيات محلية وإقليمية (De Waal، 2015). منذ اندلاع الحرب المفتوحة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحوّلت هذه القوة من شريك في السلطة إلى نِدٍّ عسكري وسياسي ينازع الجيش على العاصمة وعلى أقاليم إستراتيجية مثل دارفور والجزيرة، على نحو يهدد بتفكك الدولة إلى كيانات مسلحة متجاورة أكثر مما يفتح الطريق إلى انتقال ديمقراطي مستقر (Young، 2012؛ International Crisis Group، 2019). يتجاوز هذا النقاش حدود الترتيبات الأمنية التقنية إلى سؤال أعمق حول نموذج الدولة نفسه: هل يتجه السودان نحو إعادة تأسيس دولة وطنية تحتكر العنف من خلال أجهزة أمنية وعسكرية مهنية خاضعة لسلطة مدنية وحكم قانوني، أم نحو ترسيخ نموذج تعدّد الجيوش والقوى المسلحة المتنافسة، حيث تصبح الدولة مجرد أحد اللاعبين في سوق العنف؟ (Weber، 1919). يتقاطع الجدل حول الدعم السريع مع مسارات الانتقال السياسي والعدالة الانتقالية وإصلاح القطاع الأمني، في سياق انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ودمار اقتصادي قدّرته بعض التقارير بنحو 100 مليار دولار، وتدمير أكثر من 90٪ من المصانع وتعطيل الإنتاج الزراعي في مناطق واسعة (Noonpost، 2024). في هذا الإطار، تتبلور ثلاث مقاربات رئيسية لمستقبل قوات الدعم السريع: الحلّ الكامل والتفكيك الجذري، الدمج المشروط في القوات النظامية ضمن إصلاح شامل للقطاع الأمني، والإخراج التدريجي من المعادلة عبر تسويات سياسية وأمنية، وكلها خيارات تحمل مزايا وحدوداً وتثير أسئلة معقدة حول العدالة والاستقرار وإمكان التنفيذ، وتتطلب تفكيكاً نقدياً معمقاً يراعي تاريخ القوة وبنيتها وعلاقاتها الإقليمية والاقتصادية.

مركزية سؤال مستقبل قوات الدعم السريع في ترتيبات ما بعد الحرب

يمثّل الجدل حول مستقبل قوات الدعم السريع أحد أكثر ملفات ما بعد الحرب السودانية تعقيداً وحساسية، لأنه يتصل مباشرةً بسؤال احتكار الدولة للعنف، وبإمكان بناء ترتيبات انتقالية مستقرة، أو الانزلاق إلى تفكك دائم للدولة وتعدد الجيوش والمليشيات (Weber، 1919؛ Ball، 2005). يرتبط هذا الجدل بثلاث مقاربات رئيسية: الدعوة إلى الحلّ الكامل للقوة باعتبارها تجسيداً لتغوّل المليشيا على الدولة، والدفع باتجاه دمجها أو إعادة هيكلتها ضمن القوات النظامية وفق اشتراطات صارمة، ثم الطرح الثالث الذي يقترح إخراجها تدريجياً من المعادلة عبر تسويات سياسية وأمنية مرحلية منضبطة زمنياً ومعيارياً (DCAF، 2006؛ African Union، 2013؛ OECD DAC، 2004). في قلب هذه المقاربات تقف أسئلة العدالة الانتقالية، وإصلاح القطاع الأمني، وضمانات عدم العودة إلى الحرب، ومستقبل النظام السياسي نفسه، في ظل انقسام اجتماعي حاد بين من يرى في الدعم السريع تجسيداً للعنف المليشياوي والإبادة، ومن يرى فيها تعبيراً عن الهامش المسلح الذي انتقم من مركزٍ طالما احتكر الدولة والجيش والموارد (Flint، 2008؛ De Waal، 2015).

أولاً: الإطار النظري – احتكار العنف وإصلاح القطاع الأمني

يتأسّس النقاش حول مستقبل قوات الدعم السريع على منظومة من النظريات والمقاربات في دراسات الدولة والانتقال السياسي وإصلاح القطاع الأمني، يمكن تلخيص أهمها في الآتي:
نظرية احتكار العنف المشروع وتحولاته في السياق السوداني
تنطلق الفكرة الفيبيرية عن الدولة باعتبارها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف في إقليم محدد عبر مؤسسات عسكرية وأمنية خاضعة للقانون وللسلطة المدنية المنتخبة، وأن وجود قوات موازية أو مليشيات مستقلة أو شبه مستقلة يمثل تقويضاً مباشراً لهذا الاحتكار، ويؤدي إلى «خصخصة العنف» وإلى سوقٍ تنافسي للعنف المسلح بين الدولة والفاعلين غير الدولتيين (Weber، 1919). في السودان، لم يتحقق هذا الاحتكار تاريخياً بصورة مستقرة؛ إذ عرفت البلاد تعدد الجيوش منذ زمن بعيد عبر الحركات المسلحة في الجنوب ثم دارفور والنيل الأزرق، لكن الجديد مع الدعم السريع هو أن القوة الموازية لم تعد حركة هامشية تقاتل الدولة من الأطراف، بل تحوّلت إلى جهاز شبه رسمي داخل بنية السلطة نفسها، يتقاسم مع الجيش إدارة العنف والاقتصاد والقرار السياسي (Young، 2012؛ De Waal، 2015). هذا التداخل بين الرسمي وغير الرسمي أنتج ما يمكن وصفه بـ«الدولة الثنائية»؛ دولة الجيش ودولة الدعم السريع، مع تداخل في الأجهزة، وتنافس على الموارد، وتعدد في الولاءات الإقليمية والدولية، ما يجعل إعادة الاحتكار مهمة أكثر تعقيداً من مجرد حل قوة أو دمجها.

إصلاح القطاع الأمني والحوكمة الأمنية في سياقات ما بعد النزاع

تضع أدبيات إصلاح القطاع الأمني والحوكمة الأمنية مجموعة مبادئ لإعادة تنظيم أجهزة الأمن والجيش والشرطة في دول ما بعد النزاع، تقوم على إعادة تعريف وظائف هذه الأجهزة ضمن رؤية وطنية جديدة، وإخضاعها لرقابة مدنية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإنهاء تعدّد الجيوش والقوات الموازية عبر الدمج أو الحلّ أو إعادة الهيكلة (DCAF، 2006؛ African Union، 2013؛ OECD DAC، 2004). في الحالة السودانية، شكّل الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022، والورش المتعلقة بالإصلاح العسكري والأمني، محاولات أولية لوضع خريطة طريق لدمج الدعم السريع والحركات المسلحة في جيش واحد، غير أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 كشف هشاشة هذه المسارات، وأظهر أن غياب الثقة بين الجيش والدعم السريع، والاختلاف في رؤيتهما لمستقبل السلطة، يحول دون أي إصلاح أمني حقيقي ما لم يُعاد تأسيس العقد السياسي نفسه (Al Jazeera Centre for Studies، 2019؛ Phillips، 2023). كما أن إصلاح القطاع الأمني لا يمكن أن يُختزل في إعادة توزيع المناصب داخل الجيش أو وزارة الداخلية، بل يتطلب تفكيكاً لاقتصاد الحرب، وإعادة تعريف دور الأجهزة الأمنية في إدارة الموارد والاقتصاد، وهو أمر يتقاطع مباشرةً مع نفوذ الدعم السريع في الذهب والتجارة العابرة للحدود.

العدالة الانتقالية والدمج/التسريح وإعادة الإدماج (DDR)

تربط أدبيات العدالة الانتقالية بين معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وبين خيارات إدماج أو تسريح المقاتلين، وتؤكد أن أي دمج لقوة متورطة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية دون معالجة شاملة لمسائل المحاسبة والتعويض وضمان عدم التكرار يرسخ الإفلات من العقاب ويُنتج دورات جديدة من العنف (Sriram، 2010؛ International Commission of Jurists، 2020). في حالة الدعم السريع، تشير تقارير منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية إلى انتهاكات واسعة في دارفور قبل الحرب الحالية، تشمل حرق قرى بأكملها، وقتل المدنيين، وجرائم اغتصاب، وإزالة قسرية للسكان، ما دفع بعض التقارير إلى وصفها بأنها جرائم قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية (Human Rights Watch، 2015؛ Amnesty International، 2016). ومع الحرب الأخيرة، توسعت هذه الانتهاكات لتشمل الخرطوم ومدن أخرى، مع تقارير عن قتل على الهوية في غرب دارفور، وتهجير جماعي من أحياء العاصمة، وسيطرة على منازل المدنيين بالقوة (BBC Arabic، 2023؛ Sky News Arabia، 2023). ضمن هذا السياق، يصبح خيار الدمج المشروط مقيداً بشروط قاسية على مستوى الفرز القضائي والأمني؛ إذ لا يمكن دمج قيادات أو عناصر متورطة في هذه الانتهاكات دون مسار قضائي واضح، أو على الأقل دون آليات عفو مشروط تعترف بالضحايا وتضمن عدم التكرار.

مقاربات تفكيك المليشيات والحروب الهجينة

تنبّه الأدبيات الحديثة حول الحروب الهجينة وتعدّد الفاعلين المسلحين إلى أن محاولة تفكيك مليشيا كبيرة دون مراعاة توازنات القوى ومصالح الداعمين الإقليميين والدوليين يمكن أن تؤدي إلى تفجر العنف مجدداً أو إلى انتقال المليشيا إلى أشكال أخرى من التنظيم، كقوة عابرة للحدود، أو تنظيم إجرامي، أو ذراع أمنية لدولة أخرى (Reno، 1998؛ Mehler، 2012). في السياق السوداني، ارتبطت قوات الدعم السريع بعلاقات مع دول إقليمية من خلال مشاركتها في حرب اليمن، وتوفير مقاتلين مقابل دعم مالي وسياسي، إضافة إلى سيطرتها على مناطق ذهب في دارفور، ما منحها قدرة على التمويل الذاتي (De Waal، 2015؛ BBC Arabic، 2025). هذا التداخل بين المليشيا المحلية والاقتصاد العابر للحدود يجعل تفكيك القوة مسألة لا تتعلق بالترتيبات الأمنية الداخلية فقط، بل تتطلب تنسيقاً مع الدول التي استفادت من خدمات القوة أو من مواردها، وإلا فإن تفكيكها قد يدفع جزءاً من عناصرها إلى العمل كمرتزقة في حروب أخرى، أو إلى تشكيل تنظيمات جديدة خارج حدود الدولة السودانية.

ثانياً: جذور قوات الدعم السريع وتحولها إلى قوة موازية

لا يمكن فهم الجدل الحالي حول مستقبل الدعم السريع دون العودة إلى تاريخ تشكّلها ومسار تطورها، من ميليشيا محلية إلى قوة شبه عسكرية ذات طموح سياسي واضح:
النشأة من رحم حرب دارفور وتحول «الجنجويد» إلى قوة شبه نظامية
تشكلت قوات الدعم السريع في سياق الحرب في دارفور بوصفها امتداداً مدنياً وعشائرياً لميليشيات «الجنجويد» التي استخدمها نظام البشير في مطلع الألفية لمواجهة الحركات المتمردة في الإقليم، معتمداً على تجييش قبائل عربية مسلّحة وتوفير دعم لوجستي ومالي لها (Flint، 2008؛ De Waal، 2015). بمرور الوقت، وتحت ضغط دولي بسبب الانتهاكات المنسوبة للجنجويد، لجأت الحكومة إلى محاولة «شرعنة» هذه القوة عبر إدماجها شكلياً في بنية الدولة، فأُنشئت قوات الدعم السريع عام 2013 بقانون خاص وربطت اسمياً بجهاز الأمن ثم بالقوات المسلحة، مع الإبقاء على بنيتها العشائرية وولائها الشخصي لقيادتها (Al Jazeera، 2019؛ Sudanile، 2025). هذا الأصل المليشياوي يفسّر صعوبة تحويل القوة إلى مؤسسة عسكرية مهنية؛ فالقوة لم تنشأ على أساس عقيدة عسكرية وطنية جامعة، بل على أساس تحالف بين السلطة المركزية وبعض قيادات القبائل، وجرى حشد المقاتلين عبر شبكات اجتماعية واقتصاد حرب مبني على النهب والسيطرة على الطرق التجارية ومناطق الذهب.

الترسيم القانوني والتضخم المؤسسي والاقتصادي

مع مرور الوقت، تمت إعادة تنظيم الدعم السريع بصفة «قوات نظامية» بقانون خاص، وربطها شكلياً بالقوات المسلحة مع منح قيادتها استقلالاً عملياً كبيراً في التمويل والتسليح والتوظيف، ما سمح لها بالتوسع العددي والانتشار الجغرافي (Al Jazeera، 2019؛ BBC Arabic، 2025). وفق تقديرات متقاربة وردت في تقارير إعلامية ودبلوماسية، بلغ عدد قوات الدعم السريع قبل اندلاع الحرب في 2023 ما بين 70 ألفاً إلى أكثر من 100 ألف مقاتل، بينما بلغ تعداد الجيش النظامي نحو 200 ألف جندي، أي ما يقارب ضعف حجم الدعم السريع، مع فارق في نمط الانتشار؛ إذ كانت قوات الجيش أكثر تمركزاً في الثكنات والمعسكرات، بينما انتشر الدعم السريع بكثافة في شوارع الخرطوم ومدن أخرى (BBC Arabic، 2023؛ Elalem.info، 2024؛ Wikipedia RSF، 2024). كما عززت مشاركتها في حرب اليمن وحراسة الحدود والذهب مواردها المالية وقدرتها على استقطاب ضباط أحيلوا للتقاعد من الجيش، ما جعلها قوة ذات «اقتصاد خاص» موازٍ لاقتصاد الدولة، يملك شركات ومقار وإدارات في الخرطوم ومعظم ولايات السودان (De Waal، 2015؛ Sudanile، 2025).

الانتشار الجغرافي لقوات الدعم السريع بالأرقام والأماكن

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تغيّر توزيع قوات الدعم السريع بشكل ملحوظ؛ فالقوة التي كان انتشارها الأكبر في ولايات دارفور الخمس وجنوب وشمال وغرب كردفان بدأت في نقل آلاف المقاتلين إلى العاصمة الخرطوم (Elalem.info، 2024). تشير إحدى التقارير إلى أن الدعم السريع نقل نحو 50 ألف مقاتل من دارفور إلى الخرطوم قبل اندلاع المواجهات الأخيرة، وتم نشرهم في مداخل ومخارج ولاية الخرطوم، مع تعزيز وجودهم بقطع حربية ثقيلة ومدرعات وصلت من شمال دارفور، ما مكّنهم من السيطرة على مواقع إستراتيجية في الأيام الأولى للحرب، بما في ذلك أجزاء من القيادة العامة والقصر الجمهوري ومقار جهاز المخابرات السابق وهيئة العمليات قرب مطار الخرطوم (Sky News Arabia، 2023؛ Elalem.info، 2024). في العاصمة، تذكر المصادر أن الدعم السريع كان يملك معسكرات رئيسية في معسكر «طيبة» بمحلية جبل أولياء جنوب الخرطوم، ومعسكر في منطقة «صالحة» غرب الخرطوم، ومعسكر في «الجيلي» شمال العاصمة، إضافة إلى مقر في «سوبا» شرقاً، فضلاً عن انتشار كثيف في أحياء وسط الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري (Elalem.info، 2024؛ BBC Arabic، 2023). خارج العاصمة، تُقدّر تقارير إعلامية أن الدعم السريع يسيطر على نحو 70٪ من إقليم دارفور، مع انتشار في مدن مثل الفاشر ونيالا والجنينة وزالنجي والضعين، وعلى طول الطريق الرابط بين الخرطوم وولاية الجزيرة، مع وجود مقدر في ولاية البحر الأحمر ومناطق قرب حلايب (Sky News Arabia، 2023؛ Sudanile، 2025). ورغم أن الأرقام الدقيقة لعدد المقاتلين في كل ولاية غير متاحة بشكل موثوق، إلا أن إجماع التقارير يشير إلى أن القوة تنتشر «في أغلب ولايات السودان» بجوار ثكنات الجيش، مع ثقل رئيسي في دارفور والخرطوم وكردفان والبحر الأحمر، وأن العدد الإجمالي للعناصر يتراوح في حدود 100 ألف مجند أو يزيد قليلاً (BBC Arabic، 2023؛ Elalem.info، 2024).

مرحلة ما بعد سقوط البشير والفترة الانتقالية: من أداة إلى شريك في السلطة

بعد الإطاحة بنظام عمر البشير في أبريل 2019، تعاظم الجدل حول موقع الدعم السريع في المشهد الانتقالي؛ إذ ظهر القائد محمد حمدان دقلو (حميدتي) باعتباره الرجل الثاني في مجلس السيادة، والأقوى عملياً في السيطرة على قوات على الأرض، ما جعل كثيرين يرون أن الثورة السودانية قد اختُطفت لصالح تحالف بين الجيش والدعم السريع، بدلاً من انتقال سلطة حقيقي إلى المدنيين (International Crisis Group، 2019؛ Al Jazeera، 2019). رأت قوى مدنية واسعة أن وجود الدعم السريع بهذا الشكل الموازٍ يمثل خطراً هيكلياً على عملية الانتقال، بينما سعت القيادة العسكرية السابقة، بما فيها قيادة الدعم السريع، إلى إعادة إنتاج نفوذها عبر المشاركة في مجلس السيادة والتحكّم في ملفات الأمن والاقتصاد، ما عمّق أزمة الثقة بين الشارع السوداني وبين الفاعلين المسلحين (Young، 2012؛ Sudanile، 2025). تعزّزت في هذه المرحلة سردية «الجيش الموازٍ» مع تزايد التقارير عن نفوذ اقتصادي واسع لقائد القوة وارتباطها بشبكات إقليمية ودولية، بما في ذلك الاستثمارات في الذهب وبعض القطاعات الخدمية في الخرطوم، ما جعل الدعم السريع ليس مجرد ذراع عسكرية بل فاعلاً اقتصادياً يمتلك موارد مستقلة عن الدولة (De Waal، 2015؛ BBC Arabic، 2025).

الحرب الحالية وتوسّع السيطرة الميدانية وتأثيرها على صورة الدعم السريع

مع اندلاع الحرب المفتوحة في أبريل 2023 بين القوات المسلحة والدعم السريع، تحولت الأخيرة إلى فاعل حربي رئيسي يحتل أجزاءً من العاصمة وولايات في دارفور ومناطق أخرى، ويُتّهم بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق، من القتل على الهوية في غرب دارفور، والاغتصاب الجماعي، والنهب، والتهجير القسري، والسيطرة على منازل المدنيين، ما زاد من حدة المطالبات بحلّها وعدم منحها أي شرعية مستقبلية (Human Rights Watch، 2015؛ Amnesty International، 2016؛ BBC Arabic، 2023؛ Sky News Arabia، 2023). في المقابل، تحاول القيادة السياسية والعسكرية للدعم السريع إعادة تعريف نفسها بوصفها «قوة تمثل الهامش» أو «حركة قومية» تسعى لدور سياسي وعسكري في ترتيبات ما بعد الحرب، بما في ذلك تشكيل كيان سياسي أو التحول إلى «نواة جيش جديد» وفق تصريحات وفدها في محادثات دولية وتصريحات إعلامية، وهو ما يعمّق القطيعة بين سردية الضحايا وسردية القيادة (Al Jazeera، 2023؛ Al Arabiya، 2024).

ثالثاً: أطراف الجدل ومواقفها – بين الحلّ الكامل والدمج المشروط والإخراج التدريجي

يتباين الفاعلون المحليون والإقليميون والدوليون في رؤيتهم لمستقبل الدعم السريع، ويمكن تمييز ثلاث كتل رئيسية في هذا الجدل، لكل منها منطقها ودوافعها ومخاوفها:

تيار الحلّ الكامل وتفكيك الدعم السريع

هذا التيار يضم قوى مدنية واسعة، وقطاعات من القوات المسلحة، وشرائح كبيرة من المجتمع في المناطق التي عانت مباشرة من انتهاكات الدعم السريع، فضلاً عن أصوات داخلية وخارجية متزايدة ترى أن استمرار وجود القوة بأي صيغة يهدد أساس الدولة (Human Rights Watch، 2015؛ International Commission of Jurists، 2020). يمكن تلخيص حجج هذا التيار في الآتي:
أن الدعم السريع نشأت كقوة مليشياوية قائمة على الولاء الشخصي والقبلي، وليست مؤسسة مهنية يمكن إصلاحها جزئياً؛ فهي تعتمد على شبكة قيادات محلية ومقاتلين جرى تجييشهم عبر الحوافز المالية والانتماءات القبلية أكثر من انتمائهم لعقيدة عسكرية وطنية، ما يجعل إدماجها في الجيش الوطني تهديداً لهوية الجيش نفسها (Flint، 2008؛ Reno، 1998).
أن سجل الانتهاكات الجسيمة المنسوب لهذه القوة يجعل الحديث عن دمجها في جيش وطني موحد دون محاسبة شاملة انتهاكاً لمبادئ العدالة الانتقالية، ورسالة سلبية للضحايا والمجتمعات المتضررة، وقد يفتح الباب أمام تكرار العنف؛ إذ يرى الضحايا أن دمج الجناة في مؤسسات الدولة دون محاسبة يعيد إنتاج نمط الإفلات من العقاب الذي عانى منه السودان لعقود (Sriram، 2010؛ Amnesty International، 2016؛ Human Rights Watch، 2015).
أن استمرار وجود الجيش الرديف – حتى لو سُمي باسم آخر أو أُعيدت صياغة قانونه – يعني إدامة حالة تعدّد مراكز القوة، بما يحول دون بناء دولة مدنية ديمقراطية ذات احتكار فعلي للعنف، كما تُظهر تجارب دول أخرى احتفظت بقوى شبه عسكرية بعد النزاع، فتحوّلت هذه القوى إلى أدوات لتصفية الخصوم السياسيين أو لإعادة إنتاج السلطوية (Weber، 1919؛ Ball، 2005؛ OECD DAC، 2004).
من الناحية العملية، يقترح هذا التيار مساراً يتضمن إعلان حلّ القوة قانونياً، وتجفيف مصادر تمويلها، ومصادرة أسلحتها الثقيلة، وإخضاع قادتها الرئيسيين لمسار قضائي وطني ودولي، مع فتح مسارات محدودة لدمج أفراد منتقين بعد فحص أمني وقضائي صارم في القوات المسلحة أو الشرطة أو برامج إعادة الإدماج المدني، بحيث لا يُنظر إلى الدمج كاستمرار للقوة بل كإعادة توظيف فردي مشروط (UN، 2006؛ International Commission of Jurists، 2020). هذا المسار يراهن على أن تفكيك الكيان المؤسسي سيقطع الروابط الشبكية التي تجعل من الدعم السريع مصدراً لإعادة إنتاج العنف، لكنه يواجه تحديات في القدرة الواقعية للدولة المنهكة على تنفيذ تفكيك بهذا الحجم، وفي مخاطر إعادة تشكّل القوة بشكل غير رسمي.

تيار الدمج المشروط وإعادة الهيكلة ضمن القوات النظامية

يمثل هذا التيار موقفاً وسطاً تبنّته في مراحل مختلفة قوى مدنية ودولية، وأحياناً بعض قيادات الدعم السريع نفسها عندما تحدّثت عن القبول بمبدأ توحيد القوات، وإن اختلفت حول الجدول الزمني وشروط الدمج (Phillips، 2023؛ RUSI، 2023). يقوم هذا الخيار على فرضية أن الحجم الكبير للقوة وتغلغلها الاجتماعي والاقتصادي يجعل حلّها الفوري غير عملي وخطير، وأن المسار الأقل تكلفة هو دمجها تدريجياً في الجيش والشرطة وفق إصلاح أمني وعسكري شامل (DCAF، 2006؛ African Union، 2013). أهم عناصر هذا التصور:
الاتفاق على مبدأ «جيش واحد مهني موحّد» يخضع لسلطة مدنية، مع وضع خريطة طريق تفصيلية لإعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، تتضمن دمج الدعم السريع والحركات المسلحة الأخرى وفق جدول زمني واضح نسبياً (مثل 5–10 سنوات)، مع ربط هذا الدمج ببرامج تدريب وإعادة تأهيل وإعادة هيكلة قيادية، على أن يُعاد توزيع الضباط والجنود ضمن وحدات جديدة لا تعكس الانتماءات السابقة (OECD DAC، 2004؛ Phillips، 2023).
اشتراط إخضاع قيادة الدعم السريع لمساءلة سياسية وقضائية عن الانتهاكات، مع منح درجات محدودة من الحصانة أو العفو المشروط وفقاً لنتائج مفاوضات سياسية، على أن لا يشمل ذلك المتورطين في الجرائم الأشد، وأن يتم الفصل بين الدمج المؤسسي للأفراد وبين المحاسبة الجنائية للقيادات؛ أي أن دمج القاعدة لا يعني إسقاط المسؤولية عن القمة (Sriram، 2010؛ International Commission of Jurists، 2020).
اعتماد برامج DDR متقدمة؛ أي التسريح ونزع السلاح وإعادة الإدماج، مع مقاربة تفصيلية للفئات المختلفة داخل القوة (القيادة العليا، القيادات الوسطى، المقاتلون النظاميون، المجنّدون قسراً، المتورطون في جرائم جسيمة، وغير المتورطين)، وربط كل فئة بمسار مختلف (إدماج في الجيش، إدماج في الشرطة، إدماج في مؤسسات مدنية، أو إخضاع لمسار عدالة انتقالية) (UN، 2006؛ Fortna، 2008).
ربط الدمج بإصلاح بنية الاقتصاد السياسي للعنف؛ عبر تفكيك شبكات التمويل التي بنيت حول الدعم السريع، ومنع تحويل موارد القوة إلى شبكات محسوبة على أشخاص أو عشائر أو شركات واجهة، وإعادة إدخال هذه الموارد، إذا كانت قانونية، في الاقتصاد الرسمي الخاضع للمحاسبة، مع مراجعة عقود الذهب والتجارة التي استفادت منها القوة (De Waal، 2015؛ Reno، 1998).
التحديات أمام هذا المسار تتمثل في رفض قطاعات من المجتمع لهذا الخيار بسبب حجم الانتهاكات، وفي رغبة قيادة الدعم السريع في الاحتفاظ بهوية مستقلة ونفوذ سياسي وعسكري، وفي مخاطر أن يتحوّل الدمج الشكلي إلى إعادة تدوير للقوة في قلب المؤسسة العسكرية دون تغيير فعلي في ولاءاتها وممارساتها، خاصة إذا لم يُصلح الجيش نفسه ويُعاد تعريف عقيدته القتالية ودوره السياسي (Young، 2012؛ Mehler، 2012).

تيار الإخراج التدريجي عبر تسويات سياسية وأمنية

يقترح هذا الاتجاه مساراً أكثر براغماتية، يقوم على الاعتراف بواقع وجود الدعم السريع كقوة رئيسية على الأرض في مناطق معينة، وبحجم الدعم الإقليمي والدولي الذي تلقته، ويطرح أن الحل الأكثر قابلية للتنفيذ هو إخراجها تدريجياً من المعادلة عبر حزمة من التسويات السياسية والأمنية المتدرجة زمنياً (Paris، 2004؛ Fortna، 2008). أهم ملامح هذا الطرح:
الدخول في تسوية سياسية شاملة تحت ضغط دولي وإقليمي، تتضمن وقف إطلاق النار وتشكيل سلطة انتقالية مدنية، مع تضمين مسار خاص بمستقبل الدعم السريع ينص على تفكيك نفوذها في المدن وإعادة انتشارها في مناطق محددة لفترة انتقالية، ثم حلّها النهائي خلال سقف زمني متفق عليه، مقابل ضمانات معينة لقياداتها وعناصرها (African Union، 2013؛ International Crisis Group، 2019).
ربط هذا المسار بحضور أممي أو إقليمي قوي على الأرض (بعثة أممية أو قوة مراقبة) يضمن تنفيذ الترتيبات الأمنية، ويمنع إعادة تموضع القوة أو استغلال فترات الانتقال لإعادة التسليح أو التوسع؛ إذ تُظهر تجارب دولية أن غياب آليات مراقبة فعّالة يجعل الأطراف المسلحة تميل إلى التحايل على الاتفاقات الأمنية (UN، 2006؛ Fortna، 2008).
معالجة البعد السياسي للدعم السريع عبر منع تحويلها إلى حزب سياسي يحمل امتداداً مسلحاً، وفي الوقت نفسه عدم منع الأفراد المرتبطين بها من المشاركة في الحياة السياسية المدنية بعد خضوعهم لمسارات العدالة الانتقالية؛ أي فصل «الهوية السياسية الفردية» عن «الهوية المليشياوية الجماعية» (Sriram، 2010؛ International Commission of Jurists، 2020).
اعتماد مقاربة للتفكيك تتجنب الفراغ الأمني، عبر إعادة بناء الشرطة والأمن المحلي في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة الدعم السريع، وتشكيل قوات حفظ سلام وطنية خاضعة لسلطة مدنية، بإشراف دولي في المراحل الأولى، مع تمثيل للمجتمعات المحلية في هياكل الأمن المجتمعي، لتفادي عودة المليشيات بحجة حماية الأهلي (DCAF، 2006؛ OECD DAC، 2004).
هذا الخيار يفترض درجة عالية من التوافق الدولي والإقليمي، ومن الاستعداد لدى الأطراف السودانية لتقديم تنازلات مؤلمة، بما في ذلك خروج قادة عسكريين من المشهد التنفيذي، وقبولهم بإعادة بناء منظومة أمنية جديدة لا تقوم على تحالفات المليشيا والجيش، بل على مبدأ «مؤسسات أمنية مهنية تحت سلطة مدنية» (Phillips، 2023). لكنه يواجه خطر «التسويات المؤقتة» التي تجمّد النزاع دون أن تحله جذرياً، فيتحول الدعم السريع إلى قوة «مؤجلة الحلّ» تستخدم فترة الانتقال لإعادة التموضع.

رابعاً: تقييم مقارن معمّق لخيارات الحلّ الكامل والدمج المشروط والإخراج التدريجي

يمكن تناول هذه الخيارات في ضوء مجموعة من المعايير: استعادة احتكار الدولة للعنف، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، واستقرار ترتيبات ما بعد الحرب، وإمكان التنفيذ الواقعي، وعلاقة كل خيار بالعدالة الانتقالية، مع الاستفادة من تجارب دول أخرى شهدت تفكيك مليشيات أو دمجها في جيوش وطنية (Fortna، 2008؛ Paris، 2004).
من حيث احتكار العنف: يبدو خيار الحلّ الكامل، نظرياً، الأكثر اتساقاً مع مبدأ احتكار الدولة للعنف، لأنه يسعى إلى إزالة الجيش الموازي بصورة جذرية، غير أن هذا يتوقف على قدرة الدولة على منع إعادة تشكّل القوة في صورة أخرى، وعلى نجاحها في بناء مؤسسة عسكرية مهنية موحدة؛ فالفراغ الأمني الناتج عن حل القوة دون بديل يمكن أن يملأه فاعلون آخرون أكثر تفلتاً (Weber، 1919؛ Ball، 2005). الدمج المشروط يسعى إلى احتكار العنف عبر إدخال القوة في المؤسسة الرسمية، لكن خطره أن يحوّل المليشيا إلى «كتلة داخلية» في الجيش، إذا لم تُغيّر ثقافتها وولاءاتها، فتتحول وحدات بعينها إلى امتداد غير معلن لهوية الدعم السريع داخل الجيش (Phillips، 2023؛ Mehler، 2012). الإخراج التدريجي يسعى لتحقيق الاحتكار على مراحل، مع قبول مؤقت بواقع تعدّد القوى، لكنه يراهن على الزمن والضغط الدولي لتفكيك القوة تدريجياً.
من حيث العدالة الانتقالية: يوفّر الحلّ الكامل إمكانية أعلى لمحاسبة القيادة، إذا ارتبط بمسار قضائي قوي، لكنه يحتاج إلى ضمان تنفيذ الأحكام وعدم تحوّل القيادات إلى رموز لـ«مظلومية» جديدة تُستثمر في تعبئة مسلحة، كما حدث في حالات أخرى حيث استُخدم اعتقال قادة مليشيات لتغذية خطاب الضحية والانتقام (International Commission of Jurists، 2020؛ Sriram، 2010). الدمج المشروط يواجه مشكلة أخلاقية وسياسية في إقناع الضحايا بأن من ارتكبوا الانتهاكات يمكن أن يصبحوا جزءاً من الجيش الوطني، إلا إذا صيغت آليات فرز صارمة وفصل واضح بين من يدمجون ومن يُحاكمون، والآليات التي تُستخدم للتعويض والاعتراف (UN، 2006؛ Fortna، 2008). الإخراج التدريجي يمكن أن يتيح وقتاً لبناء ملفات قضائية وتفاهمات حول العدالة الانتقالية، لكنه معرض لخطر المماطلة والتأجيل، إذا استخدمت القيادات فترات الانتقال للمناورة وشراء الوقت.
من حيث الاستقرار الأمني والسياسي: يحمل الحلّ الكامل مخاطر انفجار جديد إذا شعر جزء من القوة أو داعموها الإقليميون بأنهم مستهدفون دون ضمانات؛ فالمقاتلون الذين تسريحهم دون بدائل اقتصادية قد ينخرطون في الجريمة المنظمة أو في حروب أخرى (Mehler، 2012؛ Reno، 1998). الدمج المشروط يمكن أن يخفف من مخاطر الفراغ الأمني، لكنه مهدد بانفجارات داخل المؤسسة العسكرية إذا لم تُحسم خطوط القيادة والولاء، وإن لم يُجر إصلاح موازٍ لعقيدة الجيش نفسه؛ إذ يمكن أن تُستخدم الخلافات الداخلية لتغذية انقلابات جديدة (Paris، 2004؛ Ball، 2005). الإخراج التدريجي يبدو أقل الخيارات صدمةً على المدى القصير، لكنه يعتمد بقدر كبير على استمرار ضغط دولي وإقليمي، وعلى استعداد الأطراف للالتزام، وأي تراجع في الاهتمام الدولي يمكن أن يترك المسار معلقاً.

خامساً: نحو مقاربة مركّبة – تفكيك الدعم السريع مع دمج انتقائي مشروط وإخراج تدريجي

في ضوء التعقيدات المشار إليها، يُرجّح أن يكون المسار الأكثر واقعية في السياق السوداني هو مقاربة مركّبة تجمع بين عناصر من الخيارات الثلاثة ضمن رؤية متماسكة لإصلاح القطاع الأمني وإعادة بناء الدولة (Phillips، 2023؛ DCAF، 2006). يمكن تصور هذه المقاربة كما يلي:

إعلان مبدأ «لا تعدّد للجيوش» وربط الحلّ والدمج بإصلاح الجيش نفسه

ينبغي أن يبدأ أي مسار بتوافق سياسي ومجتمعي واضح على مبدأ «جيش واحد مهني موحّد تحت سلطة مدنية»، يشمل القوات المسلحة والحركات المسلحة والدعم السريع، مع الاعتراف بضرورة إصلاح الجيش نفسه، الذي لا يمكن اعتباره مؤسسة مثالية لا تحتاج إلى مراجعة؛ فالجيش نفسه تورّط في انقلابات متعددة، وفي تحالفات مع مليشيات، وفي اقتصاد سياسي للعنف (Ball، 2005؛ Young، 2012). إن الحديث عن حلّ الدعم السريع دون معالجة تسييس الجيش وترهّل بنيته وعلاقاته الاقتصادية يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأزمة، إذ يمكن للجيش أن يعيد تشكيل مليشيا جديدة تحت مسمى آخر إذا لم تُضبط علاقته بالسلطة المدنية (De Waal، 2015؛ Reno، 1998).

تفكيك الدعم السريع كمؤسسة وكيان قانوني، مع فتح مسارات دمج انتقائي للأفراد

يقوم هذا المسار على حلّ القوة ككيان قانوني ومؤسسي، ومنع استخدام اسمها في أي تشكيل مستقبلي، بينما يُفتح المجال لدمج انتقائي مشروط للأفراد غير المتورطين في الجرائم الجسيمة، وفق معايير مهنية وقانونية واضحة، في الجيش والشرطة أو في مؤسسات مدنية، مع برامج لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي والمهني (UN، 2006؛ Fortna، 2008). بهذا الشكل يُفصل بين الكيان كرمز للعنف وبين الأفراد الذين يمكن استيعابهم، دون إعادة إنتاج الهوية المؤسسية للدعم السريع ضمن القوات النظامية، ويُستفاد من خبرة بعض العناصر العسكرية في إطار عقيدة جديدة منضبطة (Sriram، 2010؛ International Commission of Jurists، 2020).

مسار عدالة انتقالية صارم ومتدرج

يحتاج هذا المسار إلى إنشاء آلية عدالة انتقالية مستقلة وذات صلاحيات حقيقية، تحقق في الانتهاكات المرتكبة من كافة الأطراف، بما فيها الدعم السريع والجيش والحركات المسلحة، وتضع تصنيفاً واضحاً للجرائم، وتحدد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، وتوصي بمسارات المحاسبة أو العفو المشروط أو التعويض، مع ضمان حقوق الضحايا في المشاركة في صياغة هذه الآليات (Sriram، 2010؛ International Commission of Jurists، 2020). ربط الدمج والحلّ بالعدالة الانتقالية يحدّ من خطر الإفلات من العقاب، ويحول دون تحويل مسار إعادة الهيكلة الأمنية إلى صفقة نخب مغلقة تتجاهل مطالب المجتمعات المتضررة، كما يمنح الضحايا إحساساً بأن إعادة بناء المؤسسات الأمنية لا تتم على حساب ذاكرتهم وتجاربهم (African Union، 2013؛ OECD DAC، 2004).

إخراج تدريجي لقادة الدعم السريع من المشهد السياسي والعسكري

لا يمكن تصور ترتيبات مستقرة ما بعد الحرب مع استمرار حضور القيادات الرئيسية للدعم السريع في مواقع القرار العسكري أو السياسي التنفيذي، خاصة مع حجم الاتهامات الموجهة إليها في ما يتعلق بالانتهاكات والاقتصاد السياسي للعنف (Human Rights Watch، 2015؛ De Waal، 2015). من هنا تُعدّ التسويات السياسية والأمنية فرصة لصياغة مسار خروج تدريجي لهذه القيادات من المشهد، عبر صيغ متعددة (الاستقالة، الإبعاد، المحاكمة، أو النفي السياسي)، مع توفير ضمانات محدودة تمنع تحويلهم إلى رموز تعبئة مسلحة، دون منحهم حصانة مطلقة؛ أي أن الضمانات تُستخدم كأدوات انتقال لا كجوائز بلا ثمن (International Commission of Jurists، 2020؛ Paris، 2004).

دور دولي وإقليمي داعم لا بديل عن الإرادة الوطنية

يبقى الدور الدولي والإقليمي حاسماً في الضغط لمنع إعادة إنتاج الدعم السريع في صورة جديدة، وفي دعم مسارات الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية والانتقال السياسي المدني، لكن هذا الدور لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الوطنية السودانية، ولا عن توافق مجتمعي واسع حول رفض تعدّد الجيوش واستمرار حالة المليشيا (Phillips، 2023؛ RUSI، 2023). إن أية ترتيبات تُفرض من الخارج دون بنيات توافق داخلي ستظل عرضة للانهيار عند أول أزمة سياسية أو اقتصادية، كما أثبتت تجارب دول أخرى في القارة الإفريقية خرجت من النزاعات المسلحة إلى ترتيبات هشّة لم تصمد أمام الضغوط الداخلية والخارجية، حيث أعيد إنتاج المليشيات في أطر جديدة (Fortna، 2008؛ Paris، 2004).

سادساً: خارطة طريق واقعية وخطة عمل زمنية لتفكيك الدعم السريع وإعادة بناء احتكار الدولة للعنف

استناداً إلى التحليل السابق، يمكن اقتراح خارطة طريق عملية متعددة المراحل تمتد بين خمس وعشر سنوات، تستهدف تفكيك قوات الدعم السريع كمؤسسة، ودمج الأفراد انتقائياً، وإصلاح القطاع الأمني، وإعادة بناء احتكار الدولة للعنف وفق جدول زمني واضح وقابل للمتابعة (African Union، 2013؛ DCAF، 2006).

المرحلة الأولى (0–12 شهراً): وقف الحرب وترتيبات أمنية أولية

التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار تحت رعاية إقليمية ودولية (الاتحاد الإفريقي، الأمم المتحدة، أطراف إقليمية رئيسية)، يتضمن نصاً صريحاً على الهدف النهائي: جيش واحد مهني موحد، وحل قوات الدعم السريع كمؤسسة ضمن جدول زمني محدد (International Crisis Group، 2019؛ African Union، 2013).
نشر آلية مراقبة دولية–إقليمية لوقف إطلاق النار في الخرطوم ودارفور والولايات الساخنة، مع مشاركة مراقبين سودانيين من المجتمع المدني والنقابات المهنية، لضمان شفافية المتابعة ومنع خرق الاتفاق (UN، 2006؛ Fortna، 2008).
الشروع في إجراءات بناء الثقة بين الأطراف، مثل فتح ممرات إنسانية، وإطلاق سراح المعتقلين غير المتهمين في جرائم جسيمة، والتوقف عن الحملات الإعلامية التحريضية، بما يمهّد الطريق لبدء حوار سياسي–أمني حول مستقبل القوات.

المرحلة الثانية (6–24 شهراً): تأسيس سلطة انتقالية مدنية ومسار إصلاح أمني

تشكيل سلطة انتقالية مدنية ذات قاعدة واسعة (قوى الثورة الأصلية، الأحزاب غير المتورطة في الحرب، لجان المقاومة، الحركات المهنية)، مع تمثيل محدود للقوى العسكرية بضوابط واضحة، واعتماد وثيقة دستورية انتقالية تنص على «لا تعدّد للجيوش» كأحد المبادئ الأساسية (Al Jazeera Centre for Studies، 2019).
إنشاء مفوضية مستقلة لإصلاح القطاع الأمني والعدالة الانتقالية، تجمع خبراء سودانيين ومنظمات دولية، وتُمنح تفويضاً بوضع خطة لإعادة هيكلة الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، وخطة لتفكيك الدعم السريع ودمج الأفراد، مرتبطة بآليات العدالة الانتقالية (DCAF، 2006؛ International Commission of Jurists، 2020).
إجراء مسح شامل لقوات الدعم السريع والجيش والحركات المسلحة، يتضمن بيانات عن عدد المقاتلين، توزيعهم الجغرافي، خلفياتهم الاجتماعية والعسكرية، ومستوى تورطهم في الانتهاكات، بهدف بناء قاعدة بيانات تُستخدم في عمليات الفرز والدمج والتسريح (UN، 2006).

المرحلة الثالثة (السنة 2–5): تفكيك مؤسسي ودمج انتقائي وتسريح

إصدار قانون خاص بتفكيك قوات الدعم السريع، يعلن حلّها ككيان قانوني خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات، ويحظر استخدام اسمها أو شعاراتها في أي تشكيل مستقبلي، ويربط تنفيذ القانون بآليات مراقبة وطنية ودولية (African Union، 2013؛ OECD DAC، 2004).
إطلاق برامج DDR متكاملة: تسريح ونزع سلاح وإعادة إدماج، تستهدف أولاً الفئات الأقل تورطاً في الانتهاكات (المجنّدون قسراً، صغار المقاتلين)، عبر توفير حوافز اقتصادية واجتماعية (تدريب مهني، فرص عمل، دعم نفسي)، ثم الانتقال إلى دمج فئات مختارة في الجيش أو الشرطة بعد اجتياز اختبارات مهنية وقانونية (UN، 2006؛ Fortna، 2008).
البدء بإصلاح الجيش نفسه: إعادة هيكلة القيادة، تخفيض أدواره الاقتصادية، مراجعة عقيدته القتالية، إدخال التدريب على حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وإخضاعه لرقابة برلمانية ومدنية، حتى لا يتحول دمج عناصر من الدعم السريع إلى إعادة إنتاج لنفس نمط العنف تحت مسمى آخر (Ball، 2005؛ Mehler، 2012).

المرحلة الرابعة (السنة 3–7): عدالة انتقالية ومحاسبة القيادات

تفعيل آليات العدالة الانتقالية عبر لجان حقيقة وتحقيق خاصة بالانتهاكات المرتكبة من الدعم السريع والجيش والحركات المسلحة، ونشر تقارير دورية، ووضع توصيات محددة للمحاسبة أو العفو المشروط أو التعويض، مع التركيز على الجرائم الأكثر جسامة (Sriram، 2010؛ International Commission of Jurists، 2020).
إحالة القيادات الرئيسية المتورطة في جرائم جسيمة إلى محاكم وطنية أو دولية، وفق توافق سياسي–قانوني، مع ضمان حقوق الدفاع، ومنع استخدام المحاكمات كأداة انتقامية، في الوقت الذي يُمنع فيه هؤلاء القادة من ممارسة أي دور عسكري أو سياسي خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها (Human Rights Watch، 2015؛ Amnesty International، 2016).
تنفيذ ترتيبات خروج تدريجي للقيادات من المشهد عبر الاستقالة أو الإبعاد أو المنفى السياسي، وفق صيغ تتجنب تحويلهم إلى رموز تعبئة مسلحة، مع ضبط خطاب الإعلام والسياسة بحيث لا يغذي مظلومية مزيفة.

المرحلة الخامسة (السنة 5–10): تثبيت احتكار الدولة للعنف وبناء مؤسسات مدنية رقابية

استكمال دمج الأفراد المنتقين من الدعم السريع والحركات المسلحة في الجيش والشرطة، وفق معايير مهنية، وتثبيت بنية جيش واحد مهني، مع تقليل تدريجي لحجم القوات وفق احتياجات الدولة الفعلية، لمنع تضخم المؤسسة العسكرية (OECD DAC، 2004).
بناء مؤسسات مدنية قوية قادرة على الرقابة على الأجهزة الأمنية والعسكرية (برلمان منتخب، أجهزة رقابة مستقلة، مجتمع مدني حر)، واعتماد قوانين تحد من تدخل الجيش في السياسة والاقتصاد، بما يضمن أن احتكار الدولة للعنف لا يتحول إلى احتكار الجيش وحده للسلطة (Paris، 2004؛ Ball، 2005).
تعزيز ثقافة حقوق الإنسان وسيادة القانون في المجتمع والمؤسسات، عبر إدماج هذه القيم في المناهج التعليمية والإعلام والخطاب الديني، لأن إعادة بناء الدولة بعد الحرب لا تقف عند حدود تفكيك قوة مسلحة، بل تتطلب إعادة بناء الثقافة السياسية والاجتماعية التي شرعنت العنف المليشياوي لعقود.

خاتمة نقدية

الجدل حول مستقبل قوات الدعم السريع يكشف عن أزمة بنيوية في الدولة السودانية تتجاوز هذه القوة إلى بنية السلطة والعنف والعلاقات بين المركز والهامش، وإلى تاريخ طويل من استخدام المليشيات كأدوات للحكم ثم محاولة إعادة إدماجها أو التخلص منها عند تغيّر السياقات السياسية (Flint، 2008؛ De Waal، 2015). إن المقاربات الثلاثة المطروحة – الحلّ الكامل، الدمج المشروط، الإخراج التدريجي – تعكس في جانب منها توازنات القوى القائمة وتفضيلات الفاعلين الدولتيين وغير الدولتيين أكثر مما تعكس رؤية متكاملة لإعادة بناء الدولة على أساس عقد اجتماعي جديد، يقوم على المواطنة والعدالة والاحتكار القانوني للعنف (Weber، 1919؛ Sriram، 2010). يظل الخطر الأساسي في أن يُختزل مستقبل الدعم السريع في تسويات نخب مغلقة تُدار خلف الأبواب المغلقة بين القيادات العسكرية والسياسية المحلية والإقليمية، دون إشراك المجتمعات المتضررة والضحايا والقوى المدنية الجذرية، ودون معالجة جذرية لاقتصاد الحرب والعنف، ما قد يحوّل أي ترتيبات أمنية إلى مجرد إعادة توزيع للسلطة داخل نفس الحقل المليشياوي (Reno، 1998؛ Mehler، 2012). إن استعادة الدولة السودانية لشرعيتها ولمشروعيتها يتطلب ما هو أبعد من تفكيك قوة واحدة أو دمجها؛ يتطلب إصلاحاً عميقاً للمنظومة العسكرية والأمنية، وإعادة تعريف دور الجيش نفسه في الحياة السياسية والاقتصادية، وربط ذلك كلّه بمسار عدالة انتقالية لا يُساوم على حقوق الضحايا، وببناء مؤسسات مدنية قادرة على ممارسة الرقابة والمساءلة على الأجهزة المسلحة (African Union، 2013؛ OECD DAC، 2004؛ International Commission of Jurists، 2020). ومن دون هذا الأفق النقدي المركّب، ستظل مقاربات حلّ أو دمج أو إخراج الدعم السريع تدور في دائرة إدارة الأزمة لا تجاوزها، وتفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف المليشياوي وتفكك الدولة، حتى لو نجحت مرحلياً في إنهاء الحرب الراهنة أو تجميدها، لأن بنية العنف غير الرسمي ستظل قائمة في شكل أو آخر.

المراجع

  1. Weber M. Politics as a Vocation. 1919.
  2. Ball N, Hendrickson D. Reviewing the Case for Security Sector Reform in Developing Countries. 2005.
  3. Brzoska M. Development Donors and the Concept of Security Sector Reform. 2003.
  4. Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces (DCAF). Security Sector Reform: An Introduction. 2006.
  5. United Nations. Integrated Disarmament, Demobilization and Reintegration Standards (IDDRS). 2006.
  6. Sriram CL, Martin-Ortega O, Herman J. War, Conflict and Human Rights: Theory and Practice. 2010.
  7. Fortna VP. Does Peacekeeping Work? Shaping Belligerents’ Choices after Civil War. 2008.
  8. Paris R. At War’s End: Building Peace after Civil Conflict. 2004.
  9. Young J. The Fate of Sudan: The Origins and Consequences of a Flawed Peace Process. 2012.
  10. De Waal A. The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. 2015.
  11. Flint J, De Waal A. Darfur: A New History of a Long War. 2008.
  12. Rolandsen ØH, Kindersley N. Civil War in Sudan, 2013–. 2017.
  13. International Crisis Group. Safeguarding Sudan’s Revolution. 2019. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  14. Human Rights Watch. Men with No Mercy: Rapid Support Forces Attacks against Civilians in Darfur. 2015. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  15. Amnesty International. Scorched Earth, Poisoned Air: Sudan’s Chemical Weapons Attacks in Darfur. 2016. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  16. International Commission of Jurists. Sudan: Transitional Justice Options. 2020. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  17. African Union. Policy Framework on Security Sector Reform. 2013. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  18. OECD DAC. Security System Reform and Governance: Policy and Good Practice. 2004. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  19. Mehler A. Why Security Forces Do Not Support Regime Change. 2012.
  20. Reno W. Warlord Politics and African States. 1998.
  21. Al Jazeera Centre for Studies. قوات «الدعم السريع» والفترة الانتقالية في السودان: التعقيدات والتحديات. 2019. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  22. Al Jazeera. قوات الدعم السريع.. جنود حميدتي أم جنود الدولة؟ 2019. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  23. Al Jazeera. بعد 100 يوم من الحرب في السودان.. هل تُنشئ قيادة الدعم السريع كيانا سياسيا لحجز كرسي في طاولة التسوية؟ 2023. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  24. Al Arabiya. هل تطمح «الدعم السريع» لأن تكون جيش السودان؟ 2024. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  25. BBC Arabic. اشتباكات السودان: قوات الدعم السريع «هي الأكثر انتشارا» من قوات الجيش في شوارع الخرطوم. 2023. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  26. BBC Arabic. ماذا نعرف عن قوات الدعم السريع وصعودها في السودان؟ 2025. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  27. Sky News Arabia. الخرطوم تحت نيران معارك اليوم الرابع.. وضبابية حول «السيطرة». 2023. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  28. Noonpost. حرب السودان: سؤال وجواب. 2024. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  29. Sudanile. قوات الدعم السريع في السودان: الأصول والديناميات. 2025. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  30. Elalem.info. تقرير حول قوات الدعم السريع في السودان.. من حليف للجيش إلى … 2024. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  31. Wikipedia. Rapid Support Forces. 2024. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
  32. Wikipedia. Sudanese civil war (2023–present). 2024. (تاريخ الوصول: 17 يوليو 2026).
الكاتب

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

بيانات
منبر الهامش السودانى بأمريكا: بيان الحزب الشيوعى عن اليرموك فضحية تدعم الخط الاسلامو-عروبى المتطرف
منبر الرأي
لماذا انحدر السودان وتقدم غيره؟ أم أننا شعب يستحق ما هو فيه؟
منبر الرأي
الفضيحة التي كشف عنها “باقان أموم” حول إتفاقية البترول !! .. بقلم: سيف الدولة حمدناالله
منبر الرأي
الجريمة الكبري .. ذبح العدالة وسلخها .. بقلم: د سيد حلالي موسي
الإنجليز لا ينكرون فضل أثر الحضارة الرومانية عليهم (خبر اليوم)

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

آيات شيطانية في سماوات السودان .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري

طارق الجزولي
منبر الرأي

الشارع والعسكر واحتدام صراع التوازن .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن

زين العابدين صالح عبد الرحمن
منبر الرأي

حفلة عدن محطة في محطات امبراطور الغناء السوداني الراحل المقيم .. بقلم: محمد فضل علي

محمد فضل علي
منبر الرأي

الرد على دعوى مناهضة الزعيم جمال عبد الناصر لعلاقة الانتماء الافريقيه .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

د. صبري محمد خليل
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss