لبنى أحمد حسين
بينما كان عشرات من قيادات قوات الدعم السريع و(تأسيس) يحتفلون يوم الإثنين، بالتزامن مع مرور عام على ما أسموه (تحرير الفاشر)، ويكرّمون بعضهم، ومن بينهم د. النور حمد، صاحب كتاب (تشريح بنية العقل الرعوي)، وتُتَوِّجه الإدارات الأهلية (راعيًا)، وتهديه فرسًا؛ كانت مسيّرات الجيش عمياء عن هذا الجمع (الكريم)… نعم، عمياء، لكنها فاتحة العينين، تقصف سوقًا في منطقة دوماية بنيالا، مخلفة عشرات القتلى والجرحى، معظمهم من المدنيين.
وبحسب مصدر نقله موقع وصحيفة “صوت الأمة”، كانت دوماية قد اتُّخذت نقطة لتجميع المستنفرين قبل دفعهم إلى جبهات القتال في صفوف قوات الدعم السريع. وإذا صحت هذه المعلومات، فإن المسؤولية هنا تقع على طرفين: من نفّذ قصف المدنيين، ومن وضع حشدًا من المجندين داخل منطقة مدنية وعرّض حياة المدنيين للخطر. فوجود مقاتلين أو مستنفرين بين المدنيين لا يجعل المدنيين هدفًا مشروعًا، ولا يعفي القوة المهاجمة من واجب حمايتهم. كما أن استخدام المدنيين دروعًا بشرية جريمة حرب، تتضاعف مأساتها بتجنيد الصبية والمراهقين قسرًا وإرسالهم إلى القتال.
قتال مَن؟ أين هي (المواجهة) أصلًا في حرب تحولت بدرجة كبيرة إلى حرب مسيّرات؟ متى كانت آخر معركة التحم فيها الجيشان، بجنودهما وتاتشراتهما، وجهًا لوجه؟ الذي يحدث الآن أن المسيّرات تضرب من مسافات بعيدة، تخيب في استهداف المواقع العسكرية وتصيب في قصف المدنيين.
في أكتوبر الجاري وحده، طالت الهجمات المنسوبة إلى طرفي الحرب أسواقًا ومناطق للنازحين ومواقع للتعدين ومرافق صحية ومحطات كهرباء، وبيوتًا للمواطنين. وأوقعت الهجمات المسيّرة قتلى مدنيين، لا حول لهم ولا قوة، ولا قدرة لهم على مغادرة مناطق حاصرتهم فيها الحرب.
والمفارقة أن طرفي الحرب يملكان وسائل تحصين وحماية لمقراتهما وقياداتهما وأهدافهما العسكرية، بينما يظل المواطن والسوق والمستشفى ومحطة الكهرباء ومأوى النازحين مكشوفين. فإذا كانت مضادات الطيران والمسيّرات متاحة لحماية الأهداف العسكرية، فلماذا لا تُستخدم وسائل مماثلة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية؟ وليستهدف القادة بعضهم بعضًا، طالما أن الحرب مستمرة، وسندعو لهم أن يوفّقهم الله، إن لم يوفّقهم للسلام.
دماء المدنيين ليست في عنق من قصفهم فحسب، وإنما في عنق من عجز عن حمايتهم، وقبل ذلك في عنق من اتخذهم دروعًا بشرية أو استهان بدمائهم. فحماية المدنيين ليست ترفًا، وليست بديلًا عن إيقاف الحرب، لكنها الحد الأدنى الذي لا يجوز لأي طرف أن يتنصل منه. أما أن يتحصن المقاتلون، وتُحمى القيادات، وتُترك الأسواق والبيوت والمستشفيات ومحطات الكهرباء مكشوفة، فهذه ليست حربًا عسكرية؛ إنها إبادة جماعية للشعب هنا وهناك.
منشن:
طرفا الحرب
