مناظير الثلاثاء 9 يونيو، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
تحتفل مصر هذه الأيام باكتمال مشروع “الدلتا الجديدة”، الذي تبلغ مساحته حوالى مليوني فدان، وتزعم السلطات المصرية انه يعتمد على مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها والتي تقدرها وزارة الرى المصرية بحوالى 7.5 مليون متر مكعب يوميا، أى حوالى 3 مليار متر مكعب سنويا، وتقول انه اكبر مشروع زراعي في العالم يُروى بمياه الصرف الزراعي.
ولكن هل تكفي الكمية المنتجة من مياه الصرف لرى مشروع عملاق بهذا الحجم، يقول الخبراء انه يحتاج ما بين 10 الى 15 مليار متر مكعب من المياه سنويا؟!
الإجابة بالطبع (لا).
إذن من أين ستأتي مصر بالمياه لرى هذا المشروع العملاق، خاصة أنها تواجه منذ وقت طويل عجزاً مائياً خطيراً يتجاوز عشرات المليارات من الأمتار المكعبة سنويا، ولم يعد نصيبها من مياه النيل البالغ 55 مليار متر مكعب سنويا حسب اتفاقية مياه النيل لعام 1959، يكفي ربع احتياجاتها الزراعية والصناعية والسكانية، مما يضطرها للبحث عن بدائل أخرى كما تقول السلطات المصرية!
ولكن ما هى هذه البدائل… هل انهمر الغيث فجأة على مصر، أم انفجرت الانهار تحت الصحراء؟!
الحقيقة التي يعرفها الجميع ولكن يتجنب معظمهم قولها بصوت عال، هي أن الحرب السودانية أصبحت بالنسبة لمصر “هدية مجانية”، فمنذ اندلاعها في أبريل 2023، تعطلت كل مشاريع الري السودانية، وتوقفت مساحات زراعية هائلة، وانهارت مؤسسات الدولة والبنية التحتية، وفر غالبية سكان العاصمة والمدن الكبرى، فأصبحت معظم حصة السودان من مياه النيل التي تبلغ 18 مليار متر مكعب سنويا تتجه شمالا، أى ما يعادل نهراً كاملاً، فاستقبلتها مصر بالاحضان الحارة واستغلتها بكل ترحاب، وهى أحد أهم الاسباب التي تجعل الجارة الشمالية تعمل بكل ما اوتيت من قوة وامكانيات وخبث على استمرار الحرب والخراب والدمار في السودان، رغم دعواتها المتتالية المخادعة بايقاف الحرب، والتي تشبه احاديثها عن “إعادة تدوير المياه” لرى مشروع الدلتا الجديدة، بينما الحقيقة أن جزءاً أساسياً من الأزمة يجرى حله فوق جثث السودانيين وخراب مشاريعهم الزراعية، واستغلال الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان، بينما يفقد الانسان السوداني حياته واستقراره ومستقبل ابنائه وأرضه ومشاريعه الزراعية ومصدر رزقه، وتتحول المياه التي كانت تروي الجزيرة والرهد وحلفا إلى وقود لمشاريع التوسع الزراعي المصري.
ولكن لماذا نلوم مصر التي تبحث عن مصلحتها، فالعيب ليس فيها، وإنما في العبيد الذين تأمرهم فيسجدون تحت قدميها من اجل السلاح والسلطة والجلوس فوق جماجم السودانيين مقابل تدمير السودان بكل ما فيه ومَن فيه لصالح انفسهم وسادتهم!
