الصادق حمدين
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: من يسيطر على الأرض في السودان؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من يملك حق تمثيل السودان أمام العالم؟
هذا السؤال الذي ظل يتردد في أروقة السياسة الدولية منذ اندلاع الحرب السودانية عاد بقوة إلى الواجهة بعد إقرار لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يتضمن إجراءات غير مسبوقة من شأنها زيادة العزلة السياسية والدبلوماسية على سلطة الأمر الواقع القائمة في بورتسودان، ويفتح الباب أمام مراجعة شرعية تمثيلها للسودان داخل المؤسسات الدولية.
قد يختلف الناس حول تفاصيل المشروع ومآلاته القانونية، لكنه يحمل رسالة سياسية لا تخطئها العين: العالم بدأ يفقد صبره تجاه الحرب السودانية، وتجاه الأطراف التي ما زالت تراهن على السلاح باعتباره وسيلة للحكم أو طريقاً لفرض الأمر الواقع.
لقد مضت سنوات الحرب، ولم يجنِ السودان سوى الدمار والانهيار الاقتصادي والتشرد الجماعي. ملايين السودانيين أصبحوا رهائن لصراع عبثي حوّل البلاد إلى واحدة من أكبر بؤر الكوارث الإنسانية في العالم، بينما ظلت القيادات العسكرية تتبادل خطابات النصر الوهمي في وقت تتآكل فيه الدولة وتتفتت مؤسساتها يوماً بعد يوم.
ولعل أخطر ما كشفته التطورات الأخيرة هو أن الرهان على الشرعية الدولية لم يعد مضموناً كما كان يُصوَّر للرأي العام. فالمجتمع الدولي لا يمنح الاعتراف السياسي بصورة أبدية أو مطلقة، بل يربطه بمدى قدرة أي سلطة على تمثيل شعبها، وحماية مواطنيها، والانخراط الجاد في جهود السلام.
لقد تعثرت مبادرات عديدة أطلقتها أطراف إقليمية ودولية لوقف الحرب والدفع نحو تسوية سياسية شاملة. وفي كل مرة كان الأمل يلوح في الأفق، كانت الحسابات العسكرية الضيقة تعيد المشهد إلى نقطة الصفر. وبدلاً من البحث عن حلول تنقذ السودان من الانهيار، استمر خطاب التعبئة والحشد وكأن البلاد تملك رفاهية إطالة أمد الحرب إلى ما لا نهاية.
إن مشروع القرار الأمريكي، حتى وإن كان لا يزال في طور الإجراءات التشريعية، يمثل تحولاً مهماً في المزاج السياسي داخل واشنطن. فهو يعكس تزايد القناعة بأن استمرار الحرب لم يعد مجرد أزمة داخلية سودانية، بل تهديد للاستقرار الإقليمي ومصدر كارثة إنسانية تتطلب تحركاً أكثر حزماً من المجتمع الدولي.
والأهم من ذلك أن المشروع يوجه ضربة سياسية لفكرة أن السيطرة العسكرية وحدها كافية لاكتساب الشرعية. فالعالم المعاصر لا يعترف بمن يرفع السلاح بقدر ما يعترف بمن يرفع مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة، ويقدم رؤية للسلام والاستقرار وإعادة بناء الدولة السودانية التي انهارت ولم يبق لها إلا السقوط.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف حول المقاعد الدبلوماسية أو بطاقات الاعتماد في الأمم المتحدة، بل معركة حقيقية حول مستقبل السودان نفسه. معركة بين من يرى أن البلاد لا يمكن أن تُحكم إلا بالقوة العسكرية، ومن يؤمن بأن السودان لن يخرج من أزمته إلا عبر تسوية سياسية شاملة تؤسس لدولة مدنية مستقرة.
وإذا ما استمرت الضغوط الدولية في التصاعد، فإن مشروع القرار الأمريكي قد يصبح بداية مرحلة جديدة عنوانها تراجع نفوذ دعاة الحرب وصعود منطق التسوية السياسية. عندها لن تكون الخسارة مجرد خسارة معركة دبلوماسية عابرة، بل هزيمة كاملة لفكرة أن السلاح قادر على صناعة الشرعية أو احتكار تمثيل الشعوب.
لقد أثبتت تجارب العالم أن البنادق تستطيع السيطرة على المدن، لكنها لا تستطيع انتزاع الاعتراف الدولي إلى الأبد، ولا بناء دولة مستقرة، ولا صناعة مستقبل لشعب أنهكته الحروب. والسودان اليوم يقف أمام هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى.
umniaissa@hotmail.com
