علي المستوي الشخصي أكره السجال ، تعودت أن أقول كلمتي وأمضي ، وإن صادفت إستحسانا غالبا ما أستغربه وأعتبر ماقدمت ناقصا منقوصا يحتاج الي جهد مضاف ورؤي أوسع وأعمق . علي مستوي مواز أكره الشوفونية التي تعني تقوقع حول الذات الوطنية وتعظيمها وإبراءها من النواقص ، وعلي مستوي ثالث أكره الإعتماد علي التاريخ كمصدر للإنجاز أو المنافسة ،وأعتقد أن الإنجاز الحقيقي هو ما نفعله في حاضرنا ،وليس هو ماضينا . من هنا دوما أتجنب الدفاع او النقاش دفاعا عن بلدي مصر ، ولكني وعطفا علي إهتمامي بالعلاقات المصرية السودانية ، وعطفا أيضا علي السجالات المنطلقة علي المنصات هنا أو هناك بشأن مصر وماتفعل علي المستوي الإقليمي رصدت إشكالية مركبة مركبة في العلاقة مع مصر، وأيضا في تقييم مصر فهي دولة يصعب تجاهلها ويصعب في الوقت ذاته تحديد موقف منها بهدوء ومنهجية. وهنا أسعى إلى قراءة هادئة لمسألة جوهرية: ما مصر أصلا؟ وهل الحضور المصري في السياقات المختلفة يساوي هيمنة؟ وهل يمكن لهذا الحضور أن يتحول إلى نموذج للإلهام، لا سيما في مرحلة التحول من دول الانتماءات الأولية والإقطاع القبلي إلى الدولة الوطنية المندمجة؟
ثلاثة معانٍ لكلمة مصر
قبل أن أبدأ في تفكيك توصيف الهيمنة، ثمة سؤال معرفي مشروع لا بد من طرحه: ما الذي نعنيه حين نقول “مصر”؟ الكلمة تحمل في طياتها ثلاثة معان متداخلة، والخلط بينها هو مصدر كثير من الإشكاليات التحليلية.
مصر كدولة تعني كيانا سياسيا لم يصنع حدوده الاستعمار ولم ترسَم في مؤتمر برلين في القرن ال١٩. هذا الكيان له قراراته الظرفية وأحيانا أخطاؤه التي تستوجب النقد. ومصر كشعب تعني بنية بشرية تشكلت عبر آلاف السنين من الاندماج الحضاري الفرعوني واليوناني والروماني والعربي والإسلامي والنوبي، مما أفرز شخصية جمعية راسخة بقدر من التجانس نادر الحدوث في منطقة تعرف التعدد الحاد غير المحلول. أما المعنى الثالث فهو مصر كحضارة ممتدة لم تنقطع رغم موجات الغزو والتقلب، وهو ما يجعل مفهوم “مصر” يتجاوز حدودها الجغرافية في وجدان ملايين البشر في المحيط العربي والأفريقي والإنساني الأوسع. من يكتب عن هيمنة مصر يحتاج أولا أن يحدد أي مصر التي يتحدث عنها. .
ولعله يكون من المفارقات اللافتة أن مصر لا تزال تلهم حتى في لحظات ضعفها، وهذه ربما تكون أبلغ دلالة على طبيعة حضورها.
الإلهام ظاهرة مختلفة عن القوة المادية، إذ يمكن لدولة قوية ألا تلهم أحدا، ولعل النموذجين الإسرائيلي والأمريكي في منطقتنا خير دليل وأيضا يمكن لمجتمع يعاني من أزمات مزمنة أن يظل مصدرا للإشعاع والإلهام.
أول عناصر هذا الإلهام هو التاريخ بوصفه رأس مال ناعم لا يمكن شراؤه ولا تصنيعه. مصر هي الدولة النادرة التي تحمل اسما واحدا وهوية متصلة منذ آلاف السنين. هذا الرصيد التاريخي العميق يعمل كوسادة صامدة في أوقات الأزمات، ومصدر اعتزاز للمصريين على المستوى الفردي، وهو الذي يمنحهم قدرة على تحمّل ضغوط اقتصادية قاسية دون انفجار هوياتي او طائفي .
والعنصر الثاني هو الموقع الجغرافي بوصفه محددا حضاريا لا مجرد ميزة عسكرية وجيوسياسية. مصر بوابة تربط عالمين وتجمع ثلاث قارات، وهذا الموقع لم يصنع فحسب ثروة جيوسياسية، بل صنع عقلا جمعيا منفتحا على التعدد. ومن هنا جاء ادوار طيبة والاسكندرية القديمتين ثم دور القاهرة كمختبر لإنتاج المعرفة والفن والإعلام في فضاء يتجاوز حدودها الرسمية وهناك تفاصيل حول هذا ذلك في أطروحة جمال حمدان عبقرية المكان .
والعنصر الثالث هو الكوادر البشرية بما تحمله من دافعية إنجاز رغم الشح وتقلب الاحوال. من نجيب محفوظ حاملا نوبل الأدب إلى الي زويل وغيرهما علماء في الفيزياء والطب والفلك، إلى كوادر أكاديمية أسهمت في بناء مؤسسات تعليمية في المحيط العربي والأفريقي. وهذه الطاقة البشرية لا تتوقف حين تتراجع قوة الدولة، بل كثيرا ما تزداد ألقا وعطاءا وتأثيرا .
جردة حساب
إذن لا يمكن الحديث عن القوة الناعمة المصرية في السودان بمعزل عن مساوئها الحقيقية. فثمة ما يمكن توصيفه بالحضور غير المتكافئ من زاويه أنه حضور ثقافي يستهلك أكثر مما يتبادل، وتعليم أكاديمي أسهم في تكوين نخب سودانية إلا أن بعضها يرى أنه أنتج توجها نحو النماذج المصرية على حساب البحث عن الهوية المحلية. وثمة أيضا ما يشير إليه المنتقدون من أن الإعلام المصري رسخ صورة نمطية عن السودان أكثر مما قدم فهما عميقا لتنوعه وبالتالي لم يساهم في تعريفه علي نحو صحيح .
في المقابل، فإن الإيجابيات ليست وهمي الكوادر المصرية التي عملت في السودان في مجالات التعليم والطب والهندسة والتي تركت أثرا مؤسسيا موثقا، والأهم أن التجربة المصرية في بناء الدولة المدنية رغم تعقيداتها ظلت مرجعا ضمنيا للنخب السودانية التي حلمت بدولة حديثة.
الحكم الموضوعي هنا يستلزم الإقرار بكليهما: حضور أسهم في البناء وفي الوقت ذاته حضور لم يحسن دائما الملاحظة و الاستماع. والمشكلة الجوهرية أن هذا الحضور لم تصاحبه سياسة مصرية واضحة للقوة الناعمة، بل كان غالبا حضورا تلقائيا غير مؤسسي يفتقر إلى استراتيجية تحوله من ثقل طبيعي إلى شراكة متوازنة.
مصر نموذجا للانتقال من الانتماءات الأولية إلى الدولة الوطنية
هذا البعد هو ربما الأكثر إهمالا في نقاشات القوة الناعمة المصرية، وهو في الوقت نفسه الأشد صلة بمعضلة الدول الأفريقية والعربية اليوم. إذ يواجه كثير من هذه الدول معضلة التحول من الانتماءات الأولية — القبلية والإثنية والعشائرية — إلى الدولة الوطنية المندمجة. والسودان نموذج صارخ لهذه المعضلة في أحد تجلياتها.
التجربة المصرية في هذا الانتقال ليست مثالية ولا مكتملة، لكنها تظل إحدى أطول التجارب وأكثرها استمرارية في المنطقة. فمصر نجحت وإن بتكاليف اجتماعية وسياسية عالية أحيانا في إنتاج هوية وطنية جامعة تتعايش مع الانتماءات الدينية والمحلية دون أن تلغيها. الأقباط والمسلمون يتشاركون فضاءا اجتماعيا واحدا بامتداد تاريخي لا نظير له. والمصريون من الإسكندرية إلى أسوان يحملون هوية جامعة رغم التباين في الخصوصيات المحلية.
بطبيعة الحال هناك عوامل أتاحت ذلك وجود وهيكلة الدولة المركزية منذ وقت مبكر في التاريخ ، وهي الدولة التي أبي مينا الا أن تكون موحدة وهي الدولة التي أنتجت بيروقراطية تعلم الناس التعامل مع هوية ما فوق القبيلة. والتجنيد العسكري الذي خلط الأجساد من مناطق مختلفة قبل أن يخلط الهويات. والتعليم الوطني الذي صنع سرديات مشتركة. ومدن كطيبة والأسكندرية القديمتين و القاهرة بوصفهم بوتقة دمج للقادمين من كل أرجاء مصر. هذه العوامل ليست وصفة جاهزة للتصدير، لكنها تجربة قابلة للدراسة والاستلهام، خاصة لدول تبحث عن مسارات للتماسك الوطني.
المفارقة هنا أن السودان بحاجة اليوم وفي خضم حرب تعيد ربما رسم التوازنات القبلية والإثنية إلى هذا النوع بالذات من الإلهام. ليس إلهام الدولة القوية، بل إلهام التجربة الطويلة في إدارة التعدد وبناء هوية جامعة. وهنا يتحول السؤال من هل تهيمن مصر؟ إلى سؤال آخر هل يمكن لتجربة مصر أن تُستلهم؟.
في هذا السياق ثمة أبعاد أخري جديرة بالنقاش منها بعد الهجرة وشبكات المهجر فالمصريون المنتشرون في دول الخليج وأوروبا وأمريكا يمثلون شبكة غير رسمية من القوة الناعمة لا تحسب في الإحصاءات الدبلوماسية، لكنها تنتج تأثيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية واسعة. وهذا البعد الشبكي يميز مصر ويدعم تأثيرها
أيضا هناك بعد الشرعية الدينية الأزهر بوصفه مؤسسة ناعمة عالمية، “وبيت الناس” الذي يقدم نموذجا للإسلام الوسطي يواجه تحديات ضخمة من التيارات الإسلامية الراديكالية في السودان والصومال ومالي وغيرها ولكنه صامد بحضوره وفقط . هذا البعد لا يستحضر صراعا دينيا، بل يشير إلى إمكانية إسهام مصري في معادلات الاستقرار الديني المجتمعي عبر القوة الناعمة للمرجعية الفقهية.
والثالث، وهو الأكثر حضورا في لحظتنا الراهنة، هو بعد الرقمنة والفضاء الافتراضي: الإنتاج الرقمي المصري من يوتيوب إلى بودكاست إلى إنتاج مسرحي وموسيقي مستقل خلق حضورا موازيا للمؤسسات الرسمية، وأحيانا يتجاوزها في التأثير. هذا الفضاء يمنح القوة الناعمة المصرية ديناميكية جديدة لا تنتظر قرارا أو مساحة حكومية، وهو بالمناسبة ليس حضورا ثقافيا وفنيا فقط بل أنه يكاد يكون حضورا موازيا في عوالم السياسية والإقتصاد وغيرهما .
إذن الهيمنة بمعناها الدقيق هي ممارسة إرادة فوق إرادة الآخر بأدوات الإكراه أو الضغط الممنهج. أما الثقل فظاهرة مختلفة تماما، إنه حضور موضوعي ينبثق من الكتلة الحضارية والديموغرافية والتاريخية دون أن يحتاج إلى قرار سياسي ليكون واقعا. لغة مصر مؤثرة ليس لأن قرارا تم فرضه ، بل لأن مسلسلاتها شكلت وماتزال خيالا مشتركا، ولأن صناعتها السينمائية تراكمت على مدى عقود من الاستثمار البشري والإبداعي. هذا ليس هيمنة بالمعنى الاستعماري، بل هو الثقل الطبيعي للكتلة الأكبر والتي لديها دافعية إنجاز مؤسسة تاريخيا .
ثمة أيضا فارق جوهري بين سياسة الدولة والحضور الشعبي. مصر الدولة لها سياسات إقليمية يمكن نقدها بل ورفضها ربما ويمكن أن يكون النقد مشروعا ومستحقا في حالات بعينها. لكن إسقاط قرار سياسي ظرفي على ظاهرة الحضور الحضاري بوصفها بنية ثابتة، خلط منهجي يفقد التحليل دقته.
والأدق من ذلك أن يتم قراءة خطاب “الهيمنة المصرية” في بعض صوره من زاوية نفسية لا تحليلية فحسب. فأزمة الهوية السودانية — من نحن؟ عرب أم أفارقة؟ — هي أزمة حقيقية تستحق الدراسة. وحين يجد بعض المثقفين السودانيين صعوبة في تعريف أنفسهم في مواجهة الثقل المصري، فإن توجيه النقد نحو مصر قد يكون أحيانا آلية لتأجيل هذا السؤال الداخلي الصعب.
إجمالا :العلاقة المصرية السودانية هي من أكثر العلاقات تعقيدا وعمقا في المنطقة العربية الأفريقية معا. فيها تاريخ مشترك وجغرافيا متصلة ومصالح متشابكة، وفيها أيضا توترات وذكريات جراح لا يمكن تجاهلها. لكن هذه التوترات حين يتم قراءتها عبر عدسة الهيمنة وحدها تنتج خطابا ينقصه الاتزان وتغيب عنه الموضوعية.
ما يحتاجه هذا الفضاء خطاب ناضج يستطيع أن يتناول السياسة بنقد موضوعي ويتناول الحضارة بتقدير واجب، وأن يرى في التجربة المصرية بما فيها من قصور مادة للاستلهام لا للاستعداء. والأهم أن يدرك أن السؤال الحقيقي ليس هل تهيمن مصر؟ بل كيف يمكن لمصر والسودان أن ينتجا معًا نموذجا للتكامل الإقليمي الحقيقي في مرحلة تحتاج فيها كل دولة إلى طاقة الأخرى؟
أن تلهم بضم التاء وكسر الهاء في الأزمة السودانية فهذه شهادة أعمق مما تمنحه القوة وحدها. وهذا تحديدا ما تمثله مصر: ليست قوة دائمة الصعود ولا حتي متفق عليها ، بل حضارة متجددة يصعب تجاوزها حتى على الذين يتمنون ذلك .
ملاحظة لم اشأ ان أنشر هذه التنهيدة الشخصية كمقال حتي تظل مجرد تنهيدة يغلفها الأسي .
أماني الطويل
