كيف لا
moaney [moaney15@yahoo.com]
من يرى سيماء المصريين من استديوهات القنوات الفضائية المصرية قبل المباراة يقرأون الفاتحة ثم يمسحون بأيديهم المفتوحة على وجوههم بعد قولهم آآمييييييييين ، لن يعرفهم بعد المباراة وقد خلعوا ثوب الإيمان وارتدوا بدلاً عنه ثوباً للكذب والنفاق .كيف لا يرتدّون بعد إيمانهم وقد تلاشى مع الريح حلم 80 مليون مصري ، حوّله إعلامهم من حلم بقطعة خبز وحياة كريمة ، ومن حلم بحكم رشيد لا تجثم خلاله سلالة أسرة واحدة على صدورهم عشرات من العقود قادمات إلى حلم بالمونديال ، إذا ضاع ضاعت أحلامهم كلها ومباح بعده عليهم النحيب وشق الجيوب والبكاء على مآسيهم الداخلية في تمثال المونديال الضائع.
شجعنا مصر ، وليتنا لم نفعل . وحالنا كان كحال أغلبية البيوت السودانية التي انقسمت إلى مشجعين للفريقين المصري والجزائري ، فمثلاً زوجي وأنا شجعنا مصر ، وكان ابني في الاتجاه المقابل مع مشجعي الجزائر.ولما سألت ابني عن سبب تشجيعه للجزائر فاجأني بحجة أن فريق الجزائر فريق عريق وقوي ورث أسرار اللعبة من الفرنسيين ، وأضاف مبرراً :" كما أنني لا أحب الطعمية" . والطعمية هنا هي مصطلح يُستخدم في المدارس السعودية يُنادى به المصري عندما يسيء التصرف.ولغاية تلك اللحظة لم أدرك أننا مجبورون على حب "الطعمية" لأحكام كثيرة مشاها علينا القدر.
لم نكن الخصم في المباراة ولا الحكم ولكن نلنا جزاء سنمار ، جزاء لكرمنا وبياض نيتنا وتعالينا على الجراح . لم نحرق علم مصر ورمز سيادتها كما فعل مشجعي تشاد من المصريين في مباراة السودان وتشاد في القاهرة في نفس هذه التصفيات المؤهلة لمونديال جنوب إفريقيا 2010م . ولم نصرخ على الفضائيات بأن أيقظوا الرئيس المصري أو أيقظوا أي ضمير إنساني عندما ذُبح أشقاؤنا من اللاجئين السودانيين في ميدان مصطفى محمود وقد كانوا معتصمين مطالبين بحقوق إنسانية بسيطة ، ليسوا منتصرين ولا مهزومين في مباراة لكرة القدم.
ولنكن أكثر صراحة ، فقد ظللنا نغض الطرف زمناً طويلاً عن بعض التجاوزات التي تمت بحق الشعب السوداني ، اللاعب الرئيس فيها كانت مصر ، باستعلائها وغرورها، بتهكمها وسخريتها.ولا نستثني هنا أحداً إلا من ينطق بشهادة الحق ويقول ما رأي عياناً بياناً ، أو يشهد بما عرف عن أخلاق السودانيين ونزاهتهم ونظافة يدهم . ويعترف بأن هذه النزاهة هي التي جعلتهم المفضلين في سوق العمل الخليجي في نطاقنا العربي على غيرهم وجعلتهم لا يُباعون ولا يُشترون في سوق النخاسة الدولي. لم نستثنِ الشعب المصري لأنه لم يخذل إعلامه الرسمي ، فلا حضور المباراة في استاد المريخ شهدوا شهادة الحق ولا المشاهدين في الاستديوهات المفتوحة بالقاهرة وغيرها نطقوها . لا السلطة المصرية يعجبها أن يكون السودان فاعلاً ومؤثراً ، ولا التكوينات الثقافية المتنفذّة الأخرى من مثقفين وفنانين يسرُّها أن يسلك السودان مسارات غير التي رسمها له سلفاً ، فيقرأ غير ما يكتبون ويسمع من يغني على ليلى أخرى، وينسج أحداث حياته من غير دراما السينما والمسلسلات المصرية. ولا يعجب مصر بالطبع لأن السودان قال :أنا إفريقيا ، قلبها النابض ،لسانها ويدها ، دمها ولونها.
قال الديبلوماسيون في الجانبين السوداني والمصري إنها مجرد كرة قدم ، ويقول الشعب السوداني الذي أهدرت كرامته وقُذفت كما قناني المياه البلاستيكية الفارغة على أطراف الاستاد، إنها فاتحة لتصفيات حسابات تاريخية قد تحرر السودان من هذه الأبوية الاستعلائية.من حق بلدنا علينا أن نمسح كل سمات مهازلنا السابقة ، وأن نسترجع نشيد البرعي "مصر المؤمنة" وصوت الكابلي في" مصر يا أخت بلادي يا شقيقة" ، وإيقاع شرحبيل في "الليل الهادي" والحب الجاري مع ماء النيل ، ومثلث الأرض المنزوعة من لحم السودان الحي وووووو. وأن نكف عن صناعة كوارثنا بأيدينا مراعاة لإخاءٍ أو جيرة حتى لا نرقص بعدها على إيقاعها المأساوي.
عن صحيفة "الأحداث"
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم