مصطفى عثمان.. “صحاف” الوطني الأنيق! .. بقلم : شمائل النور

بروفايل  
ويبقى السؤال ماثلاً في الأذهان.. لماذا اختار طبيب الإسنان مصطفى عثمان إسماعيل أن ينضم إلى أولئك الساسة ذوي النيوب الحادة، واللغة الموغلة في القسوة، وهل اختار طبيب الأسنان أن يكون مقتله بين فكيه؟- كما قال حكيم العرب أكثم بن صيفي، ولماذا قرر الرجل في توقيت بدا مفاجئا للكثيرين (خلع) سمت الدبلوماسية ليستبدله بعصاة السياسة الغليظة، أم أن الرجل الخمسيني فضل الانتحار السياسي باكراً- كما هو حال أطباء الأسنان الذين أثبتت دراسات أنهم من بين الفئات الأكثر عُرضة إلى وضع حد لحياتهم باكراً؟.
تساؤلات عدة تمسك بخناق بعضها، جاءت تترى حيث صدع بعبارات بدت غير مألوفة، وربما كانت شيئا أشبه بالتقية في أدبيات الرجل في الأشهر الأخيرة، لاسيما بعد أن انتظم حزبه في محاورة الأحزاب المعارضة. 
ووصلت لهجته البالغة في العنف حد سحب شرف الانتماء إلى الوطن عن مقاطعي الانتخابات- التي يستعد لخوضها حزبه، وقبلها كان مصطفى يجتهد في إلصاق تهم الخيانة، والإخلال بالأمن القومي، بقطبي المعارضة فاروق أبو عيسى، وأمين مكي مدني، بل كأن الرجل نسي أو تناسى- في غمرة تلهفه إلحاق الأذى بخصميه- أنه سياسي، وليس قاضياً يوجه تُهم الخيانة، والتخريب- كما يشاء.
فالرجل الذي ظل يسعى بين المؤتمر الوطني وحزب الأمة القومي، وبعض القوى المعارضة، طوال فترة الحوار، يبدو أنه لم يحتمل فشل حزبه الذي قفز إلى الانتخابات مباشرة، فما فتئ يسبر أغوار قواميس العنف اللفظي والتشفي في معارضيه، الذين تركوا له الساحة كما شاء هو، وشاء حزبه، فما الذي اضطر الدبلوماسي أن ينتزع قناع الدبلوماسية الناعم، ويداوم على مقررات منهج “لحس الكوع”، أم أن ذلك منهجه لكنه لا يبين إلا في خطابات التعبئة التي ربما تحتاج إلى أعلى درجات العنف وفق معايير حزبه؟. 
لكن طبيب الأسنان لم يكن كادراً سياسياً مائزا بين أقرانه أيام الدراسة في جامعة الخرطوم خلال فترة السبعينيات، أو بالأحرى لم يكن كادر مواجهة، كان التزامه السياسي ناعماً- كما وصف لنا أحد الذين زاملوه في الجامعة والحركة والحزب، لكنه عاد وقال: إن شخصية مصطفى تُجيد بامتياز السباحة مع التيار، فهو لا يقوى على قول (لا) وسط أغلبية ساحقة تدين بـ (نعم)، وبالعودة إلى الذاكرة السياسية أيام المفاصلة الشهيرة بين الإسلاميين التي وقعت عام 1999م، وفي أمثولة نادرة في التأريخ السياسي، دفع طبيب الأسنان الذي كان أكمل نحو عام وهو يحتقب وزارة الخارجية- وقتذاك- باستقالة مكتوبة إلى طرفي المفاصلة في القصر والمنشية، أولاهما إلى شيخه د. حسن الترابي- الذي قضت المفاصلة بخروجه- وراج أنه حمل أخراهما ليُقدمها بين يدي تيار القصر برئاسة عمر البشير، لكن ما أن لاحت بارقة النصر لفريق القصر حتى بدا- جلياً- أن الرجل تهيأ تماماً أن يسبح مع التيار المنتصر، وربما أن ذكريات الرجل مع شيخه الترابي لم تكن مُفرحة؛ فقد كشف في مقابلة مع “أفريقيا اليوم” أن لقائه الأول مع الترابي منتصف ستينيات القرن الماضي كلفه 10 جلدات.
مملوءاً بالزهو اجتهد الرجل طويلا في تسويق نفسه سياسياً ذا نزعة توفيقية، ولهجة هادئة بين فرقاء السياسة السودانية، حتى تفجرت تلك العبارات الداوية التي نقلتها صحيفة (الشرق الأوسط) ذائعة الصيت مطلع العام 2009م، حينما كان يزور الرياض في أعقاب صدور مذكرة الاعتقال الدولية بحق الرئيس عمر البشير، مصطفى الذي وصل الرياض بصفته مستشارا للرئيس لم يرعوِ بأن يشبه حال شعبه بحال (الشحاذين) قبل أن تتنزل عليهم ثورة الإنقاذ، وجنَّ جنون المستشار الرفيع عندما فشا قوله المسيء ما دفعه إلى إنكاره جملة بعد أن أحدث دويا هائلا، ورد فعل غضوب لا يزال حاضرا بذات الدوي في ذاكرة الناس، لكن الصحيفة العريقة لم تنحني إلى العاصفة التي أحدثها المستشار، وطاقم السفارة السودانية، التي بعثت بخطاب إلى إدارة الصحيفة تحث فيه بتصحيح الخبر- الصحيح أصلاً.
واختارت الصحيفة أن تمضي حتى آخر الشوط، وبثت الصحيفة تسجيلاً صوتياً كاملاً لحديث الرجل، متبوعاً بالمقطع الذي أثار كل تلك الضجة، ولا يزال التسجيل، وخطاب السفارة موجودا في أرشيف الصحيفة على موقعها بشبكة الإنترنت حتى يومنا هذا. 
رشاش العبارات المسيئة لم يثر غضبة السودانيين- وحدهم- بل تعداها إلى كتاب عرب انبروا مدافعين باستماتة عن الشعب السوداني، فخطّ الكاتب السعودي تركي الدخيل في صحيفة “الوطن” السعودية- وقتها- مقالاً لعل أبرز ما جاء فيه مخاطبا مصطفى “يبدو أننا نعرف السودانيين أكثر منكم”.
وفيما يشبه اللعنة طاردت الرجل مقولته تلك، وظن الكثيرون أنه سيصعد لا يلوي على أحد، ويستعصم بفضيلة الصمت، لكن مصطفى وبالعودة إلى انتخابات 2010م، رمى مقولة ربما هي أشد فتكاً من العبارات التي تحشد قاموسه اليوم، فكان مخاطباً مواطني القولد حاثاً إياهم بالتصويت لمرشح حزبه “الما داير يدينا صوته، ما يمشي في ظلطنا، وما يولع كهربتنا، وما يشرب مويتنا”!. 
وكما يقال “الكلام بخور الباطن”، يبدو أن الرجل لا يخالف سره جهره فيما يتصل بقواميس الكلمات المسيئة كما تنبئ بذلك وثيقة الأميركي “إريك ريفز” التي عُرفت بوثيقة الخليج، وفي ثنايا تلك الوثيقة التي ضجت بها الأوساط السياسية والإعلامية في السودان، حاز مصطفى عثمان نصيبا كبيراً فيها، فوردت عبارة “من يتظاهر لإسقاطنا يجب قتله”، لكن مصطفى تبرأ من الوثيقة، وما جاء فيها، بل قال إنه لم يتعرف حتى الآن على المكان الذي عقد فيه الاجتماع المزعوم، الذي تسربت الوثيقة منه.
وفي تضاعيف وثيقة الإصلاح الشامل التي اصطلح عليها شعبيا بـ (خطاب الوثبة)، لف طبيب الأسنان هدوء يماثل حالة مريض طبّب ضرسه المهتاج بـ (حشوة) مؤقتة، ونشط في لعب دور إيجابي بعد تكليفه بالاتصالات بشأن الحوار الوطني، لكن الذي بان أن الطبع غلب التطبع؛ فلم يلبث الرجل أن عاد إلى استخدام ذات اللغة بعد ما انتهى مفعول (الحشوة) المؤقتة، ولم يبلَ ورق الصحف التي أوردت حديث مصطفى المسيء، الذي وزَّع فيه صكوك الوطنية على كل من عارضه، حتى طفا إلى سطح المشهد وزير الدولة للإعلام والقيادي الشاب بالمؤتمر الوطني ياسر يوسف الذي تبرأ من مقولة نُسبت إليه، وصف فيها المعارضين والمقاطعين بـ “أراذل القوم”، يوسف تبرأ من مقولته لكن مصطفى أبى إلا أن يؤكد ما قاله يوسف، وكأنما لامه على الإنكار، ذهب مصطفى إلى أكثر من ذلك، وعاد بلغة أشد وعيداً؛ حيث هدد بقطع أيادي كل من تسول له نفسه أن يمد يده لحزب المؤتمر الوطني، الدبلوماسي وزير الخارجية الأسبق لم يتورع في أن ينتقل في ذات المعركة إلى الصحافة والإعلام فكال الشتائم كما شاء على الصحفيين، وهو السياسي المحب والمولع بالظهور الإعلامي المكثف كما يُعرف على نطاق واسع وسط الصحافيين لا سيما الذين درجوا على تغطية أنشطة وزارة الخارجية، وبلغ ولعه بالإعلام أنه لا يجد غضاضة في أن يتدخل حتى في الشكل الفني الذي ينبغي عليه أن يكون ظهوره الصحفي ورقياً كان أو تلفزيونياً، حينما احتقب طبيب الأسنان وزارة الخارجية كان رأي كثيرين من أنصار حزبه ومعارضيه أن الرجل أقل من المنصب الذي فيه، خاصة أن الخارجية- وقتذاك- شغلها سياسيون أكثر تأهيلاً وكفاءة وخبرة، رغم ذلك حاول الرجل مجتهداً أن يسوّق حكومته الإسلامية التي تنظر إليها دول الإقليم بعين الريبة، موظفاً علاقاته مع الإعلام والصحافة- حسبما يرى بعض الذين تابعوا مسيرته في الخارجية، الرجل الذي كان أقصى ما يتمناه أن يكون معلماً بدا مفتوناً بالعمل الدبلوماسي، ومفتوناً أكثر بشخصية وزير الخارجية المصري الشهير عمرو موسى، الذي تنقل بين الخارجية المصرية والجامعة العربية، في حوار مع أحمد سليمان المحامي مع صحيفة “الصحافة” عام 2003م قال: “إنه ساذج؛ لأنه حدث نفسه أنه بمجرد أن التقى الرئيس الأمريكي على هامش مناسبة كبيرة والتقط صورا معه، أو تبادل الحديث، والمجاملات، أن هذا يعني إصلاح العلاقات مع أمريكا في نظره”.
غير أن التفسير الذي جاد به أحد قيادات حزب المؤتمر الوطني لحالة مصطفى المتبدلة يبدو أنه الأقرب إلى الواقع، محدثنا لم يتردد في أن يبني كل تفسيره على ما عدّه سوء إدارة ألمّ بالحزب الذي بات يعيش حالة اللا حدود في الخطاب السياسي، ويبقى السؤال.. هل بدأ الرجل في حفر قبره السياسي، كما كان ينشط في حفر القبور أيام شبابه في قريته النائية بالشمالية؟!.
التيار
khalid2474@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً