د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
اولا: تعريف التمييز الايجابي ( Discrimination Positive) : هو تمييز لفئة معينه من فئات المجتمع ، تختلف عن باقي فئاته في العرق(الاقليات العرقيه)،أو الدين(الاقليات الدينيه)، أو الجنس(المراْه)،او المقدرات الذاتيه (ذوى الاحتياجات الخاصه) ..، من خلال اتخاذ جمله من الإجراءات التفضيلية ، التي تعطى أفراد هذه الفئة الاولويه في المجالات المختلفة للحياة العامة كالتعليم وتوظيف والتمثيل التشريعي.. بهدف إلغاء التمييز (السلبي)الذي مورس ضدها في السابق، وتحقيق المساواة (الفعلية) بينها وبين باقي فئات المجتمع . من خلال منحها حقوقها التى سلبت منها فى الماضى.
بناءا على هذا التعريف فان مفهوم التمييز الايجابى يتناقض مع مفهوم التمييز السلبى ، ولكنه يتسق مع مفهوم المساواه .
ثانيا: التمييز الايجابى فى الفكر السياسى والاجتماعى الغربى : مفهوم التمييز الايجابى مفهوم طارىْ فى الفكر السياسى والاجتماعى الغربى ، فقد استخدم مصطلح (التمييز الإيجابي) لأول مرة في الولايات المتحدة في الأمر التنفيذي الذى ووقعه الرئيس جون ف. كينيدي في 6 مارس 1961، وقد استخدم لتعزيز إجراءات تهدف لعدم التمييز. في عام 1965 قام الرئيس ليندون ب. جونسون بسن أمر تنفيذي يشترط على أرباب العمل التابعين للحكومة باتباع سياسة “التمييز الإيجابي” للتوظيف بغض النظر عن العرق، أو الدين أو الأصل القومي. وفي 1968، تمت إضافة نوع الجنس إلى قائمة مناهضة التمييز. وهناك إجراءات مماثلة في دول أخرى مثل (المساواة في العمل) في كندا ،و(التمييز الإيجابي) في المملكة المتحدة. وقد تم ادراج مفهوم التمييز الايجابى فىالعديد من الاتفاقيات والمواثيق الدوليه . حيث نصت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (في المادة 2.2) على أن سياسات التمييز الإيجابي قد يكون متطلبا على الدول التي وقعت على الاتفاقية، من أجل تصحيح التمييز المنهجي. كما نصت لجنة حقوق الإنسان/الحيوان بالأمم المتحدة أن مبدأ المساواة يتطلب أحياناً أن تلتزم أحزاب/ الدول بالتمييز الإيجابي، لكي تقلل أو تقضي على الحالات التي تتسبب أو تساعد في دوام التمييز الممنوع بالميثاق.
معارضه التمييز الايجابى : بالاضافه الى كونه مفهوما طارئا فى الفكر السياسى والاجتاعى الغربى ، فان مفهوم التمييز الايجابى قد تعرض للنقد من قبل العديد من المفكرين السسياسين والاجتماعيين الغربيين . واهم اوجه النقد هى : أن التمييز الإيجابي يقلل من قيمة انجازات كل أولئك الذين ينتمون إلى مجموعات مُستهدفة بالمساعدة. وأن التمييز الإيجابي هو (تمييز معكوس). و أن للتمييز الإيجابي تأثيرات جانبية غير مرغوبة بالإضافة إلى فشله في تحقيق أهدافه. وأنه يعيق تسوية الخلافات، ويضع أخطاء جديدة محل الأخطاء القديمة، ويشكك بإنجازات الأقليات. وكذلك يشجيع الأفراد على إبراز أنفسهم كأفراد محرومين حتى لو لم يكونوا كذلك. وقد يزيد كذلك من التوترات العرقية . تقويم : من العرض السابق نخلص الى ان مفهوم التمييز الايجابى هو مفهوم طارْى على الفكر السياسى والاجتماعى الغربى وليس اصيل فيه ، فضلا عن رفض قطاع من هذا الفكر له حتى الان، ومرجع هذا ان موقف الفكر السياسى والاجتماعى الغربى من المساواه ، ظل يتراوح بين مذهبين: المذهب الاول ينفى المساواه، والمذهب الثانى يقر بالمساواه لكنه يخلط بينها وبين المثليه ، التي تعنى ان بكون شخص مثل الاخر فى التكوين والامكانيات و المقدرات الذاتية، وهو ما يتناقض مع حقيقه تفاوت الناس فى المقدرات والامكانيات الذاتية ،اى ان اقرار الفكر السياسى والاجتماعى الغربى للمفهوم ،على المستوى التطبيقى ، يتعارض مع تصوره لمفهوم المساواه على المستوى النظرى.
ثالثا:التمييز الايجابى فى الفكر السياسى والاجتماعى الاسلامى : اما الفكر السياسى والاجتماعى الاسلامى ، فقد اقر مفهوم التمييز الايجابى ، على مستوى اصوله النصيه الثابته وفروعه الاجتهاديه المتغيره ، على وجه يتسق مع اقراره لمفهوم المساواه ، طبقا لتصوره لهذا المفهوم ، حيث اشارت العديد من النصوص الى مفهوم المساواه، فقد ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قيل يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم) ، وعند البيهقي كما عزاه المنذري في الترغيب والترهيب، وصححه الألباني عن جابر( رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال: ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ومضمون التصورالاسلامى للمساواة، ان تحكم العلاقة بين الناس في المجتمع، قواعد عامه مجرده ، سابقه على نشاْه تلك العلاقات ، وهو ما يتحقق في الشريعة بما هي وضع الهي مطلق، دون انكارتفاوت الناس فى التكوين والامكانيات و المقدرات الذاتية) مفهوم الدرجيه ).
نماذج من التمييز الايجابى فى الفكرالسياسى والاجتماعى الاسلامى : وفيما يلى نعرض لنماذج من التمييز الايجابى ، فى الفكر السياسى والاجتماعى الاسلامى ، على مستوى اصوله النصيه الثابته وفروعه الاجتهاديه المتغيره :
ا/ التمييز الايجابى تجاه الأقليات الدينية: حيث يتمثل التمييز الايجابى تجاه الاقليات الدينيه ، فى الفكر السياسى والاجتماعى الاسلامى ، على مستوى اصوله النصيه الثابته،وفروعه الاجتهاديه المتغيره، فى اقراره لجمله من حقوق الاقليات الدينيه على النحو التالى :
إقرار مفهوم المواطنة: حيث اقر الاسلام مفهوم المواطنة الذي يشمل المسلمين وغير المسلمين، وهو ما يتضح من خلال وثيقة الصحيفة التي كانت بمثابة دستور لدوله المدينة، وطبقا لها نشأت علاقة انتماء جديدة،علاقة انتماء إلى ارض مشتركه (وطن)، فترقى العلاقة الجديدة بالناس جميعا(أهل الصحيفة) إلى ما فوق الطور القبلي ، ففي المدينة المنورة و في ظل الصحيفة تكون “شعب” تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم)، ولكن يتوحد الناس فيه (مع اختلاف الدين) في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه ( وطن)( وأنَّ يهود بني عوف أمَّة مع المؤمنين …).
اقرار إسناد الأعمال لغير المسلم : و فيما يتعلق بإسناد الأعمال لغير المسلم ، فانه إذا كان هناك من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام احمد، فان هناك أيضا من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية، أو الجواز أحيانا والمنع أحيانا وهو رأى اغلب العلماء ، والذي نراه وجوب التمييز بين غير المسلم المواطن وغير المسلم الاجنبى، فالأول يحق له إسناد الأعمال له مادام شرط الكفائه متوفر فيه ، لأنه جزء من حق المواطنة الذي اقره الإسلام، أما الثاني فيتوقف إسناد الإعمال له على مصلحه الدولة.
اقرار الأخذ برأي غير المسلم : أما فيما يتعلق بالشورى فانه يحق لغير المسلم الأخذ برأيه في الشورى ، لان مجال الشورى هو الفروع لا الأصول، يقول ابن كثير في تفسير الايه( اسألوا أهل الذكر)( اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف)( 3/215).
اقرار الحرية الدينية لغير المسلم : أما فيما يتعلق بالحرية الدينية ، فقد اقر الإسلام الحرية الدينية لغير المسلمين، ممثله في حرية الاعتقاد وحرية ممارسه الشعائر والأحوال الشخصية، بشرط الخضوع لقواعد النظام العام الإسلامي (لا إكراه في الدين).
ب/ التمييز الايجابى تجاه المراْة : كما يتمثل التمييز الايجابى تجاه المراْه ، فى الفكر السياسى والاجتماعى الاسلامى ، على مستوى اصوله النصيه الثابته،وفروعه الاجتهاديه المتغيره ، فى تقريرالشريعه الاسلاميه لجمله من حقوق المراه واهمها:
حق المعرفة: أول الحقوق التي قررتها الشريعة الاسلاميه للمراْه هو حقها في المعرفة والتعليم ،ومن أدله ذلك: قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وأضاف بعضهم للرواية ومسلمه ، وقال البعض بعدم وجوده في الحديث إنما لفظ مسلم يقع على الذكر والأنثى، وهو اصطلاح الشارع في سائر الخطاب الشرعي(يا أيها الذين امنوا..). وكذلك قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء ). وجاء في كتاب الطبقات الكبرى أن عدد من روى عن الرسول(صلى الله عليه وسلم) من النساء نيف وسبعمائة امراْه .
حق إبداء الراْى : ثاني الحقوق التي قررتها الشريعة الاسلاميه للمراْه هو حقها إبداء رأيها في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية…والتي لم يرد فيها نص يقيني الورود قطعي الدلالة،والأخذ به… ومن أدله ذلك : إعطاء القران حق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر للمراْه مثل الرجل(المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..). واخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) براى النساء في كثير من الوقائع ، كما هو الحال مع أم سلمه في صلح الحديبيه وقال (حبذا رأيك يا أم سلمه ،لقد انجي الله المسلمين بك من عذاب اليم)( رواه الشيخان). وان سمراء بنت نهيك الاسديه أدركت الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعمرت ،وكانت تمر بالأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وخروج عائشة (رضي الله عنها ) فى يوم الجمل . واعتراض المراْه على عمر(رضي الله عنه) حين فكر في تحديد المهور فقال عمر (أصابت امراْه واخطأ عمر).
حق العمل: ثالث الحقوق التي قررتها الشريعة الاسلاميه للمراْه هو حقها في العمل طبقا للضوابط الشرعية ، ومن أدله ذلك: أن المراْه عملت في عهد الرسول(صلى الله عليه وسلم) في مجالات عديدة ، فقد اشتهر في الطب والتمريض رفيده الانصاريه التي ورثت الطب عن أبيها في الجاهلية، فلما أسلمت جعل لها خيمة في مسجد الرسول تداوى فيها الرجال والنساء جميعا (أسد الغابة ، ج7)( طبقات ابن سعد،ج8). ولما أصيب سعد بن معاذ في الخندق قال (صلى الله عليه وسلم) ( انقلوه إلى خيمة رفيده ). وفى مجال الحرب أورد البخاري بابا كاملا اسماه باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال( صحيح البخاري، ط المجلس الأعلى للشئون الاسلاميه، ج5، ص84 ).وولى عمر الشفاء على سوق المدينة ، وكذلك ولى سمراء الاسديه . ولم يعترض الفقهاء –إجماعا- على حق المراْه في العمل سوى الامامه الكبرى ، التي رفضه قطاع غالب من العلماء استنادا إلى الحديث (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امراْه). أما القضاء فقد قال الجمهور الذكورة شرط في صحة الحكم فقط ، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون قاضيا في الأموال ، وقال الطبري يجوز أن تكون قاضيا على الإطلاق، وقال ابن حزم جائز أن تلي المراْه الحكم- القضاء-وهو قول أبو حنيفة .
ج/ التمييز الايجابى تجاه ذوى الاحتياجات: كما يتمثل التمييز الايجابى تجاه ذوى الاحتياجات الخاصه، فى الفكر السياسى والاجتماعى الاسلامى ، على مستوى اصوله النصيه الثابته، وفروعه الاجتهاديه المتغيره ، فى اتخاذه موقفا ايجابيا من حقوق ذوى الاحتياجات الخاصة ، على المستويين النظري والتطبيقي، فعلى المستوى الأول قررالقران الكريم التمييز الايجابي لذوى الاحتياجات الخاصة- ودون تناقض مع المفهوم الاسلامى للمساواة- قال تعالى( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج)، وتأكيدا لهذا الموقف الايجابي فقد نقل القران الكريم عتاب الله تعالى لنبيه الكريم (صلى الله عليه وسلم) في قصة عبد الله بن أم مكتوم (عبس وتولى ، أن جاءه الأعمى ….) ، فهذه الآيات تقرران معيار التقييم هو الإيمان والعمل الصالح ،كما قرر القران الكريم أن الاعاقه التي لا يمكن تجاوزا هي الاعاقه الروحية والخلقية قال تعال( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). أما على المستوى التطبيقي ، فقد ولى الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ابن أم مكتوم على المدينة عندما خرج لإحدى غزواته ،وحث الخليفة عمر بن عبد العزيز على إحصاء عدد المعاقين في الدولة الإسلامية ، ووضع الإمام أبو حنيفة تشريعاً يقضي بأن بيت مال المسلمين مسئول عن النفقة على المعاقين ، أما الخليفة الوليد بن عبد الملك فقد أعطى كل مقعد خادماً وكل أعمى قائداً ،وأنشأ الخليفة المأمون مآوٍ للعميان والنساء العاجزات في بغداد والمدن الكبيرة ،وقام السلطان قلاوون ببناء بيمارستان لرعاية المعاقين ، واستطاع عددا كبيرا من العلماء المسلمين تحدى الاعاقه (السمعية أو البصرية أو الحركية …) ومنهم: أبان بن عثمان ، محمد بن سيرين ، دعبل الخزاعي ، القاضي عبده السليماني ، عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، حاتم الأصم ، سليمان بن مهران الأعمش ، أبو العباس الأصم … (موسى بن حسن ميان / كيف تعامل الإسلام مع المعاقين ؟).
– للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان http://drsabrikhalil.wordpress.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم