ملفات إبستين وإنكشاف حكومة العالم الخفية” المنظمة الصهيونية العالمية”

sabri.m.khalil@gmail.com
د. صبري محمد خليل
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم
ملفات إبستين:
هي دفعة من الملفات المتعلقة بالتحقيقات الفيدرالية ذات الصلة بقضية جيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي اليهودي، الذي كانت تحيط به شبهات فساد مالي، وأُدين في قضايا اتجار جنسي واستغلال قاصرات، وأُعلن رسميًا انتحاره في السجن عام 2019.
وقد أطلقت هذه الدفعة وزارة العدل الأمريكية في أواخر يناير 2026، بموجب قانون الشفافية (ويكيبيديا). وأثارت هذه الملفات جدلًا واسعًا، لأنها كشفت أن نخبًا سياسية واقتصادية وفنية ورياضية وعلمية عالمية – وعربية أيضًا – تواصلت مع إبستين أو كانت ضمن شبكة علاقاته.
مؤشرات تسريبات ملفات إبستين:
انكشاف مرحلة جديدة من السيطرة الصهيونية على العالم:
تشكل هذه التسريبات مؤشرًا على مرحلة جديدة من السيطرة الصهيونية على العالم، وأن المنظمة الصهيونية العالمية هي «حكومة العالم الخفية» في النظام العالمي الحالي أحادي القطب.
مراحل السيطرة الصهيونية على العالم:
وفيما يلي عرض لمراحل هذه السيطرة:
التمييز بين اليهودية والصهيونية:
التمييز بين اليهودية، وهي في الأصل ديانة سماوية، وبين الصهيونية كمذهب سياسي غربي معاصر عنصري، يقوم على الخلط بين القومية اليهودية – وهي فكرة سياسية غربية معاصرة – والديانة اليهودية المحرَّفة، التي تستند إلى التوراة المحرَّفة التي ظهرت بعد وفاة موسى عليه السلام.
الأساطير القبلية للتوراة المحرَّفة:
تستند الصهيونية إلى العديد من الأساطير القبلية اليهودية، ومنها: أن الله تعالى هو إله اليهود فقط «يهوه»، وأن جدهم يعقوب «إسرائيل» تصارع مع الرب فوق جبل صهيون فلم ينتصر عليه، فصعد إلى السماء وأُخذت روحه، وأن اليهود هم شعب الله المختار، وأن اليهود في كل العالم ومن كل جنس هم سلالة يعقوب، وأن ما هو محرم على اليهود قد يباح مع غيرهم «كالربا»، وأنه يجب تدمير الأغيار «غير اليهود» أو إخضاعهم.
ويترتب على هذه الأساطير: إنكار وجود إله لجميع الناس، والإيمان بإله خاص قبلي، وتصور عدائي للإله «شكل من أشكال الإلحاد العملي»، والعنصرية والعداء لغير اليهود، وازدواجية المعايير الدينية والأخلاقية، وعبادة المال والثروة، وتمجيد القوة، وتبرير الاستيلاء على أراضي غير اليهود.
الجيتو والعزلة اليهودية في أوروبا:
عاش اليهود في أوروبا في العصور الوسطى في أحياء مقصورة عليهم «الجيتو»، وهو مجتمع قبلي مغلق، محاصر بتعصب كنسي ضدهم، ومن أسبابه إباحة الربا مع غير اليهود، مما مكّنهم من السيطرة على الشعوب الأوروبية، وكان رد الفعل هو تحديد إقامتهم في أماكن خاصة.
الرأسمالية وإتاحة الفرصة لليهود للسيطرة على الغرب الليبرالي:
ثم ألغت الليبرالية، بالعلمانية، سلطة الكنيسة، فأُلغيت القيود أمامهم. وأتاح النظام الليبرالي في الاقتصاد «الرأسمالية» لليهود السيطرة على الاقتصاد «البنوك» والإعلام «الصحف»، لأنه يقوم على المنافسة الحرة دون أي قيود أو ضوابط أخلاقية، وعدم تدخل الدولة في النشاط الفردي، وتحقيق الربح كغاية بغض النظر عن الوسائل.
إنشاء دولة إسرائيل والتحالف الصهيوني–الاستعماري:
ثم نشأ تحالف بين المنظمة الصهيونية العالمية، التي تهدف إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والاستعمار القديم ولاحقًا الجديد «الإمبريالي»، الذي كان يهدف إلى الحيلولة دون قيام دولة عربية واحدة، لأنه كان سيحول دون وصول الاستعمار القديم إلى مستعمراته في آسيا، ولاحقًا يحول دون نهب ثروات المنطقة التي اكتُشفت لاحقًا «كالنفط».
النظام أحادي القطب ومزيد من الهيمنة الصهيونية على العالم:
بتفكك الاتحاد السوفيتي انتقل النظام العالمي من نظام ثنائي القطب إلى نظام القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مما أتاح لها الانفراد بقيادة الهيمنة الاستعمارية على العالم، وإن أدى ذلك إلى ضعفها، فأصبحت عاجزة عن قهر كل أمم وشعوب العالم وحدها. لأن شل الذراع الأيسر لقهر الشعوب «محاولات الاتحاد السوفيتي سابقًا فرض نفوذه الأيديولوجي الماركسي والسياسي» أدى إلى ضعف ذراعها الأيمن «الإمبريالية الأمريكية». وهكذا تحقق للمنظمة الصهيونية مزيد من السيطرة على العالم، لأنها تسيطر أصلًا على المجتمعات الغربية عامة، والمجتمع الأمريكي خاصة، عبر السيطرة على المؤسسات المالية والاقتصادية والإعلامية الرئيسة فيها.
التعطيل الارتدادي لإرادة الأمة والهيمنة الصهيونية على النظام الرسمي العربي:
إن ارتداد النظام الرسمي العربي من مرحلة تحرير الأمة – وطنيًا وقوميًا – من الاستعمار القديم والاستيطاني ولاحقًا الجديد، خلال العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي، إلى مرحلة التعطيل الارتدادي لإرادة الأمة على المستوى الرسمي منذ العقد السابع من القرن الماضي، والتي انتهت إلى تكريس التبعية للغرب الاستعماري الرأسمالي، وتطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي تحت شعارات مثل: الانفتاح، التحرير، الإصلاح الاقتصادي، الخصخصة، رفع أو ترشيد الدعم، وإخضاع الاقتصاد القومي للمؤسسات الدولية «صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية»، والتطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني. وكل ذلك أدى إلى مزيد من الهيمنة الصهيونية على مفاصل النظام الرسمي العربي في مجموعه – إن لم يكن في جميع أجزائه.
مؤشر على سقوط النظرية الاستعمارية في إنكار المؤامرة:
وإذا كانت هذه التسريبات ستدعم انتشار نظرية المؤامرة التي تسود بين الشعوب كمحصلة لعوامل متعددة، فإنها في الوقت ذاته تمثل نقضًا جديدًا للنظرية الاستعمارية النقيضة «إنكار المؤامرة»، التي تهدف إلى تخدير الشعوب حتى لا تعي ما تحيكه القوى الاستعمارية من مؤامرات ضدها بهدف نهب ثرواتها.
مؤشر على المخطط الإمبريالي–الصهيوني ضد الأمة:
فهي تثبت صحة فرضية وجود هذا المخطط، الذي تطلق عليه القوى التي تقف خلفه اسم «مشروع الشرق الأوسط الجديد».
مؤشر على بداية الحرب العالمية الثالثة ضد الأمة:
إذ تثبت صحة فرضية بداية الحرب العالمية الثالثة ضد الأمة.
مؤشر على انتقال الهيمنة الاستعمارية إلى مرحلة الهيمنة بالوكالة:
تثبت هذه التسريبات أيضًا صحة فرضية انتقال الهيمنة الاستعمارية من مرحلة الهيمنة المباشرة إلى الهيمنة غير المباشرة «الهيمنة بالوكالة»، وهو مؤشر على ضعف الإمبريالية الأمريكية المتحالفة مع الصهيونية، وليس مؤشرًا على قوتها.
خاتمة:
إن تعطيل إرادة الأمة على المستوى الرسمي أدى إلى تفعيلها على المستوى الشعبي، وأن انتصارها النهائي على هذه المخططات – التي تثبتها هذه التسريبات وغيرها من تسريبات سابقة أو لاحقة – لا يتحقق إلا بانتقالها من مرحلة التفعيل التلقائي (أي رد الفعل العفوي، العاطفي، المؤقت) إلى مرحلة التفعيل القصدي المنظم (أي الفعل المخطط، العقلاني، المستمر، المؤسسي).

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

آليات مقاومة الضغوط النفسية للنزوح واللجوء فى الحرب

sabri.m.khalil@gmail.comآليات مقاومة الضغوط النفسية للنزوح واللجوء فى الحرب:نظرية النبته ومشاكل الإنتماء والإغتراب المكانىد. صبرى محمد …