باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 24 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

ممالك شرق السودان، حرّاس ذهب الآخرين

اخر تحديث: 24 يوليو, 2026 12:05 مساءً
شارك

ممالك شرق السودان، حرّاس ذهب الآخرين
في الممالك التي قامت بشرق السودان من فجر التاريخ إلى العصر الحديث
د. الرشيد خليفة
ثمة قاعدة ذهبية في التأريخ السوداني لم يجرؤ أحد على صياغتها صراحة، فأصوغها هنا خدمةً للعلم: كلما كانت أرضك أغنى بالذهب، كان نصيبك من كتب التاريخ أفقر. وشرق السودان هو الشاهد الأول على هذه القاعدة. أرض حرست ذهب الفراعنة وزمرّد الرومان وطرق حجيج المسلمين وجمارك العثمانيين، ثم خرجت من كل ذلك بسطرين في المناهج المدرسية، أحدهما عن سواكن «وجنّها»، والثاني خطأ مطبعي. هذا المقال محاولة لرد بعض الدين، لا كله، فالدين ثقيل والمقال قصير مهما طال.
وسنسير فيه على منهجنا المعهود: التاريخ كله، من المجاي إلى بورتسودان، مع توسّع في القبائل الكبرى، وقد استثنينا الفونج عمداً، لا كراهية فيهم، بل لأنهم أخذوا حقهم عندنا في مقال مستقل، ولأن إقحامهم في كل حديث عن السودان القديم صار عادة تشبه إقحام البصل في كل طبخة.
ولأن هذا المقال يعبر خمسين قرناً في بضع صفحات، نضع للقارئ بوصلة موجزة يعود إليها كلما التبس عليه الترتيب: نحو 2300 ق.م أول ذكر مكتوب للمجاي، ونحو 1077 ق.م يختفي اسمهم من الأوراق المصرية، وأواخر القرن السابع ق.م يظهر عند كوش اسم يرجَّح أنه سلف اسم البلميين، والنصف الأول من القرن الثالث ق.م يستقر الاسم اليوناني «بلميون» في الأدب، والقرن الثالث الميلادي يتحول البلميون قوة سياسية ناضجة، ومنتصف القرن السادس الميلادي تسقط دولتهم، والقرن التاسع الميلادي يمسح اليعقوبي ممالك البجا الخمس وهي ناضجة مكتملة، ثم تتوالى من بعدها فصول هذا المقال بترتيبها حتى نصل إلى بورتسودان في مطلع القرن العشرين. فمن تاه في التفاصيل فليعد إلى هذا السطر.
المجاي، أول شرطة في التاريخ برتبة شعب
قبل أن تولد الممالك، ولد الاسم. وأول ذكر معروف له لم يرد في الدولة الوسطى كما يشيع، بل قبلها بقرون: في سيرة الحاكم «وني»، أيام الملك «ببي الأول» من الأسرة السادسة، أي في صميم الدولة القديمة نحو سنة 2300 ق.م، حين وُصفت حملة إلى «أرض مجا»، وهي مقاطعة يرجَّح موقعها شرق الشلال الثاني من النيل [1]. ثم تحوّل الاسم في الدولة الوسطى من اسم أرض إلى اسم قبيلة رحّالة، وبلغت شهرتهم العسكرية ذروتها في الدولة الحديثة، من الأسرة الثامنة عشرة فصاعداً، حين صاروا شرطة النخبة، حرّاساً للحدود والمقابر الملكية والمناجم، حتى صار الاسم نفسه، مع الزمن، وظيفة تعني «الشرطي» لا شعباً بعينه [1]. ثم اختفى الاسم فجأة من السجلات بعد الأسرة العشرين، أي نحو سنة 1077 ق.م، ولا يُعرف أزالت الوظيفة أم تبدّل اسمها فحسب [1]. فتأمّل هذه المفارقة: شعب حمل اسماً واحداً أكثر من اثنتي عشرة قرناً، ثم تبخّر من الأوراق في عقد واحد، وهي عادة يبدو أن أهل شرق السودان لم يتخلصوا منها إلى اليوم، فهم منذ يزيد على أربعين قرناً يحرسون أبواباً لا يملكون مفاتيحها. ويرجّح الباحثون أن المجاي هؤلاء هم الحلقة الأولى في السلسلة التي ستنتهي إلى البجا (Beja) الحاليين، أصحاب اللسان الكوشي والجمل والسيف والصمت الطويل.
ولنحسم هنا مسألة تتكرر: أيّ ذهب كان هؤلاء يحرسون، ذهب المصريين في بلادهم أم ذهب السودان في بلاده؟ والجواب أن السؤال بهذه الصيغة يفترض حدوداً لم تكن قائمة يومها. فقد أطلق قدماء المصريين على هذا الحزام الصحراوي والنيلي جنوب أسوان اسم «نوب»، ويُرجَّح أن منه اشتُق اسم «النوبة» نفسه، أي بلاد الذهب حرفياً [2]. وبلاد النوبة هذه ليست مصرية ولا سودانية بالتقسيم الحديث، بل حزام جغرافي واحد يمتد من أسوان إلى مشارف الخرطوم، أقل من ربعه اليوم داخل مصر وأكثر من ثلاثة أرباعه داخل السودان. وقد توزعت مناجم الذهب فعلاً على طول هذا الحزام: بعضها في الصحراء الشرقية المصرية عند وادي الحمامات ووادي العلاقي القريب من الحدود، وأغزرها وأخطرها في العمق النوبي الأعلى نحو كرمة وكوش، أي في قلب شرق السودان اليوم [2]. فالمجاي، أبناء هذا الحزام الحدودي بذاته لا ضيوفاً عليه، لم يكونوا يحرسون «ذهب الجار»، بل كانوا يحرسون ذهباً يُستخرج من دارهم هم، لينقل شمالاً إلى دولة استأجرتهم هم أنفسهم لتحرس لها الطريق من عتبة بيتهم. فإن أردت جواباً حاسماً: هو ذهب النوبة، ولا نوبة بلا شرق السودان، وكانت مصر تستورده لا تملك منبعه.
ومن هذه الصحراء نفسها كانت تمر تجارة بلاد بونت (Punt)، البخور والأبنوس والبخت الحسن، مما جعل الساحل الغربي للبحر الأحمر ممراً تجارياً قبل أن يخترع أحد كلمة «موقع استراتيجي» ليضعها في خطاب سياسي.
الفجوة بين المجاي والبلميين ثمانية قرون لا ألف
اختفى اسم المجاي، كما مر بنا، نحو سنة 1077 ق.م. ولو اكتفينا بهذا لقلنا إن الصحراء الشرقية دخلت بعدها ألف سنة كاملة من الصمت الكتابي، وهو تقدير مستعجل نصححه هنا وفاءً بمنهجنا في مراجعة الذات قبل أن يراجعنا غيرنا: فقد عثر الباحثون في نقش الملك الكوشي «أنلاماني» بمعبد كوّة، من أواخر القرن السابع قبل الميلاد، على اسم مصري هو «بورَهايو» (Bwrahayu) يرجّح كثير من الدارسين أنه الصدى الأقدم لاسم البلميين [3]، أي أن الاسم عاد للظهور بعد نحو أربعة قرون ونصف من الصمت لا ألف عام. وأما الصيغة اليونانية «بلميون» بحروفها المعروفة فلم تستقر في الأدب إلا في النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد، عند الشاعر ثيوكريتوس [3]، أي بعد ثمانية قرون تقريباً من اختفاء المجاي، وهي الفجوة الحقيقية إن حسبناها بالاسم اليوناني الكامل لا بصداه الكوشي المبكر. وفي الحالين يلزم التنبيه ذاته: الفجوة فجوة أقلام لا فجوة سكان، فالشعب باقٍ في مكانه يرعى ويعدّن ويغير، وإنما انقطع عنه من يكتب. ثم أعاد البطالمة اكتشافه في القرن الثالث قبل الميلاد، لا حباً في المعرفة، بل طلباً لأفيال الحرب، فأسسوا على ساحله ميناء «بطلمية الصيود» (Ptolemais Theron) لصيد الفيلة [1]، وأطلق جغرافيو الإغريق على أهل الساحل اسم «التروجلودايت» (Troglodytae) أي سكان الكهوف، وهي تسمية تفضح جهل المسمّي أكثر مما تصف المسمّى، وسمّوا أهل الداخل بين النيل والبحر «الميجاباري» (Megabari)، ويرجح الدارسون أن هذا الاسم صدى إغريقي لاسم مجا القديم [1].
وهكذا تكتمل سلسلة التسميات على الشعب الواحد: مجا/مجاي (Medja/Medjay) بأقلام الفراعنة، وبورَهايو وتروجلودايت وميجاباري وبلميون بأقلام المصريين المتأخرين والإغريق، وبلهاو في النصوص النوبية القديمة [4]، وبيجا (Bega) في نقوش أكسوم، ثم البجة والبجا بأقلام العرب. ستة أقلام واسم واحد في المرآة، ومن أراد بعد هذا أن يكتب تاريخ المنطقة من مصدر واحد فليكتب معه تقرير استقالة من المنهج.
مملكة البلميين، جنرالات النهر الذين أرعبوا روما
ننتقل الآن إلى نجم هذا المقال، الشعب الذي كتب عنه الإغريق والرومان بذعر واحترام، وكتبنا عنه نحن بالنسيان: البلميون (Blemmyes)، أسلاف البجا وورثة المجاي. وقد بلغ من ذعر الخيال الأوروبي منهم أن رسمهم بعض جغرافيي العصور الوسطى قوماً بلا رؤوس، وجوههم في صدورهم. وهذه شهادة بليغة: حين يعجز عدوك عن هزيمتك في الميدان، يشوّه صورتك في الخريطة.
النشأة والتكوين: خرج البلميون من رحم الصحراء الشرقية، من ذرية المجاي ورعاة الإبل الناطقين بما يرجح أنه سلف لغة البداويت الحالية. ظهروا في المصادر قوة منظمة منذ القرن الثالث الميلادي، وكانوا قبل ذلك جزءاً من المنظومة المروية، حتى وصفهم بعض الباحثين بأنهم كانوا «جنرالات النهر» في مملكة مروي (Meroe) وسفراءها إلى الخارج [4]. فلما شاخت مروي وترنّحت، لم يبكِ البلميون على الأطلال كعادة الشعراء، بل فعلوا ما يفعله كل جنرال محترم حين تسقط الدولة: ورثوها. وتشير نصوص كلابشة إلى أنهم قدّموا أنفسهم صراحة ورثةً لمروي [4]، وهو ادعاء وجيه، فقد كانوا آخر من حمل دينها وكتابتها وهيبتها.
العمر: عاشت مملكتهم كيانا سياسيا مستقلا نحو ثلاثة قرون، من أواخر القرن الثالث الميلادي إلى منتصف السادس، وهو عمر يفوق أعمار دول كثيرة نتغنى بها صباح مساء، ويكفي أنه يعادل عمر الولايات المتحدة الأمريكية ونصف، مع فارق أن أحداً لم يصنع عن البلميين فيلماً واحداً.
الحياة والاقتصاد: قام اقتصادهم على أربعة أعمدة. أولها الرعي، إبل وماعز وضأن تسرح في وديان الصحراء الشرقية، واللبن عماد الطعام. وثانيها المعادن، فقد سيطروا على مناجم الزمرد في جبال البحر الأحمر، وزارهم المؤرخ أولمبيودورس الطيبي نحو سنة 421م فوصف بلادهم ومناجمهم [4]، وهي زيارة صحفية مبكرة لم يكرمها أحد بجائزة. وثالثها التجارة، إذ جلسوا على الطرق الواصلة بين موانئ البحر الأحمر القديمة، برنيكي وما جاورها، وبين مجتمعات وادي النيل، ينقلون ويحمون ويأخذون المكس، فكانوا شركة شحن وتأمين وجمارك في كيان واحد. ورابعها الغارات على صعيد مصر، وهي ما سماه الرومان «همجية» وسماه البلميون على الأرجح «استرداد مستحقات متأخرة»، ولكلٍّ معجمه الاقتصادي.
وأما الزراعة فكانت أضيق الأبواب، شرائط خضراء على النيل في بلاد النوبة السفلى حيث سيطروا على مدن مثل تلميس (كلابشة) وبريميس (قصر إبريم)، ومزارع مطرية موسمية في بطون الأودية، يزرعها من استقر وينتظرها من رحل.
العمران والخيمة: هنا يجب أن نتوقف بإجلال. لم يبنِ البلميون أهراماً، وبنوا بدلاً منها فكرة أذكى: بيتاً يمشي. كان لهم وجهان، وجه حضري في كلابشة التي اتخذوها حاضرة وعاصمة دينية [4]، ووجه بدوي هو الأصل والأغلب، قوامه الخيمة. والخيمة عند أحفادهم البجا، كما وثّقت الدراسات الإثنوغرافية [5]، ليست مسكناً فحسب، بل مركز الكون الاجتماعي: فيها يولد المرء وفيها يُعقد قرانه ومنها يُشيَّع. والمصادر القديمة صامتة عن تفاصيل خيمة البلميين، لكن الاستمرارية المدهشة في حياة أحفادهم تسمح بالقول إن بيت الحصير البجاوي، المنسوج من سعف الدوم، هو حفيد شرعي لتلك البيوت المتنقلة.
الثقافة والفنون وسيادة المرأة على البيت: وأجمل ما في هذا الباب أن الخيمة البجاوية صناعة نسائية خالصة: المرأة تنسج بروشها، والمرأة تملكها إذ تدخل بها عروساً ضمن جهازها، والنساء يتولين نصبها وتزيينها وفكّها وتحميلها على الإبل عند الرحيل [5]. فالبيت في هذه الثقافة ملك المرأة بالمعنى الحرفي العقاري للكلمة، والرجل فيه ضيف دائم حسن السلوك في أحسن الأحوال. وليتأمل دعاة التمكين المعاصرون: ما يكتبون عنه المؤتمرات، حسمته نساء الصحراء الشرقية قبل ألفي سنة بإبرة وسعفة.
اللغات والأديان: تكلم البلميون لسانهم الكوشي، وكتبوا شؤون دولتهم بالإغريقية والمروية، أي أنهم كانوا يديرون حياتهم بثلاث لغات في زمن نعجز فيه نحن عن إتقان واحدة. وأما الدين فكانوا آخر عبّاد إيزيس على وجه الأرض، يحجّون إلى معبدها في جزيرة فيلة، ويقدسون الإله ماندوليس في كلابشة، وقد ضمنت معاهدتهم مع روما سنة 453م، التي يرويها بريسكوس، حقهم في زيارة فيلة واستعارة تمثال إيزيس مواسمَ محددة ثم إعادته [4]. فلما أغلق جستنيان المعبد ونقل التماثيل إلى القسطنطينية في ثلاثينيات القرن السادس، لم يكن ذلك في نظرهم إصلاحاً دينياً، بل سطواً مسلحاً على المقدسات، وثاروا لذلك [4]. وقد اتهمتهم بعض الأقلام الرومانية بتقديم قرابين بشرية للشمس، وهي تهمة ننقلها على عهدة قائليها، فالإمبراطوريات لا تشحّ عادة في وصف من يقاومها بأبشع الصفات، وهذه صنعة قديمة ما زالت رائجة في نشرات الأخبار.
العلاقة مع الجيران: كانت علاقتهم بروما درساً في فن التفاوض بالسيف. أرهقوا حدود مصر الجنوبية حتى اضطر الإمبراطور دقلديانوس سنة 298م إلى سحب الحامية الرومانية من النوبة السفلى إلى فيلة، ثم، وهنا بيت القصيد، إلى دفع إتاوة سنوية من الذهب للبلميين والنوباتيين (Nobatae) كي يكفّوا عن الغارات، كما يروي بروكوبيوس بمرارة من يدفع ولا يفهم [6]. فلنسجلها بأحرف من التبر: روما، سيدة العالم، كانت تدفع «راتباً شهرياً» لرعاة من شرق السودان. وأما مع أكسوم (Aksum) فكانت العلاقة شداً وجذباً، وقد تفاخر عيزانا ملك أكسوم في نقوشه بتأديب قبائل البجا، وهو تأديب يبدو أنه لم يثمر كثيراً، لأن المؤدَّبين ورثوا لاحقاً أجزاء من أرض المؤدِّب. بل يتناقل البجا رواية أعز من ذلك، أن أجدادهم حكموا شمال الحبشة حتى سمي إقليم بجمدر باسمهم، «أرض البجا»، وهي رواية نوردها كما تروى، ونترك للسانيين مؤرقين بها، فالأنساب في بلادنا علم يزدهر كلما قلّت الوثائق.
الزوال: لكل مملكة أجل مسمى. اجتمع على البلميين في القرن السادس ثالوث لا قِبل لأحد به: النوباتيون من الغرب، وبيزنطة من الشمال، والمسيحية من فوق. فانتصر عليهم سلكو ملك النوباتيين، ونقش انتصاره باليونانية على جدران معبد كلابشة نفسه [4]، أي في قلب عاصمتهم الدينية، وهي طريقة في كتابة البيانات العسكرية أشد قسوة من كل بيانات القرن العشرين. غير أن البلميين لم يفنوا، فالشعوب لا تفنى بسقوط عواصمها، وإنما طووا خيامهم السياسية وعادوا إلى خيامهم الحقيقية، وذابوا في بحر قبائل البجا التي ستطل علينا بعد قليل بأسماء جديدة. فالذي مات هو الاسم في سجلات الدواوين، وأما الشعب فغيّر لافتته وواصل حياته، وهذه حيلة بجاوية سنراها تتكرر في هذا المقال حتى تصير منهجاً.
وبين سقوط كلابشة ومسح اليعقوبي ثلاثة قرون، من منتصف القرن السادس إلى أواخر التاسع الميلادي، لم تكن فراغاً بل ورشة إعادة بناء تعمل بلا صحفيين: تنصّرت ممالك النيل الثلاث، نوباتيا والمقرة وعلوة، وبقي البجا على أديانهم القديمة، ثم أخذ الإسلام يتسرب إليهم مع التجار والمعدّنين تسرب الماء في الرمل. وتذكر المصادر الوسيطة أن الإسلام تسرب إلى بلاد البجا تدريجياً مع التجار والمعدّنين المسلمين منذ القرن الأول الهجري، قبل أن تنضج أي معاهدة رسمية مكتوبة بقرنين كاملين. وفي هذه القرون الثلاث المعتمة تبلورت الكيانات التي سيجدها اليعقوبي ممالك ناجزة كاملة الأهلية، فالممالك كالأشجار لا تُرى وهي تنمو، وإنما يمر بها كاتب فيظنها نبتت البارحة.
ممالك البجا الخمس، فيدرالية قبل اختراع الفيدرالية
ندخل الآن العصر الوسيط، حيث يقدم لنا اليعقوبي، الذي كتب نحو سنة 259هـ/872م، أول مسح شامل لممالك البجا [7]، وهو مسح من الدقة بحيث نعرف منه عن شرق السودان في القرن التاسع أكثر مما تعرفه بعض وزاراتنا عنه اليوم. خمس ممالك متجاورة من أسوان إلى مشارف الحبشة، لكل منها ملك وحدود وجيش ومزاج خاص.
أولاها نقيس (Naqis)، وتُروى «ناقص» في بعض المصادر [8]، وحاضرتها مدينة يقال لها هجر [9]، في التخوم الجنوبية حيث يختلط دم البجا بجيرة الحبشة. وثانيتها بقلين (Baqlin)، وتُروى «تفلين» عند بعض الدارسين [4]، وهي المملكة المتاخمة لبلاد المسلمين، وفيها من عشائر البجا الحداربة (Hadariba) والزنافج (Zanafij) ومن سيكون لهم شأن [7]. وثالثتها بازين (Bazin)، وكانت تتاخم مملكة علوة (Alodia) النوبية وتحاربها، وزرعها ما يأكلون، وطعامهم الزرع واللبن [7]، أي أنها كانت تدير حرباً واقتصاد كفاف في وقت واحد، وهي مهارة إدارية لم تفقدها المنطقة للأسف حتى اليوم. ويذكر الباحثون أن قبائل الكوناما (Kunama) كانت محسوبة على بازين، إذ بهذا الاسم كان الأحباش يسمونهم.
ورابعتها جارين (Jarin)، ولها عند اليعقوبي «ملك خطير»، يمتد سلطانه من باضع (Badi) على ساحل البحر الأعظم إلى حد بركة [7]. وأهلها أصحاب أظرف موقف جمالي في التاريخ السوداني كله: كانوا يقلعون ثناياهم العليا والسفلى قائلين: «لا يكون لنا أسنان كأسنان الحمير»، وينتفون لحاهم [7]. فتأمل قوماً بلغ بهم الترف الجمالي أن أعلنوا القطيعة مع الحمير على مستوى الفكين، بينما نعجز نحن عن القطيعة معها على مستوى السياسة.
وخامستها قطعة (Qat’a)، وتُروى «قطاع» [8]، آخر ممالك البجا وأوسعها، من باضع إلى موضع يقال له فيكون، ولهم حد شديد وشوكة صعبة، ولهم دار مقاتلة تسمى «دار السوا» فيها شباب جلد مستعدون للحرب والقتال [7]. نعم، أيها القارئ الكريم: كلية حربية نظامية في شرق السودان في القرن التاسع الميلادي، باسم وعنوان ونظام داخلي، في زمن كانت فيه أكاديميات أوروبا العسكرية جنيناً لم تحمل به أمه بعد.
والملاحظة المنهجية الكبرى هنا، التي التقطها الدارسون، أن خريطة هذه الممالك الخمس تكاد تنطبق على خريطة توزيع قبائل البجا الكبرى الحالية من البشاريين شمالاً إلى بني عامر جنوباً [8]. أي أن التقسيم الإداري الذي رسمه اليعقوبي قبل أحد عشر قرناً ما زال يعمل بكفاءة تفوق كل تقسيماتنا الولائية التي تعدّل كل بضع سنين بجرة قلم وجرة مؤتمر.
وتنبيه للأمانة: وصلتنا أسماء هذه الممالك عبر نسّاخ لم يزر أحدهم المنطقة، فتظهر في بعض قراءات نص اليعقوبي ونقوله أسماء أخرى مثل تانكيش ونجاش، والاختلاف اختلاف نقط وتصحيف لا اختلاف ممالك، فالحرف العربي بلا نقاطه ديمقراطي إلى حد الفوضى. وأما عمر هذه المنظومة فقد قامت فيما بين القرنين السابع والتاسع الميلاديين، وظلت أطرها قائمة بأسماء وقيادات متبدلة حتى نحو القرن الثالث عشر، حين أخذ نجم الحداربة التجاري ثم أسماء القبائل الجديدة في الصعود، أي أنها عاشت بمقاييس المنطقة نحو نصف ألف سنة، وهو رقم لو حققته دولة معاصرة لطبعته على عملتها.
ممالك أسقطها صاحبنا من القائمة، الدجن والبلو وباضع
وحتى لا يظن ظانّ أن القائمة اكتملت بالخمس، نضيف ما جرت العادة بإغفاله. فقد جاء ابن حوقل في القرن العاشر، وكان رحالة يمشي على قدميه لا باحثاً يمشي على ويكيبيديا، فوصف في داخل بلاد البجا كياناً عامراً هو الدجن (Dajn)، ويكتب أيضاً «الدُّكن» [4]، قرى متصلة ذوات مياه ومشاجر وزرع وضرع، يخترقها نهر يأتي من بلاد الحبشة فينقطع في أعمالها ومزارعها [10]، وهو ما يطابق دلتا القاش ومنطقة التاكا (Taka)، حيث كسلا الحالية. ويرى كروفورد وغيره أن مملكة الدجن هذه هي مملكة التاكا القديمة [11]، وقد ضمت من القبائل الأرتيقة والهدندوة والخاسة وغيرها ممن لا تزال أسماؤها حية ترزق في مواضعها إلى اليوم، تدفع الضرائب وتشرب الجبنة ولا تعلم أنها كانت مملكة.
ثم مملكة البلو (Belew)، ويرد الاسم في المصادر بصيغ شتى: البلويت والبلاو وبلي، وتخلط بعض المصادر بينهم وبين الحداربة [4]، وهو الكيان الذي قاد بلاد البجا الوسطى، سواكن وواديي بركة والقاش، في الفترة الممتدة فيما بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر الميلاديين على تفاوت في التقدير [4]، حتى صار اسم البلو عند بعض القبائل مرادفاً لكل سلطان قديم غابر، وقد أفرد له الدكتور أحمد الياس حسين سلسلة كاملة من الدراسات [4] تنقّب في هذا الطابق المنسي من عمارة التاريخ الشرقي. فمن طرائف تاريخنا أن مملكة كاملة تحولت في الذاكرة الشعبية إلى ما يشبه الأسطورة، يقال «من عهد البلو» كما يقال «من عهد قوم عاد»، مع أن عهد البلو هذا أقرب إلينا من عهد الشاي بالحليب إلى الشاي السادة.
وأما باضع، مصوع الحالية (Massawa)، فقد كانت الجوهرة الساحلية لهذا العالم كله، الميناء الذي تمتد إليه أطراف جارين وقطعة معاً [7]، ومنه تخرج التجارة إلى دهلك واليمن وما وراءهما. وكل حديث عن «مملكة بادي» الساحلية إنما يدور حول هذا الفلك: ثغر تتنازعه الممالك لأن من ملك الميناء ملك الجمارك، ومن ملك الجمارك استغنى عن الزراعة والفلسفة معاً.
الذهب والمعاهدات، حين وقّعت بغداد مع البجا
مع الفتح الإسلامي لمصر دخل البجا طوراً جديداً عنوانه معدن العلاقي (Wadi al-Allaqi)، جبال الذهب التي جعلت صحراءهم أثمن صحراء بين النيل والبحر. وتوافد المعدّنون العرب من ربيعة وجهينة وغيرهما، وقامت في المعادن مدن وأسواق، وصارت القوافل بين أسوان وبلاد البجا بعشرات ألوف الرواحل [12]. وككل حكاية فيها ذهب وطرفان، كثرت المناوشات، فكانت المعاهدات.
وأشهرها المعاهدة التي عقدها عبد الله بن الجهم، عامل المأمون على مصر، مع كنون بن عبد العزيز عظيم البجا من بيت الحداربة، سنة 216هـ/831م، بعد أن احتل ابن الجهم قسماً من بلاد البجا عسكرياً فاضطر كنون إلى طلب الصلح. وقد حفظ لنا المقريزي نصها الكامل [12]، ونصت على أن يؤدي كنون للخزينة العباسية خراجاً سنوياً قدره مائة بعير أو ثلاثمائة دينار وازنة عوضاً عنها [12]، أي أن الجهة الأعلى في هذه المعاهدة كانت الخلافة العباسية بلا مواربة، والبجا هم الطرف الذي يدفع، انعكاساً لواقع الأرض يومها: جيش احتل، فتفاوض المهزوم لا المنتصر. وهو نص يستحق أن يدرّس في كليات القانون مع ذلك: بنود متبادلة، وضمانات، ووكيل مقيم بريف الصعيد، وذمم متسلسلة من أمير المؤمنين نزولاً. فليتواضع من يظن أن أهل شرق السودان دخلوا «الشرعية الدولية» حديثاً؛ لقد كانوا يوقعون المعاهدات الثنائية مع أعظم دولة في الأرض قبل ألف ومائتي سنة، ويخرقونها أيضاً بانتظام، لأن المعاهدة التي لا تخرق لا يكون توقيعها قد استحق العناء.
فلما تمادى البجا في غارات الصعيد، جهز المتوكل لهم محمد بن عبد الله القمي سنة 241هـ/855م، فسار إليهم في مفازة لا يعرف الجيش النظامي فيها رأسه من رجليه، وأمدّته سفن المؤن عبر عيذاب (Aydhab)، حتى انتهى الأمر بالصلح مع ملكهم علي بابا، الذي حمله القمي إلى حضرة الخليفة في سامراء [12]. وهكذا وطئت أقدام ملك بجاوي بلاط الخلافة العباسية في أوج مجدها، وعاد إلى بلاده ملكاً كما ذهب، وهي رحلة عمل ناجحة بكل المقاييس، إذا استثنينا أن أحفاده لا يعرفون عنها شيئاً.
وازدهرت في هذا العصر عيذاب، ميناء البجا العظيم، حتى صارت في القرنين السادس والسابع الهجريين من أعظم مراسي الدنيا، يعبر منها حجاج المغرب ومصر إلى جدة، وترسو بها مراكب الهند واليمن بالفلفل والبهار. وقد مر بها ابن جبير سنة 579هـ/1183م، وهو تواً قادم من عبور البحر الأبيض المتوسط على متن سفينة جنوية ضخمة محكمة البناء، فوصف عمرانها، ثم وصف جشع أهلها في تحميل الحجاج فوق الطاقة في «الجُلّاب» (مفردها جِلبة أو جلاّبة)، وهي زوارق صغيرة بسيطة الصنع لا تصمد أمام أهوال البحر الأحمر وشعابه المرجانية، ولا تُقارَن بالمراكب الأوروبية المحكمة التي عرفها ابن جبير في المتوسط، حتى شبّه ازدحام ركابها بأقفاص الدجاج المملوءة، ونقل عن أهل عيذاب مثلاً قاسياً كانوا يتندرون به عن حالهم: «علينا بالألواح، وعلى الحجاج بالأرواح» [13]، أي أن همّهم سلامة الخشب لا سلامة الراكب. ولم ينسَ نصيب ملك البجا الحدربي من مكوسها [13]. ثم جاءها ابن بطوطة سنة 726هـ/1326م فوجد ثلث المدينة لسلطان البجا [14]، وهي شراكة بين السلطنة المملوكية وملوك البجا تثبت أن فكرة «الحكومة المشتركة على الميناء» ليست ابتكاراً معاصراً، بل تراثاً أصيلاً. ثم قتلت عيذابَ السياسةُ كما أحيتها التجارة: خربها السلطان برسباي في القرن التاسع الهجري لينقل الطريق إلى حيث يشاء، فصارت خرائب وقصوراً خاوية يبيع فيها قوم من البجا الماء للحجاج، وانتقل العرش الساحلي إلى وريثتها الجنوبية: سواكن.
سواكن والعثمانيون، مجد من حجر مرجاني
سواكن (Suakin) أقدم من كل من حكمها، وأساطيرها أقدم من تاريخها، حتى نسبوا سجن جِنّها إلى سليمان عليه السلام، وهي تهمة لم يثبتها تحقيق قضائي حتى الآن. وأقدم من حكمها معروفاً هم أهلها أنفسهم، في إدارة مشتركة بين التجار وشيوخ البجا؛ ويذكر جغرافيون عرب وسيطون كالمسعودي وابن سعيد أن قبيلة تسمى الخاسة، قدمت من قرب أسمرا، حكمت المدينة تحت ملكها الخاص [15]. ثم دخلت أواخر القرن التاسع الهجري تحت سلطنة المماليك في مصر، واحتلها البرتغاليون احتلالاً خاطفاً سنة 919هـ/1513م ضمن حربهم البحرية على موانئ المسلمين في البحر الأحمر [15].
ولم يكن دخول العثمانيين غزواً لسواكن بذاتها، بل ميراثاً تلقائياً: فحين هزم السلطان سليم الأول المماليك في معركتي مرج دابق والريدانية وأعدم آخر سلاطينهم طومان باي، ورثت الدولة العثمانية أملاك المماليك كلها، ومنها سواكن، سنة 923هـ/1517م [15]. لكن الإدارة المنظمة لم تترسخ إلا سنة 962هـ/1555م، حين أرسل الباب العالي أوزدمير باشا لتأسيس ولاية جديدة غرضها المعلن صدّ الزحف البرتغالي عن البحر الأحمر، فصار أول حاكم عثماني لسواكن وأول والٍ على «إيالة الحبش» (Habesh Eyalet) [15]، وهي ولاية إدارية كبرى عاصمتها الأولى سواكن ثم انتقلت إلى مصوع، وامتد نفوذها الاسمي على الساحل الأفريقي كله للبحر الأحمر. والاسم «الحبش» هنا لا يعني أن العثمانيين حكموا الحبشة فعلاً، بل يفضح الغرض من إنشائها: قاعدة لغزوها ومحاصرتها. وقد حاول ولاتها ذلك ست مرات في عشرين سنة فباءت كلها بالفشل، وقُتل أوزدمير باشا نفسه سنة 968هـ/1560م في إحداها، كما فشلت محاولة أخرى سنة 985هـ/1577م لغزو سلطنة الفونج في سنار [15]. فتحولت الإيالة، كما هي عادة الأطراف العثمانية البعيدة عن الآستانة، إلى إدارة اسمية هشة: نائب من أصل بجاوي-بلوي يحكم مصوع فعلياً بلقب «نايب مصوع»، وسنجق جدة يشرف على الموانئ اسمياً من القرن الثاني عشر الهجري فصاعداً، بينما البادية خلف الساحل بقيت بيد شيوخ البجا كما كانت منذ اليعقوبي [15].
وعاشت قرنها الذهبي في السادس عشر والسابع عشر، مدينة من الحجر الجيري المرجاني المقطوع من قاع بحرها نفسه، بيوت الروشان والمشربيات، وجمارك تسيل ذهباً، وشراكة عملية بين الباشا التركي في الجزيرة وشيوخ البجا في البر، إذ أدرك العثمانيون بذكائهم الإداري المعروف أن حكم الساحل بلا رضا البادية كحراسة الباب وترك الحائط.
ثم انحدرت المدينة مع انحدار سادتها، حتى انتقلت سنة 1865م إلى الخديوية المصرية في صفقة بين السلطان عبد العزيز والخديوي إسماعيل، دفع فيها إسماعيل الثمن مضاعفة للجزية وحصل مقابله على سواكن ومصوع وولاية العهد لابنه [15]، أي أن مصير أعرق ميناء سوداني تقرر في مساومة عائلية عثمانية لم يُستشر فيها بجاوي واحد، وهذه أيضاً سنّة ماضية في التعامل مع شرق السودان يعرفها أهله جيداً. وحين قامت الثورة المهدية (1885–1898م) حاصر الهدندوة بقيادة عثمان دقنة المدينة سنوات طويلة، لكنها صمدت حامية مصرية-بريطانية لم تسقط قط، وفي ذلك مفارقة تستحق التسجيل: أن يعجز حصار بجاوي عن أخذ ميناء البجا نفسه. ثم دخلت الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري (1899–1956م)، لكن الضربة القاضية لم تأتِ من جيش بل من مهندس: بنى الإنجليز بورتسودان سنة 1905م وحولوا إليها التجارة، فماتت سواكن موتاً إدارياً هادئاً، وبقيت خرائبها المرجانية أجمل شاهد قبر في أفريقيا. ولم تخلُ حتى من فصل معاصر: سنة 2017م وقّعت الخرطوم مع أنقرة اتفاقاً لإيجار جزيرتها الأثرية 99 عاماً بذريعة الترميم والسياحة الدينية، فأثار قلق جيران البحر الأحمر من أطماع عسكرية محتملة، ينفيها الطرفان باستمرار. فسواكن، بعد كل هذه القرون، ما زالت تُتقاسم على موائد تفاوضٍ لا تجلس هي إليها، وتلك، مرة أخرى، السّنة الماضية في هذا الإقليم كله.
القبائل الكبرى، الممالك حين تخلع التاج وتلبس العمامة
وهنا نصل إلى أهم قوانين التاريخ الشرقي، وقد صاغه الدارسون بدقة: ابتداء من القرن الرابع عشر الميلادي أخذت أسماء الممالك والقبائل القديمة تخفت، وظهرت محلها أسماء القيادات الجديدة، فبرزت الحلنقة أولاً، ثم توالت أسماء البشاريين والأمرأر وبني عامر والهدندوة، بينما حافظت قبائل مثل الحداربة والأرتيقة والخاسة على أسمائها القديمة [4]. فالممالك لم تسقط بالمعنى الهوليودي، حريق وصراخ وسيوف، بل أعادت هيكلة نفسها: خلعت لقب المملكة ولبست لقب القبيلة، واستبدلت بالملك ناظراً، وبالتاج عمامة، وواصلت إدارة الأرض نفسها بالناس أنفسهم. ولذلك قيل بحق إنه لولا غزو محمد علي باشا سنة 1821م لبقيت كيانات البجا مستقلة إلى اليوم، تدير شؤونها كما أدارتها منذ اليعقوبي.
الهدندوة (Hadendowa): سادة التاكا وورثة الدجن، وأشهر بيوت البجا سيفاً وشعراً. اسمهم من «هدا» و«اندِوا» أي أهل الأسد على أرجح الأقوال، وقد صدّقوا الاسم فعلاً في القرن التاسع عشر حين قدموا للمهدية قائدها الشرقي عثمان دقنة، فكسر مربع الجيش البريطاني في معركة تاماي سنة 1884م، وهو إنجاز عسكري لم يتكرر كثيراً في تاريخ الإمبراطورية، حتى اضطر كبلنغ، شاعر الإمبراطورية نفسه، إلى مدحهم في قصيدته الشهيرة عن المقاتل «الفازي وازي» ذي الشعر المنفوش [5]. ولم يكن كبلنغ وحده: فقد شهد ونستون تشرشل الشاب حروب السودان بنفسه سنة 1898م، ضابطاً ملحقاً بفوج الفرسان الحادي والعشرين ومراسلاً صحفياً لجريدة «مورننغ بوست» في آن واحد، ثم وصف عثمان دقنة في كتابه «حرب النهر» (The River War) بأنه رجل «داهية» (astute) و«حصيف» (prudent)، ولقّبه «عثمان دقنة المشهور، ولعله الخالد» (the celebrated, and perhaps immortal, Osman Digna) [16]، وهو ثناء نادر من ضابط بريطاني شاب على قائد حاربه فعلاً وكسر له مربعاً عسكرياً كاملاً في تاماي، ولم يكرر تشرشل مثله لأي قائد سوداني آخر في كتابه. فتأمل: قبيلة انتزعت شهادة حسن سير وسلوك قتالي من عدوها منظوماً في شعر يدرّس في مدارس لندن، بينما لا يجد أبناؤها اسمها في مناهج الخرطوم إلا عرضاً.
البني عامر (Beni Amer): ورثة مملكة جارين أرضاً وبحراً، من جنوب سواكن إلى ما وراء مصوع وفي عمق إريتريا [8]. وهم أوضح مثال على أن القبيلة في شرق السودان ليست نسباً بل دولة مصغرة: اتحاد كونفدرالي من عشرات البطون البجاوية والتجرية المختلفة الأعراق والأصول، تعلوها أرستقراطية النابتاب (Nabtab) الحاكمة، ويجمعها ولاء سياسي لا شجرة نسب واحدة، مما يجعل اسمها العربي لافتة تجارية أكثر منه شهادة ميلاد [8]. ويقول مثلهم «عامر وعمّار أسناب» [“أسناب” هنا صيغة لهجية من “أنساب”]، وعامر وعمّار هما الجدّان الجامعان اللذان يُنسب إليهما البني عامر والأمرأر (Amarar) على التوالي، فمعنى المثل الحرفي أن القبيلتين من نسب واحد وإن افترق مسارهما التاريخي، وهو مثل يستخدمه الأمرأر أنفسهم حتى اليوم ترحيباً واعتزازاً بإخوتهم البني عامر لا مجرد إقرار بالفرقة [8]، فلعل أدق ترجمة لروحه: متفرقان في الاسم، متحدان في الأصل. وهو مثل يختصر تاريخ المنطقة كله: كل الفرقاء في شرق السودان إخوة اختلفوا على شيء ما في زمن ما ثم أدمنوا الاختلاف.
البشاريون (Bisharin) والأمرأر (Amarar): أهل الشمال الصحراوي، من تخوم مصر وجبال البحر الأحمر إلى النيل، ورعاة أعظم سلالات الإبل في المنطقة، وحراس دروب العتمور التي كانت شرايين التجارة بين النيل والبحر. وقد ورثوا فيما يبدو أقاليم الممالك الشمالية القديمة، ديار البلميين الأولى ومجال بقلين [8]، فهم أحفاد الذين أرعبوا روما، وإن كانوا اليوم يكتفون بإرعاب من يحاول عبور صحرائهم بلا دليل.
الحلنقة (Halanga): أول الأسماء الجديدة ظهوراً في القرن الرابع عشر الميلادي [4]، وأهل القاش وجوار كسلا، وقد نسجت حولهم الروايات أصولاً شتى كعادة كل قبيلة تسكن أرضاً خصبة يشتهيها الجميع، والثابت أنهم من أقدم مكونات حوض القاش الذي كان قلب مملكة الدجن.
الأرتيقة (Arteiga) والحداربة والحباب (Habab): أما الأرتيقة فأصحاب سواكن وجوارها منذ ذكرهم ابن حوقل [10]، وقد حافظوا على اسمهم أحد عشر قرناً على الأقل، وهو ثبات مؤسسي تعجز عنه أعرق شركات العالم. وأما الحداربة فهم البيت الذي أنجب كنون بن عبد العزيز صاحب المعاهدة، وسادة عيذاب وتجارتها ثم وجهاء سواكن من بعدها، أرستقراطية تجارية دينية عابرة للموانئ. وأما الحباب فامتداد هذا العالم البجاوي جنوباً في ساحل إريتريا وجبالها، وقد أفرد لهم المؤرخ محمد صالح ضرار كتاباً مستقلاً، وهو ابن هذه الديار الذي طاف بقاعها جامعاً تاريخها حين كان غيره يجمع الرتب والأنواط [8].
خزائن من حصير
ولمن يحب التسلسل مجرداً من الزخرفة، هذا هو العمود الفقري الزمني للمقال كله: المجاي من نحو 2300 إلى نحو 1000 قبل الميلاد، فألف سنة يظهر فيها القوم بأقلام الإغريق تروجلودايتَ وميجاباريّين من القرن الثالث قبل الميلاد، فمملكة البلميين قوة سياسية من أواخر القرن الثالث الميلادي إلى منتصف السادس، فثلاثة قرون من إعادة التشكل، فممالك البجا الخمس ناضجة عند اليعقوبي سنة 872م وباقية الأطر إلى نحو القرن الثالث عشر، وإلى جوارها الدجن عند ابن حوقل في القرن العاشر، فسيادة الحداربة على عيذاب من القرن التاسع إلى خرابها سنة 1426م، فالبلو فيما بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر، فبروز أسماء القبائل الحالية من القرن الرابع عشر فصاعداً، فالعثمانيون في سواكن من 1555 إلى 1865م، فالتركية من 1821م، فالمهدية من 1884م في الشرق، فالحكم الثنائي وميلاد بورتسودان سنة 1905م. سلسلة واحدة غير منقطعة، وكل حلقة فيها كانت تظن نفسها نهاية التاريخ.
هذه إذن حصيلة خمسة آلاف سنة في أسطر: شرطة الفراعنة، وقاهرو روما، وخمس ممالك بمسح جغرافي دقيق، وكلية حربية اسمها دار السوا، ومعاهدة مع بغداد، وملك زار سامراء، وأعظم مرسى في الدنيا، وقرن ذهبي عثماني، وقصيدة مديح من شاعر العدو. أي أمة أخرى لو ملكت عشر هذا الرصيد لصنعت منه عشرين متحفاً ومائة فيلم ومليون مشكلة مع الجيران حول «الحق التاريخي».
أما نحن فاكتفينا بأن جعلنا شرق السودان «ممراً»: ممراً للتجارة، وممراً للحجيج، وممراً للجيوش، وممراً للأنابيب، وأخيراً ممراً سريعاً في المناهج الدراسية، يمر به الطالب من الفراعنة إلى الفونج دون أن يتوقف. ولعل عزاء أهل الشرق أن أجدادهم علّمونا الدرس الأبقى في هذا المقال كله: الممالك تسقط، والأسماء تتبدل، والموانئ تخرب، وأما البيت المنسوج بيد امرأة، المحمول على ظهر جمل، فلم يسقط قط. فطوبى لمن جعل خزائنه من حصير، فلا برسباي يخربها، ولا خديوي يشتريها، ولا مؤرخ ينساها إلا وهي قادرة على الرحيل عنه إلى ذاكرة أوفى.
المراجع
[1] أ. ج. آركل: A. J. Arkell, A History of the Sudan: From the Earliest Times to 1821, Athlone Press, London, 1955.
[2] D. Klemm, R. Klemm, A. Murr, “Gold of the Pharaohs – 6000 years of gold mining in Egypt and Nubia”, Journal of African Earth Sciences, vol. 33, 2001, pp. 643–659.
[3] T. Eide, T. Hägg, R. H. Pierce, L. Török (eds.), Fontes Historiae Nubiorum: Textual Sources for the History of the Middle Nile Region Between the Eighth Century BC and the Sixth Century AD, University of Bergen, Bergen, 1994–2000.
[4] أحمد الياس حسين، سلسلة مقالات «من هو شعب البَلو (البلويت)»، الأجزاء 1–8، صحيفة سودانايل الإلكترونية، 2013–2014. https://sudanile.com
[5] أندرو بول، تاريخ قبائل البجا بشرق السودان، ترجمة أوشيك آدم علي، عن الأصل: A. Paul, A History of the Beja Tribes of the Sudan, Cambridge University Press, Cambridge, 1954.
[6] بروكوبيوس القيصري، تاريخ الحروب، الكتاب الأول: Procopius, History of the Wars, Book I, Loeb Classical Library, Harvard University Press, Cambridge (Mass.), 1914.
[7] اليعقوبي (أحمد بن أبي يعقوب بن واضح)، تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت، د.ت.
[8] محمد صالح ضرار، تاريخ شرق السودان: ممالك البجة قبائلها وتاريخها، دار الاتحاد العربي للطباعة، الخرطوم، 1992.
[9] شعب البجا وممالكه في المصادر العربية الوسيطة، نصوص مجموعة في: مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية، القاهرة، 1972.
[10] ابن حوقل (أبو القاسم النصيبي)، صورة الأرض، دار صادر، بيروت، د.ت.
[11] أو. ج. س. كروفورد: O. G. S. Crawford, The Fung Kingdom of Sennar, John Bellows, Gloucester, 1951.
[12] المقريزي (تقي الدين أحمد بن علي)، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418هـ/1998م.
[13] ابن جبير الأندلسي، رحلة ابن جبير، دار صادر، بيروت، د.ت.
[14] ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، دار صادر، بيروت، د.ت.
[15] بدر الدين حامد الهاشمي (ترجمة وتلخيص)، «سواكن: ميناء تابع للإمبراطورية العثمانية في شمال شرق أفريقيا»، صحيفة سودانايل الإلكترونية، أبريل 2018. https://sudanile.com
[16] Winston S. Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, Longmans, Green and Co., London, 1899 (2nd ed. 1902).

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
السودان ومأزق المشروعات السياسية المتصارعة (3) .. بقلم: د. حامد البشير إبراهيم
منبر الرأي
صناعة الثروه من التاربخ الاقتصادي الي الابتكار التنموي
بيانات
الجبهة السودانية للتغيير: بيان حول إنقلاب ۳٠ يونيو١٩۸٩م
ايوب قدي
حلم اثيوبيا لربط القرن الافريقي اقتصاديا تحقق !!
وحدة السدود تعيد الدولة إلى سؤال التنمية المؤجَّل.

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

ثَلاثُ مُثلَّثاتٍ فِي حَرْبِ السُوْدَانِ: هَل تَسْتَطِيعُ نِيُويورْك أنْ تَفْتَحَ طَرِيقِ السَلَامِ؟

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي
منبر الرأي

حوار البشير: حكمةُ الصُّقورِ الغائبة! .. بقلم/ كمال الجزولي

كمال الجزولي
منبر الرأي

يموت المواطن ويحيا الطاغية، سياسة الإذلال والتطويع لصناعة مواطن على مقاس الانقلاب!. .. بقلم: مـحمد أحـمد الجـاك

طارق الجزولي
منبر الرأي

من يعفو عن من يا البرهان ؟! .. بقلم: أحمد محمود كانم

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss