كيف لا
جادت أرض كسلا بالخيرات أخيراً بعد أن غادر أهلها أو يئسوا ولا ييأس من رحمة الله إلا مغضوب عليه ، فلم تجد نبتة الأرض من يحصدها حيث تعثرت عمليات الحصاد لشح العمالة رغم ارتفاع الانتاج ومدخلاته لهذا العام . وما حدث في كسلا حدث من قبل وسيظل يحدث في ولايات زراعية كثيرة في ربوع هذا الوطن إلى أن يرث الله الأرض وما عليها أو ينصلح حال الناس . لو نظرنا حولنا سنجد آفة كسلا مستنسخة بمساحة المليون ميل مربع . أراضٍ للزراعة ولا عمالة هناك ، ذهب ينبع من باطن الأرض وتنقيب عشوائي تشجع عليه الدولة والمحصلة إهدار لطاقة الإنسان بموته أو مرضه نتيجة للمشاكل البيئية المصاحبة لعمليات التنقيب وإهدار لعامل اقتصادي كان يمكن أن يستفيد منه الاقتصاد والمواطن معاً .ماذا بقي ؟ البترول لن نحكي عنه فلعنته هي ما قسمت البلد نصفين بعد أن انقسم ناسها إلى أغنياء وفقراء. ولا ننسى الماء ، فحتى النيل الجاري بيننا رقراقاً غنينا له ولم نحسن الاستفادة منه واستثماره أوحتى الارتواء منه.
لم تجد هذه ال 200 ألف فدان بمشروع حلفا الجديدة ، وال80 ألف فدان بمشروع القاش المزروعة ذرة وقطن وفول سوداني من يحصدها فتمت تغطية النقص في العمالة من الدول المجاورة بنسبة 90% على حسب وزير الزراعة بالولاية.يا ليتنا لا نسمع بعد هذا من يتحدث عن قيمة الوقت ولا ننصت لمن يلومنا على إهدارنا للوقت وعدم الإحساس به لأنه "ليس غير العمال من يعرفون قيمة الوقت ،إنّهم دوماً يدفعون ثمنه " وبحسب مقولة فولتير فبافتقارنا لعمالة وطنية تدفع ثمن الوقت لتنعم نفقد كلنا قيمة الوقت ولا نقدّره.
وما يحدث للأرض والزرع حدث لتاريخ البلد في أغلب المجالات الإنسانية ويحدث حاضراً الآن ليصبح تاريخاً غداً نستميت في التبرؤ من وصمته وننخذل عندما تعايرنا به بقية الأمم. ماذا نفعل الآن؟ في هذه اللحظة الكل يبكي على وحدة تلفحها بواكير رياح الشتاء ، وما أنجزه التاريخ بشوائبه ، حقيقيُّ ونقي مقارنة بما يحدث اليوم .وما يحدث اليوم يخيف الكتب نفسها ، إذ كيف تأمل أحداث هشة بُنيت على ردود الأفعال أن تزاحم راسخ التاريخ بانجازاته وحقائقه الكبيرة .هذا لأننا لا نقوى على مزاحمة صنع أحداث تليق بما تحقق سابقاً . ولم لا نفعل ذلك ؟ لأننا ببساطة لا نستطيع ، يؤسفني أن نكون أمة عاجزة ليست لدينا المقدرة على فعل شيء .
نحن نؤرخ للأحداث بمعزل عن تأريخنا لمن صنعوها ، وبما أن ما يجري في عالم السياسة السودانية اليوم من صنع الإنسان فالعلاقة وطيدة بين منتج الإنسان السلوكي في الشأن السياسي وبين ما يؤول إليه الحدث المعين.فكثيرون مروا من هنا نتحدث عنهم كظاهرة متميزة وليسوا كحقيقة تاريخية أخطأت وأصابت. أما الحال مع الأبطال فمختلف قليلاً ، نحتفي بهم وكأنهم تركوا لنا ما نزاحم به الدنيا، ولا نريد أن ندري أنه في حراكنا الخاص مع أبطالنا هؤلاء وصورهم وأحاديثهم لم نغادر ضفة النهر الأخرى.
زعماء وأبطال ومفكرون وشعراء وأدباء وأهل علم وفن وثقافة نذكرهم فتخطف أعيننا الومضة الحقيقية لصانعي التاريخ السوداني الصميم .تغشى البصر أحياناً صور موهومة نغادرها لأنها مختلفة قليلاً ، وفي الاختلاف تكمن حقيقة الصورة وجودة القراءة . ولئن سألنا أنفسنا أننا ماكثون نذرع الطريق جيئة وذهاباً غارسين فيه صور أولئك العظماء دون أن نفلح بالإتيان بأكثر منهم أو أحسن منهم ، لا نجد إجابة فالسؤال في حد ذاته كفرٌ، وعناءه رهقٌ للسائل والمسئول فنمكث نندب حظنا المسكين ونبكي على فلسفة صغناها 🙁 الوطن ، الحب، الخير ، الجمال) ولا نقدر على حملها فحملتها جبال همومنا إلى أعلى القمم لا نستطيع الوصول إليها ، تشرق من هناك ولا تطلنا.
عن صحيفة "الأحداث"
moaney [moaney15@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم