د.عمرو محمد عباس محجوب
بين حين وآخر تتصاعد نبرة مناوى في خطاب دعائي مختلط مع توترات اجتماعية بخصوص المشتركة وتجاوزاتها، مع ملاحظة ان مناوي وهو ممثل البعد السياسي الزغاوي في صراعات السلطة لكن من المعلوم ان العدل والمساواة الأكثر قدرة عسكريا تظل صامتة. وكانت آخر تصعيداته انه سوف يحتل الشمالية والنيل قسرا وغيرها إذا لم تتحقق شروطه. تثير هذه التصريحات ردود فعل متباينة داخل مجتمعات الوسط من اعتبارها مجرد تهديد فارغ إلى تقوية أنصار التخلص من دارفور وربما اكثر.
سأحاول في عدة مقالات ان أتناول المقصود من السردية التي يؤسّسها مناوى والجناح الزغاوي في هذه الحرب ونتناول كذلك ميزان القوى في دارفور وتأثيره وكذلك تمويل الحرب واخيراً السيناريوهات المتوقعة لنهاية الحرب او إنهاؤها.
منذ البداية هناك نقطة مهمة انه لا توجد إحصاءات سكانية حديثة وموثوقة تفصل سكان دارفور حسب اللاعبين الأساسيين من الفور والعرب والزغاوة والقبائل الأخرى. بعد الحرب والنزوح والهجرة، تصبح أي أرقام دقيقة متداولة في الإعلام محل شك. لذلك يظل التعداد السوداني الأخير الذي يمكن الاعتماد عليه كأساس هو تعداد 2008، ولم يكن مصمماً أصلاً لإعطاء أرقام إثنية دقيقة لكل قبيلة. لذلك الأفضل استخدام تقديرات نطاقية لا أرقاماً قطعية. دارفور كان عدد سكانها قبل الحرب الأخيرة في حدود 9–10 ملايين نسمة، بينما بلغ سكان السودان كله نحو 30.9 مليوناً في تعداد 2008. ويمكن لتقديرات تاريخية وإحصائية ان حجم الزغاوة في السودان يقعون ضمن ٢٠٪ من مجموعة القبائل خارج الفور والعرب. وأميل حسب تقديرات سابقة ورصد من مصادر مختلفة ان احصرهم في نطاق مليون إلى مليون ونصف فرد في السودان ودارفور. والأهم سياسياً أن دارفور ليست تركيبة ثلاثية: فور–عرب–زغاوة؛ فهذا تبسيط شديد لمجتمع يضم عشرات المكونات.
ماذا يريد الزغاوة فعلياً؟ هنا يجب الفصل بين الزغاوة كمجموعة اجتماعية وبين النخب السياسية والعسكرية التي تتحدث باسمها. لا توجد إرادة سياسية واحدة لكل الزغاوة. لكن إذا حللنا الخطاب السياسي والعسكري لبعض القوى الزغاوية. يمكن تحديد مجموعة من المطالب الواقعية: وزن أكبر في السلطة المركزية، ضمان نفوذ سياسي وعسكري في دارفور، حماية مناطق الزغاوة ومصالحهم الاقتصادية والتي تشمل مراكز في العاصمة والأقاليم المختلفة، الحصول على مواقع في مؤسسات الدولة والجيش والأمن، ترتيبات خاصة لإعادة الإعمار والتعويضات، ضمانات دستورية لتقاسم السلطة والثروة. ولأن هذه المطالب يمكن أن تكون قابلة للتفاوض ضمن تسوية سودانية شاملة فإذا نحاول الاقتراب من سردية مناوي.
عندما ترفع قوة سياسية أو عسكرية سقف خطابها إلى “نستطيع الوصول إلى الشمال والسيطرة عليه”، فليس بالضرورة أن يكون الهدف الحقيقي احتلال شمال السودان عسكرياً. لكن تحويل الخطاب لأداة تفاوضية. أي أن المعادلة تصبح: قدرة عسكرية محدودة وتضخيمها إعلامياً و رفع مستوى التهديد لزيادة تكلفة تجاهل المطالب من اجل الحصول على تنازلات سياسية. وهذا أسلوب معروف وشائع في الصراعات الداخلية.
لكن لماذا الشمال والنيل تحديداً؟ لأن الحديث عن شمال السودان يحمل قيمة رمزية وسياسية كبيرة. فبدلاً من أن يكون الخطاب: “نريد حصة أكبر من السلطة” يتحول إلى: “إذا لم نحصل على حقوقنا، فإن الحرب يمكن أن تنتقل إلى المناطق التي كانت تعتبر آمنة.” وهذا من المفترض ان يغير حسابات الطرف الآخر.
ولكن هل يستطيع الزغاوة فعلاً “احتلال شمال السودان”؟ هذا ادعاء مختلف تماماً عن القدرة على شن هجمات أو الوصول إلى مناطق شمالية. فاحتلال شمال السودان والسيطرة عليه يحتاج إلى: قوات كبيرة ومستدامة وخطوط إمداد طويلة ووقود وذخائر وسيطرة على المدن والمطارات والطرق وقدرة على إدارة السكان وقبول أو تحالفات محلية وقوة جوية أو قدرة على تحييد الطيران وتمويل مستمر. وهذه متطلبات تختلف جذرياً عن القدرة على التوغل أو تنفيذ هجوم بعيد المدى. لذلك يجب عدم الخلط بين: القدرة على تهديد الشمال والقدرة على احتلال الشمال. فالأولى ممكنة بالنسبة لقوة مسلحة ذات حركة عالية، أما الثانية فهي مشروع عسكري وسياسي أكبر بكثير.
إذا افترضنا أن بعض النخب تستخدم هذا الخطاب بصورة مقصودة، فإن المكسب المتوقع ليس بالضرورة الأرض بل يمكن أن يكون: المكسب الأول: رفع قيمة التفاوض فكلما أصبح الطرف الآخر مقتنعاً بأن استمرار الحرب قد يوسع الجبهة، ترتفع قيمة التفاوض.
المكسب الثاني: انتزاع الاعتراف بالوزن السياسي فبدلاً من التعامل مع القوة باعتبارها “حركة إقليمية”، يجري التعامل معها باعتبارها طرفاً وطنياً لا يمكن تجاوزه. المكسب الثالث: تحسين شروط التسوية في دارفور في الإدارة والموارد والتعويضات والأمن المحلي والتمثيل في مؤسسات الدولة. المكسب الرابع: منع احتكار طرف واحد للدولة فالتهديد بفتح جبهة جديدة يمكن أن يستخدم لمنع الجيش أو أي قوة أخرى من فرض تسوية أحادية.
لكن هناك حدّ خطير لهذه الاستراتيجية
فالتهديد المبالغ فيه قد ينقلب على صاحبه. إذا تحول الخطاب من: “لدينا القدرة على الردع” إلى: “سنحتل الشمال ونحكم السودان” فقد ينتج عنه تحالف واسع ضد القوة التي تطلقه.
وهنا تتحول المعادلة من: دارفور تطالب بنصيب أكبر من السودان
إلى: الشمال والوسط والشرق وجزء من الغرب يشعرون بأنهم أمام مشروع توسعي. وهذا يضعف المكسب السياسي بدلاً من أن يزيده.
في تقديري، إذا أردنا قراءة الخطاب الزغاوي بأدوات ميزان القوى،
فان بعض النخب والقوى المسلحة الزغاوية تستخدم قدرتها العسكرية والانتشار الجغرافي وخطاب التهديد بالشمال لرفع سعرها السياسي في التسوية السودانية المقبلة.” وهنا تصبح المعركة الحقيقية ليست: من يحتل الشمال لكن من يملك حق تحديد شكل الدولة السودانية بعد الحرب، ومن يحصل على أي نسبة من السلطة والثروة والسلاح؟
