منـاهـج الخـيـانـة .. بقلم: عمـر العمـر
قناعتي ظلت ثابتة منذ وقت مبكر في غياب شروط رجل المرحلة المرتجى في أداء حمدوك. عديد من الرفاق والأصدقاء حاججوني بالمغالاة في ذلك الحكم .
لما ظلت قناعتي كذلك في إفتقاد أداء حمدوك للجسارة والنأي بنفسه عن المصادمة ،الشفافية والمكاشفة وركونه إلى محاولة إرضاء الجميع دون الجنوح إلى القول “اللعب على كل الحبال” كما يرى البعض .لذا جاء قراره المباغت في شأن المناهج الدراسية قفزة مغايرة كلية لنهجه المألوف. فالقرار ليس فقط قفزة خارج إطار الهرم البيروقرطي- أحد أصنام حمدوك صنيعة المؤسسات.
التجاوب مع حملة الغوغائيين والإستجابة العجولة لها ليست سوى حلقة في مسلسل الإرتداد على درب الثورة. ذلك مسلسل بدأ مبكرا في التشكيل الوزاري الأول ثم التعديل القسري فيه. وحده من على بصيرته غشاوة لا يرى ذلك .
في المقابل ليس مبتسرا القول وجود حمدوك نفسه في مواجهة عاصفة لا تهدأ دون وجود حائط يلوذ به محتميا أو ظهير يلجأ إليه مستعينا. قوى الحرية والتغيير أصابها الوهن والتفكك حداً لم يجد حمدوك حرجا في الهرب منه تشبثا- على الأقل – بطموحه الشخصي. كثر المحذرون للثيران البيض من فتح أبواب الخروج أمام الثيران السود والحمر لكن ما من استجابة إذ ظلت الغفلة أوسع من الرؤية. أحد مفاصل ضعف أداء حمدوك يتجسد في قصر نظره تجاه المشهد السياسي .هو لم ينفذ قط إلى القوة الحقيقية للحراك الجماهيري خلف خشبة المسرح. لو فطن الرجل إلى تلك القوى لامتشق الجرأة والشجاعة على خطوط الصدام الأمامية . هو سيصدم بهذه القوة لامحالة حال اتسعت قفزته على الضفة المقابلة من النهر.
لو اتسم حال الحاضنة السياسية لحكومة الثورة بقدر من الصلابة لتعالت أصوات – على الأقل- تطالب بعزل رئيس الوزراء كما حدث عقب مشهد الغوغائية الأميركية. علينا الإعتراف بنجاح القوى المضادة للثورة في استثمار تفكك معسكر الثورة، ضعف السلطة التنفيذية و قماشة شخصية حمدوك بالإضافة إلى سوء إدارة معركة الإشتباك حول قضية المناهج. الأستاذ القراي لم يقرأ المشهد كما ينبغي فيفلح في الإلتزام بمسؤولية الموظف المهني .هو أدار المعركة بدور الناشط السياسي وبعقلية الإخوة الجمهوريين متصيدي الجدل في ” ركن النقاش” . جذور المعركة وقواها سياسية ليست مهنية فنية. لذا خسر المدير الموظف أمام الخصوم السياسيين في غياب ع السند السياسي المطلوب.
لو برأنا حمدوك من تهم الإستسلام للقوى المناهضة للثورة أو التواطؤ معها كما يجنح البعض في التوصيف فلن ننجو حتما من الدهشة والحيرة. هذه أكثر خطوات حمدوك جرأة بغض النظر عن توجهها. هي خطوات لا تتسق البتة مع مجمل أداء الرجل المشهود له بالنأي عن كل نافذة ربما تحمل رياح المكاشفة، المواجهة الفرقة أو الإنقسام. ذلك ديدن حمدوك رغم هبوب عواصف دفعه بعضها للجأر بالشكايا من طراز هيمنة العسكر على جل عائداتنا القومية، تغول الجنرالات على سلطاته التنفيذية، الضائقات الإقتصادية الخانقة برقاب الشعب ،الإنفلات الأمني في الزي العسكري وقد تجاوز السلب والنهب في وضح النهار إلى حصد أرواح الفتية الواعدين. مما يزيد الحيرة جنوح حمدوك هذه المرة إلى كسر التزامه المفرط بالمؤسسية حداً جعله يسقط عمدا مع سبق الإصرار وزير التربية . هذا تجاوز لايتسق مع طبع حمدوك البالغ في التهذيب والأدب إذ يحار المرء لم فعل حمدوك ذلك بالتحديد مع رجل في ثقل محمد الأمين التوم فهو بالإضافة إلى عبقريته المشهود بها عالمياً في مصاف أستاذ حمدوك.
إذا سلمنا جدلا بمسؤولية مدير المناهج عن ألأخطاء المثارة في بعض المواد فهل صب قرار رئيس الوزراء في مسار تقويم الأخطاء ؟ من المفترض التأكد من أهلية المكلفين بإعادة المناهج. عملية التقويم تتطلب كفاءات أعلى ممن أنجزو المهمة المشكوك في سلامتها. السبيل إلى ذلك تأسيس شعب تربوية متخصصة كما كان الحال على عهد بخت الرضا. ليس من الحكمة مطلقا إسناد ذلك إلى لجان من الجمعيات الأهلية بغض النظر عن منابتها أو توجهاتها. تلك خطيئة تهبط بمستوى العملية التعليمية ولا ترفعه لأنها تصبح بين أيدٍ تفتقر إلى التخصص. ما سمعنا بمثل هذا في العالم من حولنا مثلما لم نسمع به في آبائنا الأولين. غايات هؤلاء التشبث بكل مناهج الخيانة الوطنية.
حمدوك لا يجهل أُسية تطوير المناهج التعليمية في إحداث قفزات حضارية في حياة الدول والشعوب . هو يدرك بالطبع بناء الإنقلاب النوعي في سنغافورة على تحديث العملية التعليمية . هو يعلم ذلك الدور المشابه في رفع ماليزيا إلى منافسة النمور الأسيوية. قائدا تلكما الوثبات كانا يراهنان على تطوير وعي شعوبهما بغية بناء دولة حديثة لكن أياً منهما لم يراهن على المرائين باللجوء إلى السماء لإحداث ذلك التغيير. سنغافورة صارت أكثر تشبثا بالتعاليم الكونفوشية وتمسكت ماليزيا بالهدى الإسلامي .مع ذلك في كليهما يجد الزائر بؤرا للفجور تضاهي ما لدى كوبنهاغن دون المساس بانجازاتهما الإنمائية. لو فتحنا تفسخ الحال زمن الإنقاذ لتضخم كتاب أسود دون إنجاز يذكر.
لا توجد تعليقات
