منى مجدي… سلامٌ لقلبك قبل فنّك

mohamedabdelgadir405@gmail.com

في زمن تتكاثر فيه أصوات الحرب وضجيج الشعارات، يطل أحيانًا صوت نقي يذكّرنا بأن هذا البلد ما زال فيه من يؤمن بالسلام والجمال. هكذا شعرت وأنا أشاهد الفيديو الأخير للفنانة الاستاذة منى مجدي. لم أكن قد استمعت كثيرًا لفنها، لكنني عرفتها أثناء محنتها مع مرض السرطان، ورأيت فيها آنذاك صبرًا رقيقًا، وفي صوتها في الفيديو الأخير مضاعفات المرض أو العلاج، لكنني رأيت أيضًا شجاعة الروح وصفاء النية.( أسأل الله أن يشفيها ويبلغها تمام العافية ولها مني كل الود والمحبة). في كلماتها البسيطة والهادئة رفضت منى مجدي شعار “بل بس” بوصفها فنانة لا ترى في الحرب إلا خرابًا ولا ترى في الفن إلا رسالةً للسلام والمحبة، وهذا الموقف يثبت أن الفن بطبيعته فعل وصل لا فصل، وترميم لا تمزيق، ومنذ أن وُجد الإنسان كانت الأغنية ضد القتل وكانت الريشة ضد الدم وكان المسرح صوت الضحايا لا صوت البنادق، والفن ليس حيادًا سلبيًا بل موقف إيجابي في صف الحياة، ومن هنا تأتي قيمة حديثها، فهي لم تتطرف ولم تتعالى بل عبّرت عن موقفها بصدق الفنان الذي يرى في الحرب اغتيالًا للجمال الذي هو مهنته ورسالة قلبه، ومن حقها علينا أن نشكرها على موقفها هذا.

قرأت ما كتبه المدعو (أحمد دندش) تعليقًا على الفيديو، فوجدت أمامي مشهدًا يصلح مادة للسخرية أكثر منه للحوار. رجل يقدم نفسه كمذيع صحفي وصانع محتوى وهو في الحقيقة مجرد بطل بوستات يكتب كما لو كان يُلقي علينا دروسًا في الوطنية، بينما لا يملك حتى القدرة على تركيب جملتين صحيحتين. يخلط الشعارات بالحقائق ويخرج نصه مثل تخريمة طويلة لا تعرف لها أولًا من آخر. يتقمص دور المذيع المحاور وهو لم يقدّم للناس سوى برنامج “بيض” اسمه التابوت. هذا الدندش نموذج حيّ لمن يضع نفسه طوعًا في موضع مسخرة وتندر العوام، فمن يقرأ تعقيبه لا يخرج إلا بانطباع أن صاحبَه يقتات على لقطات الفنانين ليصنع منها محتوى، مثل بائع فقاقيع الصابون، كثير من الهواء وقليل من الماء لا يغسل ولا ينظف. هذه ليست شجاعة في النقد ولا دفاعًا عن الوطن كما يتوهم، بل استعراض رخيص لشخصٍ بلا رصيد حقيقي.

والأطرف من كل ما كتبه دندش ليس “التخريمة” ، بل هذه الجوهرة التى ألقاها بثقة غريبة «بل بس لا تتناقض مع السلام، بل جاءت من الأساس ليعم السلام ربوع الوطن»… بالله هذا منطق أم نكتة؟! أى رأس فارغ يبتكر مثل هذا التفسير؟! شعار “بل بس” خرج من جوف حرب ودمار وهو يقدمه للناس على أنه حمامة سلام!! يا دندش هذا ليس تحليلًا سياسيا، هذا تحوير لغوي يصلح لمسابقة أطرف تبرير فى العام، يلبس الحرب ثوب السلام مثل من يلبس الذئب فروة الحمل ثم يطلب منا أن نصفق له! (قوم لف)

وأشد ما أثارني هو تلك التعليقات التي سخرت من شكل الاستاذة منى مجدي بسبب آثار المرض والعلاج، وهنا نتجاوز حدود الاختلاف السياسي إلى سقوط أخلاقي كامل، المرض ابتلاء من الله وقد يكون غدًا نصيب من يسخر اليوم، وأي تربية تسمح بسبّ المريض والاستهزاء بآثار علاجه وأي قلب يفرح بآلام الآخرين؟ هذه ليست حرية رأي بل قسوة وانعدام مروءة، ومن يهاجم شخصًا في لحظة ضعفه الجسدي يكشف عن ضعف نفسه الروحي، ومن يقف مع السلام لا يُعادي المرضى ومن يدّعي الكرامة لا يهين المبتلى، قيمنا السودانية الأصيلة تقوم على الستر والرحمة والتكافل لا على الشماتة، ومن يضحك على صورة فنانة تصارع المرض إنما يضحك على نفسه ويكشف تربيته أمام الناس.

منى مجدي بكلماتها الهادئة قدّمت درسًا صغيرًا في شجاعة الموقف، أن تقول “أنا ضد الحرب” في مناخ مسموم هو بطولة حتى لو سخر منها أصحاب “التخريمة”، والفن إذا انحاز للسلام يظل أصدق من ألف شعار، أما نحن فواجبنا أن نردّ على السخرية بمروءة وعلى الفطير من الكلام بالحجة وعلى المرض بالرحمة والدعاء حتى يبقى الوطن الذي نحلم به وطنًا للجمال لا للشماتة ووطنًا يسع الجميع حتى يعم السلام حقًا لا شعارًا.

محمد عبدالقادر محمد أحمد

عن محمد عبدالقادر محمد أحمد

محمد عبدالقادر محمد أحمد

شاهد أيضاً

كف ساموطي بقامة مجتمع كامل

mohamedabdelgadir405@gmail.com انتشر مقطع قصير لفتاة في عمر الثالثة عشرة، كانت في درس يفترض أنه للعلم، …