من أيام التونج/ نذر الخطر .. بقلم: هلال زاهر الساداتي
ولكن هنا الكواكب المضيئة في الرماح المشرعة لا تتهاوي ولكن تعلو وتتنخفض في الجو .. وكانت حلقات الرقص تمثل جميع القبائل التي تقطن المديرية واكثرها حلقات قبيلة الدينكا بافرعها المتعددة فهؤلاء دينكاأقار قاطنوا رمبيك وهؤلاء دينكا ثيت ودينكا اتويت .. وهؤلاء الجور والبونقو ، وكانت هذه الحشود الراقصة تقطر منها البهجة والحبور واصوات الغناء تعطر الجو ان صح التعبير ودقات النقارة وضرب الارض بالاقدام المحجلة تجعل المرء يتحرك في طرب رغما عنه وقد يتحرك الجماد ان كان يشعر ، واستقبلهم في مدخل المدينة مدير المدرسة الشانوية الاستاذ الكبير محمد الامين كعورة ورحب بهم ووكل احدهم ليدلهم وياخذهم الي مقر استضافتهم حيث ينزلون ، واخذهم الي منزل ضابط المنزل الحكومي الذي أعد للضيوف مع منازل ا خري ، وبعد قليل حضر ضابط المجلس الجنوبي من الخارج ورحب بهم اجمل ترحيب وعرفهم بنفسه واسمه تيتو ادبو وتزين جبينه ( فصادة ) الشلك ، ثم احضروا لهم العصائر الباردة واتبعوها بافطار شهي وكانوا ستة من الضيوف في المنزل كل اثنين في غرفة والمنزل والاثاث والاكسية في غاية النظافة والنظام وعين لهم خادمان لخدمتهم ، وامدوا كل واحد منهم بورقة مطبوعة عليها برنامج الاحتفال وكان البرنامج ممتلئا بالحفلات والاستقبالات ومن ابرز نقاطه اجراء الانتخابات في نفس اليوم واعلان النتيجة شم انعقاد الجلسة الاولي بقاعة المديرية والقاء خطاب الحاكم العسكري ، وفي المساء يلبي الضيوف دعوة العشاء الكبير الذي يقيمه مفتش الحكومة المحلية بداره وفي اليوم التالي يتفرج الضيوف علي حلقات الرقص المختلفة يليها في العصر يوم رياضي في الميدان الكبير بالبلدة لمختلف الالعاب الرياضية والالعاب الشعبية شم يبدأ في المساء ليلة مسرحية تقدم فيها فرق القبائل المختلفة اغانيها ورقصاتها ، وقد اقيم مسرح ضخم في الساحة وانير المسرح واساحة بالانوار الكهربائية واتي زودت بها من المدرسة الثانوية التي لديها مولد كهربائي .. وكان الضيوف يتناولون وجبات الطعام في مكان اقامتهم وكان الطعام جيدا وشهيا وبكرم مبالغ فيه علي عادة السودانيين وكان كل شيئ معدا بدقة وامتياز ، وقال العميد ان البلدة كلها كانت في حالة فرحة طاغية وكأنه العيد ، وكان العرض علي المسرح في اليوم التالي بالغا حد الروعة ، وبينما الكل في انسجام يتابعون العرض بتشوق انطفأت فجأة جميع الأنوار في المسرح والساحة ولم تمض سوي دقائق حتي احضروا رتائن اضاءت المسرح وجنبات الساحة واستمر العرض مما يدل علي تأهبهم وتحسبهم لأي طارئ وهو برهان آخر علي حسن الأعداد والتنفيذ وهو لا يستغرب من ذلك الرجل القائم علي رأس هذه العملية مفتش الحكومة المحلية الهمام صلاح قرشي ، ويذكر له العميد من قبل ان كان لديهم بالتونج مدرستان جاءتا من الشمال منقولتان الي رمبيك تنتظران في التونج وسيلة مواصلات لتحملهما الي هناك ، وصدف ان كان المفتش قرشي عائدا من واو في طريقه الي رمبيك والذاهب اليها لا بد ان يمر بالتونج التي تتوسط الاثنين وحدثه عن المدرستين ورحب باخذهما معه ، ولما كانت عربة الكومرلا تحمل غير اثنين من الراكبين في الامام مع السائق فقد امر المفتش السائق بأن يركب في صندوق العربة في الخلف وقام هو بقيادة العربة الي رمبيك واجلس المدرستين في المقعد الأمامي .. وقال العميد ان الحفل الممتع استمر وانفض قريبا من منتصف الليل وذهب الجميع منتشين ، وكانت ليلة من ليالي العمر لا تنسي ، وعندما وصلنا الي المنزل وجدنا حارسين من الجنود بسلاحهما ولم يكونا موجودين قبل ذلك وشعرنا بشيئ غير عادي وسألنا مرافقنا عن الأمر فاجاب انه كانت هناك خطة وضعها المتمردون للهجوم علي مكان الحفل وابادة كل الموجودين من الحاكم العسكري والمسئوليين الحكوميين ولكن قوة الجيش كشفت المؤامرة في الحظات الاخيرة واحبطتها وقبضت علي المتامرين وكان قطع الكهرباء بداية لتنفيذ العملية ، فقد قطعوا سلك الكهرباء الموصل من المولد بالمدرسة الي مكان الحفل…
helalzaher@hotmail.com
لا توجد تعليقات
