في العربية، تحمل بعض الكلمات داخلها حكاية كاملة، ولا تحتاج إلى كثير من الشرح حتى تفتح أمامك صورة مما يحدث في الحياة. ومن هذه الكلمات «أكدى»، وهي في أصلها أن يبلغ الحافر في حفره موضعا من الأرض صلبا، حجرا أو كُدية، فيتعذر عليه أن يمضي كما كان يمضي من قبل. يكون الحفر قد بدأ في تربة لينة، ثم تتغير طبيعة الأرض تحت المعول، فيكتشف الحافر أن ما أمامه لم يعد يشبه ما وراءه، وأن الاستمرار بالطريقة نفسها لم يعد يعني بالضرورة الوصول إلى الغاية نفسها.
ولعل هذه الصورة تستعيد شيئا من عبارة قيلت في بدايات الحرب، حين بدا أن الأمر يحتاج إلى حفر طويل، وأن الحفر لن يتوقف حتى لو بلغ من المشقة مبلغا يجعلهم، كما قيل يومها، يحفرون «بالإبرة». كانت العبارة تحمل معنى الإصرار على المضي، وكأن الزمن وحده كفيل بأن يفتح الطريق، وكأن الأرض مهما استعصت ستظل قابلة للحفر ما دام الحافر متمسكا بأداته.
لكن أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب جعلت الصورة تنقلب على نفسها، فالحفر الذي كان يفترض أن يبلغ غاية محددة لم يعد حكاية عن طريق إلى مكان، وإنما صار حكاية عن بلد بأكمله أخذت الحرب تحفر فيه طبقة بعد أخرى، حتى لم يعد من السهل التمييز بين ما كان حفرة في الطريق وما صار حفرة في حياة الناس، وبين ما كان أثرا عابرا للعنف وما تحول إلى واقع يومي يعيد تشكيل البلاد من داخلها.
فالحرب لم تبق في حدود الميدان، وإنما امتدت إلى البيوت التي غادرها أهلها، والمدن التي تغيرت ملامحها، والأسواق التي فقدت انتظامها، والمزارع التي تعطلت، والمصانع التي توقفت، والمدارس والجامعات والمستشفيات التي لم تعد تؤدي وظائفها كما كانت، والأحياء التي انقطعت عنها صلاتها القديمة، والأسر التي وجدت نفسها موزعة بين جهات لم تخترها، تحمل ما استطاعت حمله من أشيائها وذكرياتها، وتترك وراءها حياة كاملة لم تعرف إن كانت ستعود إليها أم ستظل معلقة في مكان ما بين الماضي والمجهول.
وهنا ربما تكمن الكُدية الحقيقية.
فبعد كل هذا الزمن، لم تعد الكُدية مجرد موضع صلب يعترض الحافر في باطن الأرض، وإنما صار السودان نفسه هو الأرض الصلبة التي اصطدم بها الحفر، بكل ما تراكم عليها ومن تحتها من خسائر بشرية واجتماعية واقتصادية، وبكل ما انكشف فيها من هشاشة لم تكن الحرب قد صنعتها وحدها، لكنها دفعتها إلى السطح وكشفت قسوتها على نحو لم يعد ممكنا تجاهله.
والإنسان السوداني هو أول من دفع ثمن هذه الكُدية، فقد أصبح النازح جزءا من المشهد اليومي، والمهاجر يحمل وطنه في حقيبة وذاكرة، واللاجئ يعيد ترتيب حياته في مكان لم يكن يعرف أنه سيصبح يوما ملجأ له، بينما وجد آخرون أنفسهم عائدين إلى أماكن تركوها تحت ضغط الحرب والظروف، لا لأن الطريق صار آمنا أو لأن الحياة استعادت عافيتها، وإنما لأن الخيارات ضاقت حتى لم تعد العودة تعني اختيارا. وبين هؤلاء جميعا تتوزع حكايات بيوت فقدت أصحابها، وأسر افترقت، وأطفال كبروا في غير الأمكنة التي كان يفترض أن يكبروا فيها، وأجيال كاملة أخذت الحرب من ذاكرتها أشياء كان ينبغي أن تكون جزءا طبيعيا من طفولتها وشبابها.
ولم يتوقف الحفر عند الإنسان، فقد امتدت آثاره إلى الاقتصاد، حتى بدا أن الحرب لم تكتف باستنزاف الحاضر وإنما أخذت تحفر في قدرة السودان على استعادة المستقبل. اقتصاد أنهكته سنوات القتال، وأسواق فقدت استقرارها، ومداخيل تآكلت، وأسعار أخذت تبتعد عن قدرة الناس على اللحاق بها، وعملة تراجعت قيمتها بصورة قاسية، ووصلت إلى مستويات قياسية تجعل الأزمة أكبر من مجرد تدهور في سعر الصرف، لأنها تمس قدرة الإنسان على أن يخطط ليومه، وأن يحتفظ بما يكفيه، وأن يدخر لتعليم أبنائه أو علاجه أو مشروعه، وأن يصدق أن ما يكسبه اليوم ستكون له قيمة غدا.
وحين تفقد العملة معظم قيمتها، لا يخسر الناس أرقاما مكتوبة على الأوراق وحدها، وإنما يخسرون جزءا من قدرتهم على ترتيب حياتهم، ويصبح المستقبل نفسه أكثر كلفة وأقل وضوحا، ويتحول الاقتصاد من أداة لتنظيم الحياة إلى شاهد آخر على مقدار ما فعلته الحرب بالبلاد. ومن هنا فإن إنقاذ الاقتصاد لم يعد ملفا منفصلا عن إنقاذ الإنسان، كما أن استعادة قيمة العملة ليست شأنا ماليا محضا، وإنما جزء من استعادة شيء من قدرة السوداني على أن يعيش حياة يمكن التنبؤ بخطوطها العامة.
وهكذا تتسع الحفرة كلما طال الحفر، ويتغير معنى الوصول كلما طال الطريق. فما كان يبدو في البداية صراعا يمكن أن يحسمه تغير في موازين القوة، صار بعد هذه السنوات واقعا أكثر تعقيدا، لأن البلاد نفسها تغيرت، والناس تغيروا، والاقتصاد تغير، والعلاقات الاجتماعية تبدلت، وأشياء كثيرة لن تعود إلى مواضعها القديمة بمجرد أن تتوقف أصوات القتال.
ذلك أن الحروب قد تبدأ في الخرائط، لكنها لا تنتهي فيها، وقد تتحرك الجبهات من مكان إلى آخر، لكن آثارها تمضي في اتجاهات أوسع من الجغرافيا، فتدخل البيوت والأسواق والذاكرة واللغة والعلاقات، وتترك وراءها خسائر لا تعالجها موازين القوة وحدها، لأن خسارة بيت لا تعالجها خريطة، وفقدان العمر لا تعوضه تسوية، وانهيار اقتصاد لا يصلحه إعلان نهاية، وتمزق مجتمع لا يلتئم بمجرد أن تصمت البنادق.
ولذلك فإن الحكاية بعد هذه السنوات لم تعد متعلقة فقط بما إذا كان الحفر قد بلغ غايته، وإنما بما وجده الحافر عندما وصل إلى هذه الطبقة العميقة من الأرض، وما بقي حول الحفرة بعد أن طال الحفر إلى هذا الحد. فقد يكون الهدف الذي بدأ من أجله الحفر ما زال قائما في مكان ما من الحسابات، لكن السودان الذي جرى الحفر فيه لم يعد هو السودان الذي كان عند البداية.
وهنا يصبح معنى «أكدى» أكثر اتساعا من مجرد توقف المعول أمام حجر، لأن الكُدية هذه المرة ليست شيئا منفصلا عن الطريق، بل هي الطريق نفسه وقد تغيرت طبيعته، وليست عائقا يمكن تجاوزه بحفرة أعمق، وإنما واقع كامل يحتاج إلى طريقة أخرى في النظر إليه، وإلى قدرة على الاعتراف بأن بعض الخسائر لا تعود كما كانت بمجرد أن ينتهي سببها المباشر.
ليس في الأمر حاجة إلى إعلان منتصر أو مهزوم بقدر ما هناك حاجة إلى النظر طويلا إلى ما تركته الحفرة وراءها، وإلى الإنسان الذي خرج منها مثقلا بما فقد، وإلى بلد تفرقت أطرافه بين نازح ومهاجر ولاجئ وعائد، وإلى اقتصاد أكلت الحرب من قدرته، وإلى عملة فقدت معظم قيمتها، وإلى أجيال ستحتاج إلى وقت أطول بكثير من زمن الحرب حتى تستعيد شيئا من الطمأنينة التي سُلبت منها.
وربما لهذا تبدو العبارة القديمة، «سيحفرون بالإبرة»، اليوم كأنها خرجت من سياقها الأول لتقول شيئا آخر. فالحفر الطويل لا يقاس فقط بعمق الحفرة، وإنما بما تكشفه الطبقات التي يصل إليها الحافر، وقد يصل في لحظة ما إلى موضع لا تعود فيه المشكلة في قوة الأداة، لأن الأرض نفسها تكون قد تغيرت، ويكون الحافر قد اصطدم بما لم يكن في حساباته عندما بدأ.
تلك هي الكُدية التي تبدو اليوم في وجه السودان: إنسان أنهكته الحرب، وبلد تفرقت خريطته الاجتماعية، واقتصاد استنزف، وعملة تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة، وبيوت تنتظر أهلها، وأهل يحملون بيوتهم في الذاكرة، وعودة لا تعني دائما استعادة الحياة القديمة، ومستقبل يحتاج إلى أكثر من توقف الحرب حتى يبدأ من جديد.
فقد يكون الحافر قد أكدى، لكن الكُدية هذه المرة ليست صخرة في باطن الأرض؛ إنها السودان نفسه، بكل ما أصابه، وبكل إنسان تفرق في الجهات، وبكل بيت ينتظر عودة أهله، وبكل نازح ومهاجر ولاجئ وعائد دفعته الظروف إلى طريق لم يختره، وباقتصاد أنهكته الحرب حتى بات إنقاذ ما تبقى منه جزءا من إنقاذ السودان نفسه.
وربما كان أصعب ما في الحكاية أن الحافر لم يجد في آخر الحفرة حجرا يقف أمامه، وإنما وجد وطنا كاملا يحتاج إلى أن يتوقف الحفر فيه، قبل أن يصبح الوصول إلى القاع هو الشيء الوحيد الذي تبقى من الطريق.
م. معاوية ماجد
