وجدي كامل
لم تنته ثورة 1924 بانتهاء المعارك في شوارع الخرطوم، ولا بمقتل عبد الفضيل الماظ، ولا باعتقال قادتها. فالهزيمة الحقيقية جاءت بعد ذلك، حين بدأت الإدارة البريطانية تعيد ترتيب المشهد كله بحيث لا تتكرر الثورة مرة أخرى.
كان الدرس الذي خرجت به السلطة الاستعمارية واضحًا؛ فالمشكلة لم تكن في عدد الضباط الذين تمردوا، ولا في الطلاب الذين خرجوا إلى الشوارع، وإنما في المجال الذي سمح لكل هؤلاء أن يلتقوا في لحظة واحدة. لذلك لم يكن المطلوب إخماد الثورة فحسب، بل إعادة تنظيم الحياة العامة نفسها.
ومنذ ذلك الوقت، أخذت السياسة في السودان تتغير بهدوء. لم تعد المواجهة المباشرة هي الطريق الوحيد للتعبير عن المطالب الوطنية، بل بدأت تظهر مسارات أخرى أكثر هدوءًا وأقل صدامًا؛ الجمعيات، والمنتديات، والتعليم، والعمل الثقافي، والعمل الأهلي. لم يكن ذلك يعني أن السياسة اختفت، بل إنها غيرت ثيابها.
ولم يكن البريطانيون وحدهم من صنع هذا التحول. فجيل الخريجين نفسه بدأ يقتنع، تدريجيًا، بأن الطريق الذي سلكته ثورة 1924 لم يعد مفتوحًا. ولم يكن هذا الاقتناع دائمًا تعبيرًا عن الخوف، بقدر ما كان اعترافًا بأن ميزان القوى قد تغير، وأن تحقيق المطالب الوطنية يحتاج إلى أدوات مختلفة عن تلك التي حملها جيل الثورة.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، انتقل مركز السياسة من الشارع إلى المؤسسة. وأصبحت المذكرة، واللجنة، والاجتماع، والوفد، وسائل للعمل الوطني لا تقل أهمية عن المظاهرة والاحتجاج. ومع هذا الانتقال تغير معنى الزعامة نفسها؛ فلم يعد القائد هو من يستطيع أن يقود الناس إلى المواجهة، بل من يستطيع أن يتحدث باسمهم، ويتفاوض نيابة عنهم، ويقنع السلطة بأنه يمثلهم.
ولو أردنا تلخيص ما جرى خلال تلك السنوات في عبارة واحدة، لقلنا إن السودان انتقل من سياسة الشارع إلى سياسة المؤسسة. ولم يكن مؤتمر الخريجين سوى التعبير الأكثر نضجًا عن هذا التحول.
لكن السياسة لم تكن وحدها هي التي تغيرت. فبينما كانت النخبة تبحث عن أساليب جديدة للعمل الوطني، كانت تبحث أيضًا عن لغة جديدة تتحدث بها، وعن فضاء ثقافي جديد تنتمي إليه.
وهنا تبدأ قصة أخرى، لا تقل أهمية عن الأولى. فبعد أن تغيرت قواعد العمل السياسي، بدأت تتغير، بهدوء، المرجعيات التي تفكر بها النخبة السودانية نفسها. لم تعد السياسة وحدها هي ميدان صناعة الوطنية، بل أخذت الثقافة تتقدم إلى الواجهة، حتى بدا وكأن ما خسرته الحركة الوطنية في الشارع تحاول أن تستعيده في الصحيفة، وفي الكتاب، وفي المدرسة، وفي الندوة الأدبية. وإذا كانت ثورة 1924 قد جمعت الضابط والطالب في ميدان واحد، فإن سنوات الثلاثينيات جمعت الكاتب والمعلم والصحفي في ميدان آخر، لا تقل معاركه عمقًا، وإن كانت أقل ضجيجًا.
لم يكن ذلك مجرد انتقال من السياسة إلى الثقافة، كما قد يبدو لأول وهلة، بل كان انتقالًا للسياسة نفسها إلى الثقافة. فما لم يعد ممكنًا قوله في المظاهرة، أصبح يُقال في المقالة. وما لم يعد ممكنًا تنظيمه في الشارع، بدأ يتشكل في الجمعية الأدبية والنادي الثقافي. وهكذا تحولت الثقافة إلى المجال الذي واصلت فيه الوطنية السودانية نموها، بينما بدا المجال السياسي، في ظاهره على الأقل، أكثر هدوءًا وانضباطًا.
ولذلك لم يكن ازدهار الصحافة، ولا شغف الخريجين بالأدب العربي، ولا العناية باللغة والبلاغة، مجرد ظواهر ثقافية منفصلة عن سياقها السياسي. كانت تلك، في جوهرها، أدوات لإعادة بناء الذات الوطنية بعد أن أُغلقت أبواب الثورة. فاللغة لم تكن مجرد لغة، وإنما أصبحت وطنًا مؤقتًا. والأدب لم يكن ترفًا ثقافيًا، بل أصبح وسيلة للبحث عن تعريف جديد للسودان ولأهله.
ومن هنا يمكن فهم الحضور المتصاعد لمصر في وعي جيل الثلاثينيات. لم تكن مصر بالنسبة إلى هؤلاء مجرد دولة مجاورة، ولا مجرد شريك في وادي النيل، وإنما كانت نافذة يطلون منها على عالم عربي يعيش نهضة فكرية وأدبية وسياسية واسعة. فمن القاهرة جاءت الكتب والمجلات، ومنها جاءت أسماء العقاد وطه حسين والمازني والرافعي والزيات، ومنها جاءت لغة جديدة في التفكير والكتابة والنقد. ولم يكن الخريجون يقرأون هؤلاء لأنهم مصريون، وإنما لأنهم وجدوا فيهم نموذجًا للحداثة العربية التي كانوا يبحثون عنها.
ولذلك فإن السنوات التي تلت هزيمة 1924 شهدت، لأول مرة، انتقال مركز الجاذبية الثقافية للنخبة السودانية بصورة واضحة نحو المشرق العربي. ولم يكن هذا الانتقال نتيجة خطة سياسية، كما لم يكن مجرد امتداد طبيعي للعلاقة مع مصر، وإنما جاء استجابة لحاجة فكرية عميقة. فقد كانت النخبة، بعد انكسار مشروعها الثوري، تبحث عن مرجعية جديدة تعيد بها تعريف نفسها، فوجدتها في الثقافة العربية الحديثة أكثر مما وجدتها في السياسة المصرية نفسها.
وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات تلك المرحلة. ففي الوقت الذي أخذت فيه النخبة تستعير لغتها الثقافية من النهضة العربية، كانت تستعير أدواتها السياسية من التجربة البريطانية. كانت تكتب بلغة العقاد، لكنها تدير اجتماعاتها وفق قواعد اللجنة، وتكتب مذكراتها بأسلوب الإدارة، وتؤسس جمعياتها وفق النظم التي أرستها الدولة الاستعمارية. ولذلك لم تتشكل النخبة السودانية الحديثة على صورة واحدة، وإنما عند نقطة التقاء عالمين مختلفين؛ عالم عربي منحها لغتها ورمزيتها الثقافية، وعالم بريطاني منحها أدوات التنظيم والإدارة والعمل المؤسسي.
وهذه الازدواجية ليست تفصيلًا صغيرًا في تاريخ الحركة الوطنية، بل ربما كانت أحد مفاتيحها الكبرى. فمنها خرجت شخصية سياسية تتحدث عن الأمة بلغة النهضة العربية، لكنها تمارس السياسة بمنطق المؤسسة الحديثة. ومن هذا التزاوج، أكثر مما خرج من أي مصدر آخر، ولد مؤتمر الخريجين.
ولم يكن المؤتمر، عند ظهوره، مجرد جمعية تجمع أصحاب الشهادات، كما قد يوحي اسمه. كان، في الحقيقة، إعلانًا عن ميلاد نوع جديد من القيادة. فقد أصبح التعليم، لأول مرة، مصدرًا للنفوذ السياسي. وأصبحت الشهادة الدراسية، إلى جانب المكانة الاجتماعية، تمنح صاحبها حقًا ضمنيًا في الحديث عن الشأن العام. ولم يعد الخريج مجرد موظف في جهاز الدولة، بل أخذ يتحول، شيئًا فشيئًا، إلى ممثل للأمة في مواجهة الدولة.
ومن هنا اكتسب المؤتمر مكانته. لم تكن أهميته في عدد أعضائه، ولا في لوائحه، وإنما في أنه خلق فضاءً جديدًا أصبحت فيه النخبة تتعرف إلى نفسها باعتبارها جماعة لها رسالة وطنية مشتركة. فقبل المؤتمر كان الخريجون أفرادًا يعمل كل منهم في موقعه، أما بعده فقد أصبحوا طبقة سياسية وثقافية تدرك أن لها دورًا يتجاوز الوظيفة والتعليم.
ولهذا السبب أيضًا لم يكن الانضمام إلى المؤتمر مجرد عضوية في جمعية، بل كان نوعًا من الاعتراف. الاعتراف بأن صاحبه ينتمي إلى الفئة التي يحق لها التفكير في مستقبل البلاد، وإبداء الرأي في شؤونها، والتحدث باسمها. لقد كان المؤتمر يمنح رأس مال لا يقل قيمة عن رأس المال الاقتصادي؛ كان يمنح المكانة، والهيبة، وحق التمثيل.
ومنذ تلك اللحظة بدأ معنى السياسة في السودان يتغير مرة أخرى. فلم تعد السياسة مجرد صراع مع الاستعمار، بل أصبحت أيضًا صراعًا داخل النخبة نفسها. صراعًا حول من يتحدث باسم السودان، ومن يملك حق تعريف المصلحة الوطنية، ومن يستطيع أن يقنع المجتمع بأنه الأجدر بالقيادة.
ولذلك، عندما انقسم مؤتمر الخريجين في الأربعينيات، لم يكن الذي انقسم مجرد جمعية. الذي انقسم هو ذلك الإجماع الأول حول من يمثل الوطن. ومنذ تلك اللحظة أخذت كل جماعة تبني لنفسها رواية خاصة عن السودان، وتقدم نفسها بوصفها الوريث الشرعي للحركة الوطنية.
ولهذا تبدو الأحزاب التي خرجت من رحم المؤتمر أقل اختلافًا مما توحي به شعاراتها. فقد اختلفت في موقفها من مصر، وفي علاقتها بالطوائف، وفي برامجها السياسية، لكنها اشتركت جميعًا في أمر واحد؛ أنها رأت نفسها الممثل الحقيقي للأمة. ولم يكن التنافس بينها يدور حول إدارة الدولة وحدها، وإنما حول احتكار حق الحديث باسم السودان نفسه.
وهنا، في تقديري، وقع التحول الأهم في تاريخ السياسة السودانية الحديثة. فابتداءً من أواخر الثلاثينيات لم تعد السياسة ساحة للتنافس على السلطة وحدها، وإنما أصبحت أيضًا ساحة للتنافس على الشرعية. وأصبح الوصول إلى الحكم يمر أولًا عبر إقناع المجتمع بأن هذا الحزب، أو ذلك الزعيم، هو التعبير الأصدق عن الإرادة الوطنية.
ولعل هذا ما يفسر ظاهرة ستتكرر في التاريخ السوداني مرات عديدة؛ فكل قوة سياسية جديدة لم تبدأ بالمطالبة بالسلطة، بل بدأت بالمطالبة بالاعتراف. كانت تحاول أولًا أن تثبت أنها تمثل السودان الحقيقي، ثم تنتقل بعد ذلك إلى الصراع على الحكم. ومن هنا جاءت كثافة الخطاب الأخلاقي في السياسة السودانية؛ فالأحزاب لم تكن تعرض نفسها باعتبارها منافسًا سياسيًا فحسب، وإنما باعتبارها صاحبة الرسالة الوطنية الأصح.
بهذا المعنى، فإن السنوات التي أعقبت هزيمة ثورة 1924 لم تؤسس مؤتمر الخريجين وحده، ولم تمهد لظهور الأحزاب الحديثة فحسب، وإنما أسست شيئًا أعمق من ذلك كله؛ أسست القواعد التي سيجري داخلها التنافس السياسي في السودان طوال العقود اللاحقة. فقد تغيرت وسائل العمل، وتغيرت صورة الزعامة، وتغيرت العلاقة بين المثقف والسياسي، لكن الأهم أن معنى الشرعية نفسه قد تبدل. فمنذ ذلك الوقت لم يعد يكفي أن يمتلك الفاعل السياسي القوة، بل أصبح مطالبًا، قبل كل شيء، بأن يمتلك حق التمثيل.
ولذلك، إذا نظرنا إلى الفترة الممتدة بين هزيمة ثورة 1924 وقيام مؤتمر الخريجين بوصفها مجرد مرحلة انتقالية، فإننا نفقد معناها الحقيقي. فهي لم تكن سنوات انتظار، ولا سنوات فراغ سياسي، وإنما كانت سنوات إعادة تشكيل بطيئة وعميقة للسودان الحديث. ففيها تغيرت لغة السياسة، وتبدلت أدواتها، وأعيد تعريف النخبة، وتكونت قواعد الشرعية الجديدة، وبدأ السودان، للمرة الأولى، يعيد تموضعه داخل فضاء ثقافي وسياسي أوسع من حدوده الجغرافية. وبهذا المعنى، لم تكن تلك السنوات مجرد ما بعد ثورة، وإنما كانت لحظة تأسيس جديدة، خرج منها السودان الذي سيعرفه القرن العشرون.
wagdik@yahoo.com
