افق بعيد
فيصل محمد صالح
كتبنا في العمود السابق عن الاختلاف وأدب الحوار، وسجلنا ملاحظات على وقائع وأحداث تكشف عمق أزمة الحوار، تشمل استخدام أساليب الإساءة والشتم، وتجاهل المواقف والتركيز على الأشخاص، والسعي نحو تسجيل النقاط ولو على حساب الحقيقة.
في الأسبوع الماضي حدثت أكثر من واقعة تشي بأن الأمر لم يعد محصورًا حول وسائل وأساليب الحوار، وإنما تعدى ذلك إلى مرحلة أعنف في التعامل مع الآخر المختلف سياسيًا، تشمل التهديد بالقتل والتصفية الجسدية.
طبيعي أن مثل هذه التهديدات لا يكتبها أشخاص معروفون بأسمائهم، وإنما يختبئون خلف أسماء وهمية ومختلقة تجنبًا للمحاسبة القضائية. وعندما تتكرر التهديدات وتأتي من صفحات ومواقع متعددة، فذلك يعني أن هناك حملة منظمة وراءها غرف إلكترونية وجهات داعمة ومنسقة.
يعتقد بعض الناس أنه، وطالما أن المصادر مجهولة، فإن الأمر لا يستحق الانتباه، وأن من الأفضل تجاهل الأمر واعتباره كأنه لم يكن. وقد يمضي البعض إلى السخرية من كل القصة واعتبارها محاولة للشهرة وإضفاء البطولة، وهذا أمر خاطئ.
في كثير من الأحيان يبدأ العنف بكلمة، ويتم تكرارها حتى يعتاد عليها الناس، ثم سرعان ما يتحول إلى فعل، وفي تاريخنا والتاريخ البشري ما يؤكد ذلك.
يجب الوقوف بقوة ضد تهديدات العنف والقتل منذ بدايتها، ومحاصرتها، ومتابعة وفضح منتجيها ومن يقف وراءهم.
ومن المؤسف استهانة البعض، ممن نظن بهم خيرًا، بمثل هذا السلوك وهذه الظاهرة، والتعامل معها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من سلوك الاختلاف السياسي المقبول.
لا نحتاج إلى أن نذكر الناس بأن العنف أعمى، وأنه حين يبدأ ويتنامى يصبح دوامة لا تفرق بين العدو والصديق، ولا بين المجرم والبريء. وحين يصبح العنف هو سلاح الحوار وأداته النهائية، فعلى البلاد والمجتمع السلام.
لدينا ميادين قتال مشتعلة تسيل فيها دماء شباب في ريعان العمر، تفقدهم أسرهم وتفقدهم بلادهم، وتتعرض المنشآت المدنية للتدمير: جامعات ومستشفيات ومساكن المواطنين. وبدلًا من بذل الجهد لوقف الحرب واستدامة السلام، يحاول البعض نقل العنف إلى الفضاء الإسفيري.
كثير من الأعمال الصحفية الاستقصائية التي قام بها شباب الصحفيين والصحفيات أثبتت أن النساء أكثر من يتعرضن للعنف اللفظي والتهديدات والإساءات في الفضاء الإسفيري، بغرض إرهابهن وإسكات أصواتهن.
تتعدد صنوف الإرهاب، والتهديد بالعنف والقتل واحد منها، وينبغي التصدي له والتضامن مع من يتعرضون له، فالساقية دوارة
