عند بحث الحوار السياسي مع الحركة الإسلامية السودانية، لا يكفي السؤال عما إذا كانت تقبل الحوار. الأهم هو تحديد طبيعتها: هل هي حزب سياسي يمكن مساءلته وتداول السلطة معه، أم تنظيم راكم خلال عقود شبكة من المصالح والعلاقات داخل الدولة والاقتصاد والأمن والمجتمع؟
التنظيم الذي حكم طويلاً لا يدخل الحوار كفاعل سياسي عادي، بل يحمل إرثاً من النفوذ والامتيازات ومراكز القوة. لذلك لا يكفي اختبار خطابه أو تصريحات قيادته، بل يجب معرفة ما إذا كان قادراً على فصل نفسه عن شبكات الدولة والمصالح، وقبول قواعد سياسية متساوية، والتخلي عن النفوذ من دون اللجوء إلى التعطيل أو القوة أو المؤسسات الموازية.
توضح تجربة الإنقاذ أن سيطرة الإسلاميين على الدولة لم تكن سياسية فقط، بل شملت إعادة تشكيل شبكات الاقتصاد والوظائف والرعاية والمؤسسات، فيما عُرف بـ«التمكين». ونتج عن ذلك نشوء نخبة تجارية وسياسية مرتبطة بالنظام، وتغلغل التنظيم في مؤسسات الدولة والمجتمع.
وكانت السيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية جزءاً من مشروع تثبيت النفوذ، لا هدفاً منفصلاً. أما بناء مليشيات إسلامية مثل «البراء بن مالك» و«البنيان المرصوص»، فيشير إلى تحول من السيطرة على مؤسسات الدولة إلى ضبط التنظيم نفسه، وتعزيز التزام مكوناته بقرارات القيادة.
بعد عقود، لا يعود التنظيم مجرد جماعة تتبنى الفكرة نفسها، بل يصبح شبكة من المصالح والعلاقات والموارد. لذلك يطرح الحوار سؤالاً أساسياً: إذا ارتبطت مصالح فئات معينة ببقاء النفوذ، فهل يكون التنازل السياسي مجرد تنازل، أم تهديداً لمصالحها ووجودها؟
هنا يختلف الحوار مع حزب سياسي عادي عن الحوار مع تنظيم ارتبط تاريخياً بالدولة وشبكات اقتصادية وأمنية واجتماعية واسعة.
يتطلب أي اتفاق سياسي أن تكون الجهة الموقعة قادرة على اتخاذ القرار وإلزام أعضائها ومراكز القوة التابعة لها بتنفيذه. لذلك لا يكفي السؤال: هل وقع ممثلو التنظيم الاتفاق؟ بل يجب معرفة ما إذا كانوا قادرين على تنفيذه.
قد تكون القيادة مستعدة للتسوية، بينما ترى مراكز أخرى داخل التنظيم أن التسوية تهدد مصالحها. عندها يصبح الاتفاق عرضة للالتزام الانتقائي: قبول ما يحقق مكاسب وتعطيل ما يمس النفوذ.
وتزداد المشكلة تعقيداً إذا كان التنظيم متعدد المراكز. فمن يمثله فعلاً؟ القيادة السياسية، أم القيادات التاريخية، أم رجال الأعمال، أم القيادات الأمنية السابقة، أم الكوادر الموجودة داخل الدولة، أم المشرفون على التشكيلات المسلحة؟
إذا لم تكن الإجابة واضحة، فإن توقيع مجموعة من الأشخاص لا يعني التزام جميع مراكز القوة. وهنا يتحول الحوار من تفاوض بين طرفين إلى تفاوض مع شبكة من القوى.
لا يعني تحول التنظيم إلى شبكة مصالح اختفاء العقيدة. فقد تتعايش داخله
العقيدة والمصلحة والبراغماتية السياسية.
وقد تُستخدم العقيدة لتبرير المصالح، كما تُستخدم المصالح للحفاظ على التنظيم الذي يحملها.
لذلك قد يبدو التنظيم براغماتياً في مرحلة، ثم يعود إلى خطاب أيديولوجي متشدد في مرحلة أخرى. فالمهم ليس اختفاء العقيدة، بل تغير وظيفتها داخل التنظيم.
وقد تؤدي المليشيات العقائدية وظيفتين معاً: مواجهة الخصوم، وفرض الولاء والانضباط داخل التنظيم. وهذا قد يعكس تشدداً أيديولوجياً، لكنه قد يكشف أيضاً عن أزمة ثقة داخلية وحاجة القيادة إلى أدوات مباشرة لضمان تنفيذ قراراتها.
إذا كان الهدف تسوية سياسية حقيقية، فلا ينبغي أن يقتصر الحوار على اجتماع للنخب وتوقيع وثيقة. يجب أن يشمل:
تحديد الأطراف التي تملك القرار فعلياً، بما فيها القيادات السياسية والعسكرية والأمنية والمشرفة على التشكيلات المسلحة.
معرفة مدى استعدادها للتخلي عن استخدام الدولة أو المؤسسات الأمنية والاقتصادية والمليشيات لتحقيق أهداف سياسية.
وضع التزامات واضحة وقابلة للقياس، مرتبطة بمواعيد زمنية.
إنشاء آلية مستقلة لمراقبة التنفيذ.
منع أي طرف من استخدام القوة أو المؤسسات الموازية لفرض تفسيره للاتفاق.
التأكد من قدرة القيادة الموقعة على إلزام المليشيات والقواعد التنظيمية والقيادات المتنافسة.
بهذا يصبح الحوار عملية سياسية مؤسسية، لا تفاهمًا شخصياً بين قيادات.
لا ينبغي أن تقوم السياسة على الثقة الشخصية. السؤال الأهم هو: هل يمكن بناء نظام يجعل الالتزام بالاتفاق مصلحة، ويجعل خرقه مكلفاً ومكشوفاً، بصرف النظر عن هوية الموقعين؟
إذا توفرت هذه الضمانات، يصبح الحوار ممكناً حتى مع خصم لا توجد ثقة تاريخية معه. أما إذا اعتمد الاتفاق على حسن نية القيادة، بينما تملك مراكز أخرى القدرة على تعطيله أو فرض إرادتها، فإن الفشل يصبح مشكلة بنيوية لا أخلاقية فقط.
كما يجب التمييز بين الحوار والتسوية. فالحوار ليس بالضرورة تنازلاً، والتفاوض ليس بالضرورة مصالحة، والاعتراف بحق المشاركة السياسية لا يعني الاحتفاظ بمراكز القوة التي نشأت خلال احتكار الدولة.
الاختبار الحقيقي لأي تنظيم كان جزءاً من نظام سلطوي هو موقفه من تداوول السلطة، وقبول نتائج الانتخابات، وحياد الدولة، وخضوع النشاط الاقتصادي للقانون، وتفكيك الامتيازات، واحتكار الدولة للسلاح، وإخضاع المليشيات للسلطة المدنية، وقبول التحول إلى حزب سياسي عادي.
المشكلة ليست في استحالة الحوار مع الإسلاميين، ولا في افتراض التزامهم التلقائي بأي اتفاق. المشكلة أن الحوار مع تنظيم ارتبط بالدولة وشبكات المصالح لا يمكن أن يعامل كحوار عادي بين حزبين. فقد يكون الطرف المقابل بنية نفوذ تضم مصالح سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية، وترى في تداول السلطة تهديداً مباشراً لمواقعها.
كما أن الانتقال من السيطرة على مؤسسات الدولة إلى بناء مليشيات إسلامية قد يعكس محاولة لإعادة تنظيم القوة داخل المعسكر الإسلامي، وفرض الالتزام بقرارات القيادة ومنع الانشقاق أو التفاوض المنفرد. وهذا يجعل الحوار أكثر تعقيداً، لأنه يتعامل مع تنظيم يستخدم أدوات مسلحة لضبط مراكزه الداخلية.
لذلك يجب أن يقوم أي حوار جاد على شروط واضحة: دولة محايدة، احتكار الدولة للسلاح، خضوع النشاط الاقتصادي للقانون، كشف المصالح والموارد، تفكيك الامتيازات المرتبطة بالسلطة، إخضاع التشكيلات المسلحة للسلطة المدنية، ومراقبة مستقلة للتنفيذ ومعاقبة الخرق.
المشاركة السياسية حق، لكنها لا تعني الحصانة من المساءلة، ولا تمنح أي تنظيم حق الاحتفاظ بمكاسب اكتسبها عبر احتكار الدولة أو استخدام القوة الموازية.
إذا استطاع التنظيم فصل نفسه عن شبكات الدولة والمال والنفوذ، وقبل قواعد سياسية متساوية، وأثبت قدرته على إلزام مكوناته، بما فيها التشكيلات المسلحة، فإن الحوار يمكن أن يصبح طريقاً إلى انتقال حقيقي.
لذلك لا ينبغي الحكم على أي طرف من تاريخه أو خطابه فقط، بل من سلوكه عندما يصبح الالتزام مكلفاً، وعندما يخسر امتيازاً. فالسؤال الحاسم ليس: «هل نثق بهم؟» بل: «هل قبلوا فعلاً بالتخلي عن امتيازات الدولة وشبكات النفوذ والقوة الموازية، وهل توجد مؤسسات تجعل خرق الاتفاق مكلفاً ومكشوفاً؟»
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
