باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 14 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

من حملات الدفتردار إلى جبل العقيدات: مئتا عام من العنف على تخوم وادي النيل. ما الذي يثبته الدليل، وما الذي تصنعه الأسطورة، وكيف تُكسر الدورة في سودان ما بعد الحرب

اخر تحديث: 14 أكتوبر, 2026 11:42 صباحًا
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال تاريخ نحو مئتي عام من العنف على تخوم وادي النيل، من حملات الدفتردار وإسماعيل باشا خلال الغزو التركي المصري للسودان بين عامي 1820 و1824، مرورًا بالحكم التركي المصري والمهدية وإعادة الفتح والحكم الثنائي البريطاني المصري والاستقلال والنزاعات الحدودية، وصولًا إلى الغارات الجوية على مناطق التعدين الأهلي في جبل العقيدات في يونيو وأكتوبر 2026. ويبحث في مدى استمرار أنماط العنف المرتبطة بالموارد والأمن والحدود، ويميز بين الوقائع التاريخية المثبتة والروايات التقديرية والأساطير والإشاعات، ثم يقترح إجراءات عملية للمساءلة ومنع تكرار العنف في سودان ما بعد الحرب.

ينطلق المقال من واقعة 10 أكتوبر 2026، عندما ظهرت طائرة فوق جبل العقيدات، قرب سوق الأنصاري في شمال شرق السودان، ونفذت غارات استهدفت منطقة التعدين الأهلي. وتباينت حصائل الضحايا بين 13 قتيلًا وفق التقدير الأولي لشبكة أطباء السودان، و72 وفق محامي الطوارئ، وهي حصيلة تبناها مجلس السيادة السوداني، ونحو 200 وفق منظمة مناصرة ضحايا دارفور وشهادات ناجين. ولم تعلن مصر مسؤوليتها عن الهجوم، ولم تتمكن الجهات الإعلامية المستقلة من التحقق بصورة قاطعة من هوية الطائرات أو العدد النهائي للضحايا. وأعلن المتحدث العسكري المصري إطلاق المرحلة الثالثة من حملة مكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب، بينما أمر رئيس مجلس السيادة بتشكيل لجنة تحقيق قضائية وعسكرية. وفي أعقاب الحادثة، قُتل سائقان مصريان بإطلاق النار جنوب الخرطوم، وسط تقارير عن احتمال ارتباط الجريمة بالرغبة في الانتقام لمقتل شقيق مطلق النار في القصف. وتوضح هذه التطورات كيف يمكن لواقعة حدودية لم تُحسم تفاصيلها أن تتحول إلى أزمة سياسية وأمنية تغذيها المعلومات المتضاربة ودوافع الثأر.

ويؤكد المقال ضرورة التمييز بين الدولة القائمة في مصر عبر مراحلها التاريخية المختلفة، بدل التعامل معها بوصفها كيانًا ثابتًا منذ القرن التاسع عشر. فقد أرسل محمد علي، الوالي العثماني ذي الأصل الألباني، حملته إلى السودان ضمن نظام عسكري وإداري متعدد الأصول، وشارك فيها جنود أتراك وألبان ومغاربة وفرسان من البدو، وقادها أبناؤه وأصهاره. وكان السودانيون يطلقون على نظام الحكم اسم «التركية». وبعد الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، أصبح الجيش المصري تحت قيادة بريطانية، ثم ظهرت الجمهورية المصرية بعد عام 1952، وأصبحت مصر والسودان دولتين مستقلتين تربطهما معاهدات والتزامات دولية. ولذلك فإن نسبة جميع أفعال هذه المراحل إلى دولة مصرية واحدة بالمعنى القومي والقانوني الحديث تمثل تبسيطًا تاريخيًا، مثلما أن اختزال جميع السودانيين في موقع الضحية يتجاهل اختلاف مواقف الجماعات المحلية ومشاركتها في التحالفات العسكرية والاقتصادية. ولا ينفي هذا التمييز مسؤولية الفاعلين عن الجرائم المحددة، وإنما يقتضي إسناد كل فعل إلى سلطته وقيادته وظروفه التاريخية.

ويعتمد المقال منهجًا يجمع الدراسات الأكاديمية والمصادر الأولية المنشورة والتقارير الحقوقية والبحثية ووكالات الأنباء والصحافة السودانية والإقليمية والدولية، مع تصنيف الأدلة بحسب موثوقيتها. ويعطي الأولوية للدراسات المحكمة والوثائق والمعاهدات والتقارير المنهجية، ثم لتقارير الوكالات التي تفصح عن حدود التحقق، ويعامل بيانات الأطراف السياسية والمحتوى المتداول في وسائل التواصل بحذر. ويقر بأن البحث لم يشمل الأرشيفات الورقية وقواعد البيانات المدفوعة، وأن بعض الصحافة السودانية لم يتيسر الاطلاع على نصوصها الكاملة، وأن أرقام القرن التاسع عشر تستند أساسًا إلى شهادات الرحالة والمراقبين الأوروبيين ومؤرخين لاحقين، لا إلى تعداد سكاني أو سجلات وفيات. كما لا تتوافر في أحداث 2026 نتائج فحوص جنائية أو إحصاءات رسمية مكتملة أو أدلة مستقلة حاسمة على هوية الطائرات. ومن ثم يميز المقال بين الوقائع الراجحة، والتقديرات غير المكتملة، والادعاءات التي لم تثبت.

ويعرض المقال غزو السودان بين عامي 1820 و1824 بوصفه مشروعًا جمع بين السيطرة السياسية والاستغلال الاقتصادي والعسكري. فقد أراد محمد علي منع المماليك الفارين إلى دنقلا من إعادة بناء قوتهم، والحصول على جنود سودانيين مسترقين لتشكيل جيش حديث، واستكشاف إمكان استخراج الذهب. وفي سبتمبر 1820 أرسل ابنه إسماعيل كامل باشا بقوة عسكرية إلى الجنوب، ثم أرسل محمد بك خسرو الدفتردار، صهره وقائدًا عسكريًا، على رأس حملة إلى كردفان. وتمكنت القوات من إخضاع مناطق واسعة من النيل الأوسط وسنار وكردفان، لكنها لم تحقق بصورة مرضية هدفي اكتشاف مناجم ذهب مجزية وتكوين جيش مستقر من المسترقين.

وتكشف معارك كورتي وجبل الضيقة وبارا عن اتساع العنف منذ المراحل الأولى للغزو. ففي كورتي، في 4 نوفمبر 1820، قُتل نحو 800 من الشايقية وفق أحد التقديرات، بينما أورد مصدر آخر 600 قتيل، في مقابل نحو 50 قتيلًا من قوات الحملة بحسب الرواية الأولى. وبعد هزيمة الشايقية في جبل الضيقة في ديسمبر 1820، استسلم معظم قادتهم، لكن إسماعيل باشا كان قد كافأ جنوده على قطع الآذان، فتعرض مدنيون، بينهم نساء وشيوخ، للتشويه، وأُرسلت آلاف الآذان إلى مصر وفق روايات تاريخية. وانتقد محمد علي أسلوب ابنه في تجريد الشايقية من السلاح والخيول، ثم أعاد إسماعيل الانضباط العسكري بعد إحدى المعارك، وهو ما يوضح وجود خلافات داخل قيادة الحملة بشأن إدارة العنف، دون أن يلغي مسؤولية السلطة عن الانتهاكات.

وامتد العنف إلى المدنيين في مناطق أخرى. ففي قرية قرب المتمة، في مايو 1821، أدى احتكاك مع الأهالي ومقتل بعض الجنود إلى إحراق سكان داخل بيوتهم، وفق الروايات التاريخية. وفي منتصف يوليو من العام نفسه، قتلت قوة بقيادة الكاهية أحمد نحو 1500 شخص من أهالي جبال بوكّي، وأسرت قرابة ألفين، معظمهم من النساء والأطفال. وفي معركة بارا يوم 19 أغسطس 1821، هُزم جيش المقدوم مسلّم الذي ضم آلاف المشاة والفرسان، وقُتل مسلّم، ثم تعرضت بارا والأبيض للنهب والمذابح. وتشير الروايات إلى انتزاع الحلي من النساء بوحشية وإلحاق إصابات دائمة ببعضهن، وإلى استمرار مكافأة الجنود على قطع الآذان في ظل قيادة الدفتردار. وتوضح هذه الوقائع أن العنف لم يقتصر على المعارك، بل شمل العقاب الجماعي والنهب والتشويه واستهداف السكان المدنيين.

وتصاعد الصراع مع فرض الضرائب الجديدة عام 1822، التي شملت خمسة عشر ريالًا عن العبد، وعشرة عن البقرة، وخمسة عن الشاة أو الحمار. وبلغت الضريبة المفروضة على العبد نسبة مرتفعة من ثمنه، وكان يمكن دفعها نقدًا أو بالعبيد، مع اهتمام السلطة خصوصًا بالذكور القادرين على الخدمة العسكرية. وعندما وصل إسماعيل باشا إلى شندي أواخر أكتوبر 1822، طالب المك نمر بغرامة مالية وأعداد كبيرة من العبيد، وتختلف المصادر في تحديد المطلوب بين ألف وستة آلاف عبد، فضلًا عن المبلغ المالي. وبعد إهانة المك نمر، أحرق الأخير المنزل الذي أقام فيه إسماعيل، فقُتل إسماعيل ومن معه في الحادثة التي تؤرخها مصادر تاريخية في 3 نوفمبر 1822.

وأدت هذه الحادثة إلى انتفاضات محلية امتدت من الدامر إلى سنار، لكنها افتقرت إلى التنسيق ولم تشارك فيها جميع المناطق والجماعات. ورد الدفتردار بحملة انتقامية اتسمت بحرق القرى والبلدات والقتل الجماعي والنهب والاسترقاق. وتعرضت المتمة والدامر وشندي والعيلفون ومناطق أخرى للدمار، وأُحرق مسجد الشيخ محمد المجذوب في الدامر، وقُتل سكان شندي بعد سقوطها. وتورد الروايات التاريخية تقارير عن تشويه أسرى وقطع أثداء نساء في منطقة النصوب قرب أبي دليق، وعن فرار المك نمر إلى منطقة سوفي على نهر الستيت، ومقتل المك المساعد عند مكدور. ولا تتوافر حصيلة إجمالية موثوقة لضحايا انتقام الدفتردار، ولذلك لا يسوغ تقديم رقم دقيق لمجموع القتلى اعتمادًا على الأدلة المتاحة.

وكانت النتائج الديموغرافية والاجتماعية للحملة عميقة؛ إذ أُفرغت مناطق من سكانها، وتُركت الحقول بلا زراعة، وتغير ميزان القوى بين الجماعات المحلية، فتراجعت مواقع الرفاعة والعبدلاب، وكوفئ الشايقية بالأراضي، وصعد نفوذ الشكرية. وتشير إحدى الروايات إلى إرسال نحو عشرين ألف مسترق إلى أسوان بحلول عام 1824، لم ينجُ منهم سوى نحو سُبع العدد، بينما تذكر دراسة أخرى إرسال ثلاثين ألفًا إلى مصر في سنة واحدة. ويعكس هذا التفاوت ضعف البيانات التاريخية وعدم إمكان التعامل مع هذه الأرقام بوصفها إحصاءات دقيقة. ومع ذلك، تتفق المصادر على وقوع استرقاق واسع وخسائر بشرية كبيرة ودمار اجتماعي واقتصادي. وبعد رحيل الدفتردار عام 1824، شهدت الإدارة اللاحقة تخفيضات ضريبية ومشاورات مع ممثلي الأهالي وتراجعًا عن بعض أساليب الاقتصاص، وهو ما يبرز أن أنماط الحكم والإدارة تؤثر في مستوى العنف حتى داخل النظام الاستعماري نفسه.

وفي العقود التالية، استمر الاستغلال الاقتصادي والعسكري بأشكال مؤسسية مختلفة. فقد وسّع الخديوي إسماعيل نفوذه جنوبًا، وأسند إدارة مناطق خط الاستواء إلى صمويل بيكر ثم غوردون، معلنًا مكافحة تجارة الرقيق. لكن هذه السياسة تداخلت مع التوسع الإقليمي، كما ظهر في غزو سلطنة دارفور عامي 1873 و1874 بمساندة الزبير رحمة منصور، أحد كبار تجار الرقيق الذين أصبحوا مسؤولين في النظام. وقد استُخدمت مكافحة الرق لتبرير التوسع، رغم التحالف مع شخصيات استفادت من تجارة الرقيق. وانتهى الحكم التركي المصري بهزيمة حملة هكس في غابة شيكان قرب الأبيض في نوفمبر 1883، ثم سقوط الخرطوم في يناير 1885 وانهيار السلطة القائمة.

وعادت القوات المصرية إلى السودان ضمن حملة إعادة الفتح بين عامي 1896 و1898، لكن القيادة الفعلية كانت بريطانية تحت قيادة اللورد كتشنر. وضمت قوة النيل نحو 25,800 جندي، بينهم 8,600 بريطاني. وفي معركة أم درمان في 2 سبتمبر 1898، واجهت القوات الحديثة نحو 52 ألفًا من مقاتلي المهدية في هجوم أمامي، وقُتل نحو 11 ألفًا من الأنصار، مقابل 48 قتيلًا وأقل من 400 جريح في الجانب الآخر وفق التقديرات الواردة. وتختلف المصادر في حصيلة قتلى المهدية بين عشرة آلاف واثني عشر ألفًا، لكن التفاوت لا يغير حقيقة عدم التكافؤ العسكري وحجم الخسائر. وكانت بريطانيا صاحبة القيادة والقرار الرئيسيين في الحملة، بينما كانت مصر شريكًا عسكريًا ثانويًا، الأمر الذي يقتضي عدم اختزال مسؤولية إعادة الفتح في مصر وحدها.

وأرست اتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899 حدًا للسودان عند خط عرض 22 شمالًا، ثم رسمت الإدارة البريطانية في عام 1902 حدًا إداريًا مختلفًا لأغراض إدارة أراضي البشاريين والعبابدة، وأسندت مناطق شمال الخط إلى الخرطوم وأراضي جنوبه إلى القاهرة. وأصبح هذا التباين أساسًا لنزاع حلايب المستمر. وفي عام 1924، وبعد اغتيال السير لي ستاك في القاهرة، فرضت بريطانيا انسحاب الضباط والوحدات المصرية من السودان، وقمعت تمرد وحدات سودانية في الخرطوم بالمدافع، واكتمل الانسحاب المصري في ديسمبر، ثم تأسست قوة دفاع السودان في يناير 1925. وتكشف هذه المرحلة أن الوجود المصري في السودان كان مرتبطًا أيضًا بمصالح الإمبراطورية البريطانية، وأن السودانيين انقسموا سياسيًا بين الدعوة إلى وحدة وادي النيل والمطالبة باستقلال القرار السوداني.

وبعد استقلال السودان عام 1956، استمر الخلاف حول حلايب بين التمسك المصري بخط 22 شمالًا والتمسك السوداني بحدود الإدارة لعام 1902. ففي فبراير 1958 أرسلت مصر قوات إلى المنطقة عندما كان السودان يستعد لإجراء انتخابات فيها، واحتج السودان أمام مجلس الأمن، ثم انسحبت القوات في الشهر نفسه. وعاد التوتر عام 1992 بعد اعتراض مصر على منح السودان شركة كندية امتيازًا للتنقيب عن النفط في مياه المثلث، ثم قدم السودان شكاوى دولية عام 1994 بشأن توغلات مصرية قال إنها تجاوزت 39 توغلًا منذ مايو 1993. وبعد محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، عززت مصر سيطرتها على المنطقة وطردت الشرطة والموظفين السودانيين. وفي يناير 2000 سحب السودان قواته، فأصبحت حلايب تحت الإدارة المصرية الفعلية، رغم استمرار الخرطوم في تجديد شكاواها ورفض القاهرة التحكيم الدولي. ويشير المقال إلى أن فكرة تحويل المنطقة إلى مجال للتكامل والتنمية طُرحت سابقًا، لكنها لم تُنهِ النزاع على السيادة.

ويعرض المقال كذلك تهجير النوبيين السودانيين نتيجة بناء السد العالي باعتباره مثالًا على العنف البنيوي، لا جريمة مصرية منفردة. فقد أغرق خزان السد نحو 27 قرية ومدينة في وادي حلفا، وشُرّد قرابة خمسين ألف نوبي سوداني نُقلوا بين عامي 1964 و1967 إلى خشم القربة. وجاء ذلك نتيجة اتفاق بين الحكومتين المصرية والسودانية حول مياه النيل والسد، ما يجعل المسؤولية مشتركة عن قرار ترتبت عليه خسائر اجتماعية وثقافية واقتصادية جسيمة. ويستخدم المقال مفهوم العنف البنيوي لتفسير الأضرار التي تنشأ عن ترتيبات سياسية واقتصادية غير متكافئة، حتى عندما لا تقع بفعل اعتداء مباشر أو استخدام فوري للقوة.

ومنذ اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، اتخذت العلاقات المصرية السودانية بعدًا أمنيًا أكثر تعقيدًا. فقد اقتحمت قوات الدعم السريع قاعدة مروي الجوية واحتجزت 27 فردًا من سلاح الجو المصري، ثم سلّمتهم إلى الصليب الأحمر في 20 أبريل. وأعلن الجيش السوداني نقل 177 جنديًا مصريًا جوًا إلى مصر، بينما قالت القاهرة إن وجودهم كان ضمن تدريب مشترك ونفت دعم أي طرف في الحرب. وفي أكتوبر 2024 اتهم قائد الدعم السريع مصر بالمشاركة في غارات جوية على قواته، لكن الخارجية المصرية نفت ذلك. وفي فبراير 2026، كشفت تقارير صحفية عن مؤشرات على تعزيز القدرات الجوية المصرية قرب الحدود السودانية، شملت ظهور طائرة تركية مسيّرة من طراز «بيرقدار أقنجي» في صور أقمار صناعية لمدرج شرق العوينات، وتصريحات من مسؤولين أمنيين عن تجهيز مطارات في الجنوب بمعدات عسكرية لتأمين الحدود وتنفيذ ضربات لحماية الأمن القومي. كما نقلت تقارير عن ضربة مصرية مزعومة استهدفت رتلًا للدعم السريع في يناير 2026، لكن هذه المعلومات لم تؤكدها مصر رسميًا ولم يتم التحقق منها بصورة مستقلة كاملة. وارتبطت هذه التطورات بتقدم الدعم السريع في المثلث الحدودي وسيطرته على الفاشر، وبالتحذيرات المصرية من تجاوز خطوط حمراء تمس أمنها القومي.

ويتناول المقال أوضاع اللاجئين السودانيين في مصر بوصفها جانبًا آخر من استخدام أدوات السيطرة الحدودية. فقد فرضت مصر تأشيرات دخول على السودانيين في يونيو 2023، بما عطل عمليًا ترتيبات اتفاقية الحريات الأربع الموقعة عام 2004. ووثقت منظمة العفو الدولية اعتقالات وترحيلات قسرية شملت لاجئين سودانيين بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، وذكرت أن ما لا يقل عن 800 شخص رُحّلوا في اثنتي عشرة واقعة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024، وأن لاجئين اعتُقلوا حتى من مستشفيات أسوان. وقد رفض المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر نتائج المنظمة. وقدرت منصة اللاجئين في مصر عدد عمليات الترحيل الموثقة بنحو 1546 عملية في عام 2024، ورجحت أن العدد الفعلي تجاوز عشرين ألفًا. وفي المقابل، تشير تقديرات المفوضية إلى أن مصر استقبلت ما لا يقل عن 1.5 مليون سوداني منذ اندلاع الحرب، سُجل منهم نحو 691 ألفًا حتى أبريل 2025. ويؤكد المقال أن هذه الأرقام تقديرات صادرة عن منظمات ومنصات، لا إحصاءات حكومية مكتملة، وأن غياب البيانات الرسمية يحد من إمكان التدقيق المستقل في الاعتقال والترحيل.

ويبرز الذهب بوصفه عنصرًا محوريًا في الاقتصاد السياسي للحدود. فقبل الحرب تجاوز الإنتاج الرسمي السوداني ثمانين طنًا سنويًا، وبلغ نحو 87 طنًا في عام 2022، بينما بلغ الإنتاج المعلن نحو سبعين طنًا في عام 2025، لم يُصدّر رسميًا منه سوى قرابة عشرين طنًا. ويُقدّر أن التعدين الأهلي يمثل أكثر من 85% من الإنتاج ويوفر سبل العيش لنحو مليوني شخص. وتشير دراسة بحثية إلى أن الذهب المهرب إلى مصر يمثل نسبة كبيرة من إنتاج ولايات الشمال ونهر النيل والبحر الأحمر، وقد يتجاوز مئة كيلوغرام يوميًا، في حين لا تظهر بيانات البنك المركزي السوداني سوى صادرات محدودة القيمة إلى مصر في عام 2024. كما أسهم إعفاء واردات الذهب الخام في مصر من الرسوم والضرائب عام 2023 في توسيع فرص الربح من الفوارق السعرية، التي قُدرت بنحو 60–80%. وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة تتمثل في استفادة السوق المصرية من تدفق الذهب السوداني، في الوقت الذي تتعرض فيه مناطق التعدين القريبة من الحدود لإجراءات عسكرية حين تُعد تهديدًا أمنيًا أو تعديًا على امتيازات. ومع ذلك، لا يقدم هذا التناقض وحده دليلًا على الدافع المباشر وراء الغارات، بل يوضح السياق الاقتصادي الذي تتكرر فيه الاحتكاكات.

ويفصل المقال بين واقعتين في جبل العقيدات خلال عام 2026. بدأت الواقعة الأولى في 16 يونيو بانفجارات وأزيز طائرات حربية استهدفت مناطق التعدين في شمال الوادي، وسقط قتلى في آبار الذهب ومحيطها. وقدرت وكالة فرانس برس عدد القتلى بنحو 23، بينما أشارت تقارير أخرى إلى نحو ثلاثين، دون تأكيد مستقل. ونقل عمال أن القوة المشتركة التي كانت تحرس الجبل انسحبت قبل الهجوم بأربع ساعات وفق رواية، أو قبل يوم وفق رواية أخرى. كما تحدثوا عن إحراق معدات وملاجئ وإطلاق الرصاص الحي من حرس الحدود المصري خلال الأشهر السابقة، وعن هجوم بري سابق أسفر عن مقتل تسعة عمال. وبعد خمسة أيام، أعلنت مصر حملة ضد بؤر إجرامية مرتبطة بالتنقيب غير المشروع، وأشارت إلى احتفاظها بجميع الخيارات المتاحة، من دون الاعتراف بالمسؤولية عن الغارات. وأكد مستشار رئيس مجلس السيادة أن قوات مصرية استهدفت معدّنين سودانيين، بينما وعد البرهان بالتحقيق في هجوم وصفه بأنه وقع بعد عبور سودانيين إلى مصر، وهو وصف يتعارض مع روايات العمال التي تضع الموقع داخل السودان. ولم تُنشر بعد ثلاثة أسابيع حصيلة موثوقة أو نتائج تحقيق مكتملة.

أما واقعة 10 أكتوبر، فقد سبقتها، بحسب منظمة مناصرة ضحايا دارفور، طلعات جوية لطائرتين من طراز أنتونوف فوق المنجم في الأيام الثلاثة السابقة، ثم قصف صباح السبت. وروى ناجٍ أن طائرة ظهرت نحو الثامنة صباحًا ونفذت خمس غارات، بينما تحدثت مصادر أخرى عن إلقاء نحو تسع قنابل. وأفادت تقارير أولية بنقل عشرين مصابًا على الأقل إلى سوق الأنصاري وفرار مئات إلى المرتفعات بلا ماء. ثم ظهرت تقديرات متباينة للضحايا، من 13 قتيلًا وأكثر من 28 جريحًا بحسب شبكة أطباء السودان، إلى 72 قتيلًا بحسب محامي الطوارئ ومجلس السيادة، وصولًا إلى نحو مئتي قتيل و120 جريحًا وفق منظمة مناصرة ضحايا دارفور وشهادات ناجين. وتفاوتت تقديرات عدد الموجودين في الموقع بين خمسة آلاف وستة آلاف ونحو اثني عشر ألفًا، كما تضاربت تقديرات النازحين بين عشرة آلاف وأكثر من خمسة عشر ألفًا. وورد أيضًا ادعاء باقتياد ثلاثة عشر معدنًا إلى داخل الأراضي المصرية، لكن مصيرهم لم يُحسم ولم يثبت الادعاء بصورة مستقلة.

واتخذت ردود الفعل أشكالًا متباينة؛ فقد أعلنت مصر المرحلة الثالثة من حملتها لمكافحة التنقيب غير المشروع، وشكّل مجلس السيادة السوداني لجنة تحقيق تضم النيابة والجهات العدلية والأمنية، ووصف مستشار رئيس المجلس القصف بأنه جريمة غير مبررة، بينما حمّل تحالف تأسيس بقيادة الدعم السريع الحكومة المصرية المسؤولية وطالب بتحقيق مستقل، وطرح أحد وزرائه احتمال التنسيق مع قيادة الجيش السوداني دون تقديم أدلة تثبته. وفي الوقت نفسه، أعلنت الخارجية المصرية متابعة مقتل سائقين مصريين وإصابة ثالث بإطلاق نار جنوب الخرطوم، وذكرت أن الجاني اعتُقل.

ويخلص تقييم الأدلة إلى أن إسناد الغارات إلى مصر تدعمه قرائن متراكمة، تشمل شهادات الناجين، ومواقف منظمات سودانية، وتصريحات مسؤولين سودانيين، والإعلانات المصرية عن عمليات مكافحة التنقيب، والتقارير المتعلقة بتعزيز القدرات الجوية قرب الحدود. لكنه لا يزال إسنادًا مرجحًا لا مثبتًا بدليل مادي منشور، لأن مصر لم تعلن مسؤوليتها ولأن وكالات الأنباء لم تتحقق مستقلًا من هوية الطائرات. كما يلفت المقال إلى ضرورة مراعاة مصالح المصادر؛ فتحالف تأسيس خصم للدعم السياسي والعسكري الذي تحظى به القوات المسلحة السودانية من القاهرة، والحكومة السودانية حليفة لمصر، ومصر طرف في الاتهام. ولا يمكن اعتماد مواقف هذه الأطراف وحدها لحسم المسؤولية.

ويشير المقال إلى أن تحديد موقع الهجوم نفسه لا يزال بحاجة إلى تدقيق. فقد اختلفت التقارير بشأن الولاية التي يقع فيها الموقع، كما حددت خريطة منشورة إحداثيات تقارب 21.82 درجة شمالًا و34.40 درجة شرقًا، أي جنوب خط عرض 22 شمالًا بنحو عشرين كيلومترًا. وإذا صحت هذه الإحداثيات، فإن الموقع يقع داخل الأراضي السودانية وفق خط الحدود الذي تتمسك به مصر نفسها، وليس داخل مثلث حلايب المتنازع عليه. وهذا يتعارض مع الرواية القائلة إن الضربات وقعت داخل الأراضي المصرية، لكنه لا يحسم وحده جميع التفاصيل، بما في ذلك احتمال دخول بعض العمال إلى منطقة امتياز مجاورة. ولذلك يتطلب التحقيق تحديد إحداثيات الضربات ومواقع التعدين والامتيازات وحدود التسلل المزعوم.

أما التفاوت الكبير في أعداد الضحايا، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره اختلافًا بسيطًا بين تقديرات متكافئة. فالأرقام الأولية للمرافق الصحية قد تقتصر على القتلى الذين أمكن نقلهم إلى سوق الأنصاري أو المستشفيات، بينما قد يتعذر الوصول إلى جثث في الجبال أو آبار منهارة، وقد تُدرج المنظمات المجتمعية أسماء مفقودين وشهادات ناجين في تقديراتها. وفي المقابل، لا يعني ارتفاع تقدير جهة ما أنه أدق تلقائيًا، إذ تختلف قوائمها وطرق جمعها وقدرتها على التحقق. ومن ثم يجب عرض الحصائل بوصفها تقديرات أولية ذات حدود منهجية، لا حقائق نهائية.

ويخصص المقال حيزًا مهمًا لتفكيك الأساطير والإشاعات التي تحيط بالعنف التاريخي والمعاصر. فحتى المصادر الأكاديمية تختلف في أعداد قتلى كورتي وبارا، وفي أعداد المسترقين الذين نُقلوا إلى مصر، وفي مقدار الغرامة التي طالب بها إسماعيل باشا المك نمر. ولذلك فإن تقديم رقم واحد قطعي لمجازر الدفتردار، أو الادعاء بأن مصر قتلت مئات الآلاف من السودانيين في تلك المرحلة، يتجاوز ما تسمح به الأدلة، مثلما أن إنكار وقوع المذابح والاسترقاق يناقض الشهادات التاريخية المتاحة. كما يرفض المقال الخلط بين التركي والألباني والمصري في جيش محمد علي، أو تجاهل الجنود المصريين الذين ماتوا في حملات لم يختاروا المشاركة فيها، والجنود السودانيين الذين خدموا لاحقًا في الجيش الذي أعاد الفتح. وفي المقابل، لا يجوز أن تؤدي هذه التعقيدات إلى محو الذاكرة السودانية المؤلمة للحكم التركي المصري.

ويرفض المقال كذلك افتراض أن كل وفاة بين المعدّنين السودانيين سببها القوات المصرية، إذ يموت العمال أيضًا نتيجة انهيارات الآبار والحوادث المهنية والقصف المرتبط بالحرب السودانية. ومن الأمثلة انهيار منجم في أم فكرون بجنوب كردفان أدى إلى مقتل ثلاثة عشر عاملًا في يناير 2026. كما تشير تقارير إلى سقوط أكثر من ألف مدني في هجمات بالمسيّرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026. ولا ينتقص ذلك من ضرورة التحقيق في غارات جبل العقيدات، بل يؤكد أهمية تحديد المسؤولية في كل حادثة على حدة.

ويفحص المقال أيضًا الادعاءات المتداولة بعد هجوم أكتوبر، ومنها صور ومقاطع لم تخضع للتحقق المستقل، وادعاءات اقتياد معدّنين إلى مصر، ومقتل ضباط مصريين، وملكية الدولة المصرية للمناجم، وارتباط المعدّنين بشبكات السلاح والتهريب. كما يميز بين روايات مؤيدة لمصر تقول إن العمال تسللوا إلى أراضيها ثم تعرضوا للقصف، وروايات مناوئة لها تفسر الهجوم بأنه محاولة للتوسع في الموارد السودانية. ولم يثبت أي من هذه الادعاءات بصورة مستقلة في المواد المتاحة. وينطبق الأمر نفسه على إشاعة وجود اتفاقات مصرية لإنشاء 108 مناجم ذهب في شمال السودان، التي نفتها وزارة البترول المصرية في يونيو 2026، وعلى الاستنتاج القائل إن انسحاب القوة المشتركة قبل الهجوم يثبت وجود تنسيق بين الحكومتين؛ فذلك يظل فرضية تحتاج إلى أدلة مباشرة.

ويحذر المقال من أن المعلومات المضللة ليست مجرد مشكلة إعلامية، بل يمكن أن تتحول إلى عامل مباشر في العنف. فقد أعقبت حادثة جبل العقيدات جريمة قتل سائقين مصريين في الخرطوم، وقيل إن مطلق النار أراد الانتقام لمقتل أخيه. ويشبه هذا النمط من حيث تسلسل الإهانة والثأر والانتقام الأوسع بعض الوقائع التاريخية، ومنها تصاعد العنف بعد مقتل إسماعيل باشا في شندي. ولا يعني التشابه أن الحالتين متماثلتان تاريخيًا، لكنه يوضح كيف تتحول المظالم غير المحققة والمعلومات غير الموثوقة إلى مبررات للعنف الجماعي. ويشير المقال إلى أن التحذير الرسمي من الشائعات لا يكفي إذا لم تقترن به رواية موثقة ومعلنة عن الوقائع، لأن الفراغ المعلوماتي يفتح المجال للتكهنات والتعبئة الانتقامية.

ويحدد التحليل أربعة أوجه للاستمرارية بين القرن التاسع عشر والحاضر. أولها ارتباط الموارد بالأمن؛ فقد سعى الغزو القديم إلى الرقيق والذهب والضرائب، بينما ترتبط المواجهات الحالية بالذهب والتعدين الأهلي وتأمين الحدود. وثانيها استخدام القوة لتأمين التخوم وفرض السيطرة، بما يقترب من تصور الدولة وصناعة الحرب والحماية بوصفها عمليات مترابطة. وثالثها دور الوسطاء المحليين، من الجماعات المتحالفة مع الغزاة في القرن التاسع عشر إلى القوى المسلحة والتجار وشبكات التهريب في الوقت الحاضر. ورابعها ضعف المساءلة، إذ لم تُحاسب القيادات عن كثير من فظائع القرن التاسع عشر، كما لم تُنشر نتائج مكتملة للتحقيق في واقعة يونيو 2026 بعد أسابيع من حدوثها. ويمكن لمفهوم السياسة الموتية أن يساعد في تفسير كيفية ممارسة السلطة على الحدود من خلال تحديد من يتعرض للحماية ومن يُترك للموت، لكنه لا يغني عن إثبات الوقائع والمسؤوليات المادية.

وفي المقابل، يحدد المقال اختلافات أساسية بين المرحلتين. فلم يعد العنف الحالي مشروع احتلال شامل للسودان، بل أصبح مرتبطًا بمناطق حدودية محددة وعمليات أمنية متنازع عليها. كما أن مصر والسودان دولتان مستقلتان وطرفان في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتخضعان لمبادئ حماية الحق في الحياة والضرورة والتناسب والاحتياط عند استخدام القوة. وفي سياقات إنفاذ القانون خارج النزاعات المسلحة، ينبغي أن تحكم القوةَ قواعدُ حقوق الإنسان، لا قواعد العمليات الحربية وحدها. كذلك أصبحت وسائل التحقق أكثر تطورًا بفضل صور الأقمار الصناعية والتوثيق الرقمي والتحقيقات الحقوقية. وتوزعت المسؤولية في الحاضر بين القاهرة، فيما يتعلق بأي استخدام غير مشروع للقوة يثبت وقوعه، والخرطوم، فيما يتعلق بحماية مواطنيها وتوضيح الحدود والتحقيق في الانسحاب المزعوم للقوات وعدم ترك المناطق المدنية عرضة للخطر.

ويقترح المقال أن يبدأ التعامل مع واقعة جبل العقيدات بتحقيق مستقل يخضع لمعايير دولية واضحة. فلا يكفي تشكيل لجنة رسمية من دون نشر اختصاصاتها وضمان استقلالها وإعلان نتائجها. وينبغي أن تعمل اللجنة وفق بروتوكول مينيسوتا للتحقيق في الوفيات المحتملة غير المشروعة وبروتوكول بيركلي للتحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر، وأن تضم خبراء مستقلين وممثلين للنيابة والمنظمات التي وثقت الحادثة. ويقترح نشر الاختصاصات خلال ثلاثين يومًا، وإصدار تقرير أولي خلال تسعين يومًا يتضمن تحديد مواقع الضربات بالإحداثيات، وفحص بقايا الذخائر، وحصر أسماء القتلى والمفقودين، وتحديد المقابر والآبار المنهارة، وطلب سجلات العمليات العسكرية والتحذيرات من الجانب المصري. كما يدعو إلى تقدير عدد الوفيات باستخدام منهج إحصائي متعدد المصادر، يجمع سجلات المرافق الصحية وقوائم المنظمات الحقوقية والمجتمعات المحلية، ويحسب التداخل بينها لتقدير الحالات التي لم تُسجل في أي قائمة منفردة. ويؤكد أن المعادلات الإحصائية المقترحة توضيحية ولا تمثل تقديرًا فعليًا لضحايا الحادثة ما لم تتوافر البيانات اللازمة.

ويشدد المقال على ضرورة وضع قواعد سودانية مصرية واضحة لاستخدام القوة على الحدود، استنادًا إلى المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية. وتشمل هذه القواعد إصدار إنذارات مرئية ومسموعة بلغات متعددة قبل اتخاذ الإجراءات، وتحديد المناطق العازلة بالإحداثيات ونشرها، وإعطاء الأولوية للاحتجاز القانوني والإجراءات القضائية بدل القصف عند التعامل مع عمال مدنيين غير مسلحين، وحظر توجيه الضربات الجوية إلى التجمعات المدنية. ويؤكد أن إلقاء منشورات تحذيرية لا يجعل القصف مشروعًا تلقائيًا؛ فالإنذار، حتى إذا ثبت صدوره، لا يعفي من ضرورة التحقق من طبيعة الهدف والتناسب والاحتياط وحماية الحياة.

وفي الجانب الاقتصادي، يقترح المقال تقنين التعدين الأهلي وإخضاعه لتنظيم واضح، من خلال إجراء مسح جيولوجي وكادسترالي للمناطق الحدودية، وتحديد مواقع التعدين المسموح بها بالتعاون مع تعاونيات العمال، وإنشاء سجل علني للامتيازات الوطنية والأجنبية يتضمن الإحداثيات والجهات المالكة وشروط التشغيل. كما يدعو إلى استخدام الرسائل النصية وأجهزة الراديو لإبلاغ المعدّنين بمناطق الخطر والتغييرات في الحدود أو الامتيازات. ولتقليل تهريب الذهب، يقترح تطبيق قواعد العناية الواجبة على سلاسل الإمداد وفق إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتعاون الإقليمي مع مصر والإمارات، والعمل على تجارة ذهب قانونية وشفافة تقلل الحوافز الاقتصادية للتهريب وتزيد العائد العام على السودان.

أما إدارة النزاع الحدودي، فيوصي المقال باتباع مسار تدريجي يبدأ بلجنة فنية مشتركة لتثبيت الإحداثيات ووضع العلامات والبوابات الحدودية، ثم بحث ترتيبات إدارية مؤقتة للتعاون والتنمية في المناطق المتنازع عليها، وصولًا إلى التحكيم الدولي بموافقة الطرفين. ويستشهد بتحكيم أبيي لعام 2009 بوصفه مثالًا على إمكان تسوية نزاع حدودي سوداني من خلال إجراء قانوني منظم، مع الإقرار بأن رفض مصر للتحكيم في حلايب يجعل المسار الفني والإداري أكثر واقعية في المدى القريب. ويقترح كذلك الاستفادة من اتفاقية الاتحاد الأفريقي للتعاون عبر الحدود، وإشراك مجتمعات البشاريين والعبابدة والرشايدة في اللجان المحلية المشتركة، حتى لا تُدار الحدود باعتبارها خطوطًا أمنية مجردة من السكان ومصالحهم.

وفيما يتعلق باللاجئين، يدعو المقال إلى وقف الطرد الجماعي، وتوفير الحماية الفعلية للسودانيين المسجلين لدى المفوضية، وإعادة تفعيل اتفاقية الحريات الأربع أو استبدالها بنظام إقليمي مرن للتنقل والإقامة والعمل. كما يشدد على نشر بيانات رسمية عن الاعتقال والترحيل تسمح بالمراجعة المستقلة، وتمنع اختفاء الأفراد أو ترحيلهم من دون ضمانات قانونية.

ولمنع تكرار دورات الانتقام، يقترح المقال إنشاء سجل علني للادعاءات يصنف المعلومات إلى مؤكدة أو متنازع عليها أو مدحوضة، ويبين مصادر كل ادعاء وحدود التحقق منه. كما يقترح إصدار رسالة مشتركة من البلدين خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من أي حادثة حدودية، توضح ما ثبت وما لم يثبت وموعد تحديث المعلومات. ويمكن أن تسهم هذه الآلية في تقليل الفراغ المعلوماتي الذي يغذي التحريض، إلى جانب تطبيق أساليب التوعية التي تساعد الجمهور على مقاومة التضليل وتمييز الأخبار غير الموثوقة من المعلومات المثبتة.

ويولي المقال أهمية خاصة للذاكرة التاريخية والتعليم والأرشيف، إذ يدعو إلى تدريس تاريخ الحكم التركي المصري والمهدية وإعادة الفتح بقدر أكبر من الدقة، مع الاعتراف بتعدد الفاعلين والمسؤوليات وعدم استخدام التاريخ لتبرير الكراهية القومية. ويقترح تشكيل فريق مشترك من المؤرخين السودانيين والمصريين لإعداد سجل موثق لأحداث الفترة 1820–1898، ومراجعة الأرقام غير المسندة، ورقمنة الوثائق الأولية وحفظ نسخ منها في بلدان آمنة. ويمكن تنظيم معرض وطني عن مآسي الحدود وضحاياها، بما يحول الذاكرة من مادة للتعبئة الانتقامية إلى سجل موثق يساعد على فهم الماضي ومنع تكرار انتهاكاته.

ويؤكد المقال أن مسؤولية المساءلة لا تقع على مصر وحدها، بل تشمل الحكومة السودانية أيضًا. فعليها نشر نتائج التحقيق، وتوفير التعويضات والمساعدة القانونية لأسر الضحايا، والتحقق من الادعاءات المتعلقة بانسحاب القوات المشتركة قبل الهجوم، وتحديد المسؤوليات الإدارية والعسكرية إن ثبت الإهمال أو التنسيق أو ترك المدنيين دون حماية. كما ينبغي أن تتبنى الخرطوم موقفًا واضحًا ومتسقًا بشأن موقع الهجمات وخط الحدود، بدل التذبذب بين وصف الحادثة بأنها وقعت داخل الأراضي المصرية ووصف القصف بأنه جريمة غير مبررة. فالدولة السودانية ليست مجرد طرف يطالب القاهرة بالمساءلة، بل هي أيضًا صاحبة واجب حماية المواطنين والتحقيق في الانتهاكات التي تقع داخل أراضيها.

ويخلص المقال إلى أن الأدلة التاريخية تثبت وقوع مذابح واسترقاق وتشويه ونهب خلال حملات الدفتردار وإسماعيل باشا بين عامي 1820 و1824، لكنها لا تسمح بتحديد حصيلة إجمالية دقيقة للقتلى. كما أن الأدلة المتاحة بشأن غارات جبل العقيدات في عام 2026 تجعل الإسناد إلى مصر مرجحًا وفق القرائن والشهادات، لكنها لا ترقى إلى إثبات نهائي مستقل، بينما تظل حصيلة الضحايا غير محسومة بين تقديرات تتراوح من 13 إلى نحو 200 قتيل. وتتمثل الاستمرارية الأساسية بين المرحلتين في تداخل الموارد والأمن والسيطرة الحدودية وضعف المساءلة، لا في تطابق هوية الفاعلين أو طبيعة الدولة أو السياق القانوني. أما الاختلاف الحاسم في الحاضر فهو توافر أدوات للتحقيق العلمي والتوثيق الرقمي والاحتكام إلى القانون الدولي والتعاون الحدودي. ويتوقف كسر دورة العنف على تحويل هذه الأدوات إلى إجراءات عملية تشمل التحقيق المستقل، وحماية المدنيين، وتنظيم التعدين وتجارة الذهب، وتسوية النزاعات الحدودية، وحماية اللاجئين، ومواجهة التضليل، وتوثيق الذاكرة التاريخية، ومساءلة جميع المسؤولين السودانيين والمصريين عن أفعالهم وفق الأدلة والقانون.

النص الكامل للمقال

مقدمة

في نحو الثامنة من صباح السبت 10 أكتوبر 2026، ظهرت طائرة فوق جبل العقيدات، وهو موقع تعدين أهلي قرب سوق الأنصاري في أقصى شمال شرق السودان، وشنّت خمس غارات بحسب أحد الناجين (AFP، 2026أ؛ الجزيرة نت، 2026). في الأيام التالية تباينت الأرقام تباينًا كبيرًا، ولم تعلن الدولة المصرية مسؤوليتها. وأعلن المتحدث العسكري المصري في 12 أكتوبر المرحلة الثالثة من حملة لمكافحة التنقيب غير المشروع، بعد إلقاء منشورات تحذيرية على من وصفهم بـ«العناصر الإجرامية»، وحثّ الجمهور على الاعتماد على المصادر الرسمية وعدم الانسياق وراء «الشائعات المضللة» (الجزيرة نت، 2026؛ Sudan Tribune، 2026ب). وفي اليوم نفسه أمر رئيس مجلس السيادة بتشكيل لجنة تحقيق قضائية وعسكرية (الجزيرة نت، 2026). وقُتل في الخرطوم سائقان مصريان بإطلاق نار، وأفادت صحافة محلية بأن مطلق النار ينتمي إلى القوة المشتركة وأراد الثأر لأخيه الذي قُتل في القصف (Sudan Tribune، 2026د).

يطرح هذا المشهد سؤالين. هل نحن أمام حلقة جديدة في تاريخ طويل من عنف مصري على السودان بدأ مع الدفتردار، أم أمام حادثة حدودية لها منطق مختلف؟ وكيف يمكن لباحث أن يفصل الواقعة عن الأسطورة في بيئة معلومات مضطربة؟ تذهب الأطروحة هنا إلى أن الاستمرارية قائمة في المنطق لا في الهوية. فمحمد علي وإسماعيل باشا والدفتردار، ثم الجيش المصري تحت قيادة بريطانية، ثم الجمهورية المصرية، ثم الدولة الحالية، فاعلون مختلفون في بنيتهم وسلطتهم وإطارهم القانوني. يجمعهم منطق متكرر هو أن يكون الحيّز الجنوبي لوادي النيل مصدرًا للثروة ومنطقة تأمين في آن، وأن يُدار بالقوة حين تُرى الثروة أو الأمن مهدَّدين. وتتفاوت قوة الأدلة تفاوتًا كبيرًا بين مرحلة وأخرى، ولذلك يعرض المقال الأرقام مع تقدير مصادرها.

المنهج وحدود الأدلة

أُجري مسح للمنشور المتاح على الشبكة حتى ظهر 13 أكتوبر 2026، وشمل الدراسات المحكّمة، والتقارير البحثية لمراكز الفكر والمنظمات الحقوقية، ووكالات الأنباء، والصحافة السودانية والإقليمية والدولية. وصُنّفت الأدلة في خمس درجات. الدرجة الأولى هي الدراسات المحكّمة والمصادر الأولية المنشورة والمعاهدات والوثائق الأممية. الثانية تقارير المؤسسات البحثية والحقوقية المنهجية. الثالثة تقارير الوكالات الدولية الكبرى التي تعلن حدود تحققها. الرابعة الصحافة المحلية والإقليمية وبيانات الأطراف السياسية. الخامسة المحتوى المتداول في وسائل التواصل غير الموثق. ولا يرتقي ما في الدرجة الخامسة إلى مصدر حقيقة. وقد أُدرج منه ما تناولته مصادر أعلى درجة بوصفه إشاعة أو ادعاءً.

ولهذا المسح حدود ينبغي الإفصاح عنها. لم تُراجع أرشيفات ورقية ولا قواعد بيانات مدفوعة. ولم يتيسر استرجاع نصوص كاملة من بعض المنصات السودانية الحرة (سودانايل، وسودارس، والراكوبة، وسودانيز أونلاين) إلا عبر ما أعادت المصادر الموثوقة نشره، فلم يُعتمد من تلك المنصات إلا ما تأكد من مصدر آخر. وأرقام مرحلة 1820–1824 مستمدة من شهود أوروبيين (English، 1822؛ Waddington، 1822) ومن مؤرخين لاحقين (Robinson، 1926؛ Beška، 2019). ولا يوجد لها تعداد سكاني أو سجلات وفيات. وفي أحداث 2026 لا تتوافر فحوص جنائية ولا إحصاء رسمي للضحايا ولا تحقق مستقل من هوية الطائرات.

  1. أي «دولة مصرية»؟ إشكالية الإسناد

يقتضي الحديث عن «عنف الدولة المصرية» تحديد الفاعل في كل مرحلة. لم يكن غزو 1820 مصريًا بالمعنى القومي الحديث. فقد أرسله محمد علي، وهو ضابط ألباني الأصل وصل إلى مصر في خدمة الجيش العثماني ثم أصبح واليها عام 1805، وتشكّل جيشه من الأتراك والألبان والمغاربة وفرسان البدو، وقاده أبناؤه وأصهاره من النخبة الناطقة بالتركية (Beška، 2019). وسمّى السودانيون النظام «التركية» لا «المصرية» (Collins، 2008). وبعد احتلال بريطانيا لمصر عام 1882 صار «الجيش المصري» بقيادة سردار بريطاني، وفي حملة 1896–1898 ضمّت قوة النيل 25,800 رجل، منهم 8,600 بريطاني، والبقية وحدات مصرية بينها ست كتائب جُنّدت من جنوب السودان (Metz، 1991). فالتحميل المباشر لـ«الدولة المصرية» في هذه المرحلة ينطوي على مغالطة. ثم جاءت الجمهورية المصرية بعد 1952 وصارت طرفًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ 14 يناير 1982، والسودان منذ 18 مارس 1986 (United Nations، 1966).

والمعاناة نفسها لم تكن سودانية خالصة. فقد ضمّ جيش هكس الذي أُبيد قرب شيكان في نوفمبر 1883 جنودًا مصريين كثيرين أُسروا بعد هزيمة عرابي، ودفعهم الخديوي إلى حرب في صحراء لا يعرفونها (Holt، 2011؛ Wingate، 1891). وفي الجانب السوداني نجد الشايقية يتحالفون مع الغزاة بعد هزيمتهم ويُكافَأون بالأراضي (Beška، 2019)، ونجد في الحاضر «القوة المشتركة» السودانية التي حمت الجبل ثم انسحبت قبل الهجوم بحسب العمال (عبدالرحمن، 2026). لهذا لا يصلح تصنيف «معتدٍ مصري وضحية سودانية» أداةً للتحليل، وإن كان صالحًا لوصف وقائع بعينها.

  1. الفتح وحملات الدفتردار (1820–1824)

2.1 الدوافع: المماليك والرقيق والذهب

لم يكن الدافع الرئيس للغزو سياسيًا فحسب. بعد مذبحة القلعة في القاهرة في 1 مارس 1811 فرّ من نجا من المماليك جنوبًا إلى دنقلا، وخشي محمد علي أن يعيدوا بناء قوتهم هناك بشراء العبيد (Beška، 2019). وأراد أيضًا جيشًا حديثًا من الرقيق السودانيين بدل الاعتماد على الألبان، ورأى أن السودان قد يحوي مناجم ذهب. وأرسل في سبتمبر 1820 قوة تضم نحو أربعة آلاف جندي ومئة وعشرين مركبًا بقيادة ابنه إسماعيل كامل باشا نحو الجنوب، وأرسل بعدها بقيادة صهره محمد بك خسرو الدفتردار حملة إلى كردفان بين 3,000 و4,000 جندي وثلاث عشرة مدفعًا، غادرت القاهرة في 20 أبريل 1821 (Beška، 2019؛ Hill، 1959). وانتهت الحملة بإخضاع النيل الأوسط وسنار وكردفان، لكنها لم تحقق هدفيها الرئيسيين: لم تُكتشف مناجم ذهب مجزية ولم يُبنَ جيش من الرقيق (Beška، 2019).

2.2 كورتي وبارا: العنف في ميدان المعركة

كان أول لقاء كبير مع الشايقية في كورتي يوم 4 نوفمبر 1820، وقُتل فيه نحو 800 شايقي، معظمهم مشاة، مقابل نحو 50 جنديًا من الحملة (Beška، 2019). وروى ورقي آخر 600 قتيل شايقي وصفرًا في الجانب الآخر (Waddington، 1822). وبعد الهزيمة الثانية في جبل الضيقة في 4 ديسمبر 1820 استسلم معظم ملوكهم. وفي هذه المرحلة المبكرة كافأ إسماعيل جنوده على قطع الآذان، فقُطعت آذان مدنيين ونساء وشيوخ. وأورد روبنسون أن ثلاثة آلاف زوج من الآذان أُرسلت إلى مصر (Robinson، 1926؛ Beška، 2019). واستنكر محمد علي نفسه في رسالة أسلوبَ ابنه في تجريد الشايقية من السلاح والخيل (Beška، 2019)، ثم أعاد إسماعيل الانضباط إلى الجند بعد معركة جبل الضيقة.

وفي مايو 1821، عند قرية قرب المتمة، قُتل عدد من الجنود في احتكاك مع الأهالي، فأحرق الجنود في انتقامهم كثيرًا من السكان أحياءً في بيوتهم، ولم يمنعهم إسماعيل (Beška، 2019). وفي منتصف يوليو 1821 قاتلت قوة الكاهية أحمد (1,300 رجل) أهالي جبال بوكّي على النيل الأبيض وقتلت نحو 1,500 وأسرت نحو 2,000، معظمهم نساء وأطفال (Beška، 2019). وفي كردفان وقعت معركة بارا في 19 أغسطس 1821 بين قوة الدفتردار وجيش المقدوم مسلّم الذي ضم نحو 8,000 مشاة و1,200 فارس، وانتهت بهزيمة جيش دارفور وفقدانه أكثر من 700 مقاتل مقابل 150 قتيلًا في صفوف الحملة (وأكثر من 200 بحسب روبنسون). وقُتل مسلّم، ثم نُهبت بارا والأبيّض وجرت فيهما مذابح (Beška، 2019). وروى روبنسون أن نساء بارا نُزعت منهن الحلي بوحشية، وبقين مشوّهات سنين طويلة (Robinson، 1926). وكان الدفتردار يشتري الآذان المقطوعة من جنوده كما فعل إسماعيل (Beška، 2019).

2.3 مقتل إسماعيل وانتقام الدفتردار (1822–1823)

بدأت الضرائب الجديدة في يناير 1822 بإشراف المستشار القبطي حنا الطويل: خمسة عشر ريالًا عن العبد، وعشرة عن البقرة، وخمسة عن الشاة أو الحمار. وبلغت ضريبة العبد نحو 75% من ثمنه، ويمكن دفعها نقدًا أو بالعبيد، ولم يهتم محمد علي إلا بالذكور الصالحين للجيش (Beška، 2019). وحين وصل إسماعيل إلى شندي في أواخر أكتوبر 1822 طلب من المك نمر غرامة قدرها 30 ألف دولار وستة آلاف عبد بحسب بشكا، وضربه على وجهه بغليون خشبي حين رفض. ويذكر مصدر آخر أن المطلوب ألف عبد وغرامة نقدية، ولا يحسم المصدران الخلاف (Beška، 2019). وأحرق المك نمر المنزل الذي أقام فيه إسماعيل. وتشير وقائع تاريخ الفونج إلى أن ذلك حدث في 3 نوفمبر 1822 (Holt، 2011؛ Bjørkelo، 1989). وفي المقابل أُحرقت القرى في المتمة قبل ذلك بعام ونصف بالأسلوب نفسه.

اندلعت ثورة من الدامر إلى سنار، لكنها لم تكن منسّقة، ولم تنضم إليها دنقلا ولا الشايقية. وبلغ الدفتردار النيل عند الشلال السادس في نهاية 1822 وسار شمالًا تاركًا وراءه الأرض المحروقة. وعند المتمة حاول أحد الأهالي طعنه برمح خلال مراسم صلح، فجرى بعد ذلك قتل جماعي وحرق للبلدة. وأُحرقت الدامر ومعها مسجد الشيخ محمد المجذوب. وسقطت شندي بعد مقاومة فنُهبت وقُتل سكانها. وفي النصوب قرب أبي دليق ارتُكبت فظاعات: خُصي الرجال المأسورون وقُطعت أثداء النساء لمنع تناسل الجعليين. ونجا المك نمر وفرّ إلى سوفي على نهر الستيت (التكازي)، وقُتل المك المساعد عند مكدور. وفي العيلفون قُتل كثيرون واسترقّ الناجون (Robinson، 1926؛ Hill، 1959؛ Beška، 2019).

2.4 الحصيلة وحدود الأرقام

كانت العواقب الديموغرافية ثقيلة. أُفرغت مساحات واسعة من سكانها وتُركت الحقول بلا فلاحة، وتحوّل ميزان القوى بين القبائل: تراجعت الرفاعة على النيل الأزرق وفقد العبدلاب أراضيهم، وكوفئ الشايقية بها، وصعدت الشكرية (Hill، 1959؛ Beška، 2019). وبحلول 1824 أُرسل نحو 20 ألف عبد إلى أسوان، ولم يبقَ منهم حيًا سوى واحد من كل سبعة، بحسب الرواية (Beška، 2019؛ Holt، 2011). وتذكر دراسة مكتبة الكونغرس أن 30 ألف عبد أُرسلوا إلى مصر في سنة واحدة بعد الغزو، وأن كثيرين ماتوا من المرض والمناخ (Metz، 1991). والفارق بين الرقمين دليل على أن كلاهما تقدير، لا إحصاء.

ولا يوجد في المصادر المتاحة تعداد لقتلى انتقام الدفتردار. وأي رقم دقيق يُتداول لهذه الواقعة اليوم يفتقر إلى سند. والخلاصة المنهجية أن الدراسات الموثوقة تتحدث عن مئات في المعارك الكبرى، وآلاف في المجازر والأسر، وعن «تفريغ سكاني» للمنطقة، من غير أن تقدّم حصيلة إجمالية. وبعد رحيل الدفتردار في سبتمبر 1824 انتقل الحكم إلى عثمان جركس ثم ماهو بك الأورفلي ثم علي خورشيد أغا (1826–1838)، وصاحبت ذلك تخفيضات ضريبية واستشارة ممثلي الأهالي ووقف الاقتصاص (Beška، 2019؛ Holt، 2011). وفي هذا التحول درس أول: الإدارة الراشدة قلّلت العنف حتى في ظل نظام استعماري.

  1. من الاستغلال إلى الانهيار: التركية والمهدية (1824–1898)

في العقود التالية عاد الاستغلال في صورة مؤسسية. فتح خديوي مصر إسماعيل (1863–1879) الباب لتوسع جنوبًا. وأسندت مهمة إدارة خط الاستواء إلى صمويل بيكر عام 1869 لمحاربة تجارة الرقيق، ثم إلى غوردون في 1877. وأدّى غزو دارفور في 1873–1874 بمساندة الزبير رحمة منصور، تاجر الرقيق الذي صار باشا، إلى إنهاء سلطنة دارفور (O’Fahey، 2008). وقدّم الخديوي سلطنة دارفور للأوروبيين بوصفها معقلًا لتجارة الرقيق، فاستُخدمت حجة مكافحة الرقيق في توسع إقليمي، وتحالف صانعو القرار مع أكبر تجار الرقيق (O’Fahey، 2008؛ Holt، 2011). وفي نوفمبر 1883 أُبيدت حملة هكس في غابة شيكان قرب الأبيض (Wingate، 1891). ثم سقطت الخرطوم في يناير 1885، وانتهى الحكم التركي-المصري.

  1. إعادة الفتح والحكم الثنائي (1896–1956)

في 1896–1898 عاد «الجيش المصري» بقيادة اللورد كتشنر السردار البريطاني. ضمّت قوة النيل 25,800 رجل بينهم 8,600 بريطاني (Metz، 1991). وفي 2 سبتمبر 1898 زج الخليفة بنحو 52 ألف مقاتل في هجوم أمامي على القوة المتحصنة بالأسلحة الحديثة قرب أم درمان، فقُتل نحو 11 ألف من الأنصار مقابل 48 قتيلًا وأقل من 400 جريح في الجانب الآخر (Metz، 1991). وتتفاوت تقديرات قتلى المهدية بين 10 آلاف و12 ألفًا في المراجع. لكن حتى هنا كان القرار والقيادة بريطانيين، وكانت مصر شريكًا ثانويًا (Daly، 1986).

وأقرّت اتفاقية 19 يناير 1899 للحكم الثنائي أن «السودان» هو ما يقع جنوب خط عرض 22° شمالًا. وفي 4 نوفمبر 1902 رسمت بريطانيا حدًا إداريًا مختلفًا أسند إدارة أراضي قبيلة البشاريين شمال الخط إلى الخرطوم، وأسند إدارة أراضي العبابدة جنوب الخط إلى القاهرة (Dzurek، 2001). ومن هذا التباين وُلد نزاع حلايب.

وفي نوفمبر 1924 اغتيل السير لي ستاك، حاكم السودان وسردار الجيش المصري، في القاهرة. وردّت بريطانيا بإنذار تضمن مطلب سحب الضباط والوحدات المصرية كافة من السودان. وتمرّدت وحدات سودانية في الخرطوم في 27 نوفمبر، وقمعتها القوات البريطانية بالمدافع. واكتمل الانسحاب المصري في 1 ديسمبر 1924، وتأسست قوة دفاع السودان في يناير 1925 (Holt، 2011؛ Daly، 1986). وهنا مفارقة: كان «الوجود المصري» قد استُخدم في السودان أداةً للحكم البريطاني، ثم أُقصي بقرار بريطاني، بينما انقسم السودانيون بين شعار «وحدة وادي النيل» وشعار «السودان للسودانيين» (Holt، 2011).

  1. السيادة والحدود بعد الاستقلال (1956–2022)

5.1 حلايب: من 1958 إلى 2000

بعد الاستقلال تمسّكت مصر بخط 22° حدًّا سياسيًا، وتمسّك السودان بالحدّ الإداري لعام 1902 (Dzurek، 2001). وفي فبراير 1958، حين عزم السودان على إجراء انتخابات في المثلث، أرسل جمال عبد الناصر قوات إلى المنطقة بمناسبة استفتاء الوحدة مع سوريا، وشكا السودان إلى مجلس الأمن في 21 فبراير، وانسحبت القوات في الشهر نفسه (Dzurek، 2001). وبقيت الإدارة مشتركة حتى 1992 حين اعترضت مصر على منح السودان امتياز التنقيب عن النفط في مياه المثلث لشركة كندية. وفي يوليو 1994 قدّم السودان مذكرات إلى مجلس الأمن ومنظمة الوحدة الأفريقية والجامعة العربية تتحدث عن أكثر من 39 توغلًا مصريًا منذ مايو 1993 (Ofcansky، 2002). وبعد محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995 عززت مصر سيطرتها على المنطقة وطردت الشرطة والموظفين السودانيين (Dzurek، 2001؛ Sudan Tribune، 2013). ويبلغ الإقليم نحو 20,580 كيلومترًا مربعًا (Sudan Tribune، 2013). وسحب السودان قواته في يناير 2000 فصارت المنطقة تحت إدارة مصرية فعلية. ولا تزال الخرطوم تجدد الشكوى لمجلس الأمن كل عام منذ 1958 (Sudan Tribune، 2011)، وترفض القاهرة التحكيم الدولي (Sudan Tribune، 2013). وقد ذُكر أن بشير ومسؤولين مصريين اتفقوا على جعل حلايب «منطقة تكامل وتنمية» (Sudan Tribune، 2011).

5.2 السد العالي وحلفا: عنف بنيوي مشترك المسؤولية

أفضت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 إلى بناء السد العالي. وأغرق خزانه نحو 27 قرية ومدينة وادي حلفا، وشرّد نحو 50 ألف نوبي سوداني، نُقلوا في 1964–1967 إلى خشم القربة (Dafalla، 1975). وهذا ضرر قررته حكومة سودانية بالتوافق مع مصر، فلا يصح وصفه بالعنف المصري. لكنه مثال على «العنف البنيوي» بمفهوم غالتونغ (Galtung، 1969): ضرر يقع بلا فاعل مباشر نتيجة بنية غير متكافئة في توزيع منافع الموارد المشتركة، ومن حق الذاكرة السودانية أن تحتفظ به.

  1. الحرب الحالية: من الحياد المعلن إلى الانخراط الأعمق (2023–2026)

6.1 ميروي والاتهامات والمسيّرات

في 15 أبريل 2023 اقتحمت قوات الدعم السريع قاعدة مروي الجوية، واحتجزت 27 من أفراد سلاح الجو المصري سلّمتهم إلى الصليب الأحمر في 20 أبريل. وأعلن الجيش السوداني أن 177 جنديًا مصريًا نُقلوا جوًا إلى مصر. وقالت القاهرة إنهم كانوا في تدريب مشترك بموجب بروتوكول بين البلدين، ونفى الرئيس السيسي دعمًا لأي طرف (The New Arab، 2023). وفي أكتوبر 2024 اتهم قائد الدعم السريع مصر بالمشاركة في غارات جوية على قواته، ونفت وزارة الخارجية المصرية ذلك (Al Jazeera، 2024).

وتغيّر المشهد تدريجيًا. فقد نشرت رويترز في 2 فبراير 2026 أن طائرة «بيرقدار أقنجي» تركية ظهرت في صور الأقمار الصناعية على مدرج شرق العوينات الذي يبعد نحو 60 كيلومترًا عن الحدود السودانية، في 29 سبتمبر و28 ديسمبر 2025 و9 يناير 2026. وقال مسؤولان أمنيان مصريان إن مطارين في الجنوب زُوّدا بمعدات عسكرية منذ نحو ثمانية أشهر لتأمين الحدود وتنفيذ «ضربات لحماية الأمن القومي». ونقلت الوكالة عن مسؤول عسكري مصري، عبر موقع «العربي الجديد»، أن مصر نفّذت في 9 يناير 2026 ضربة على رتل للدعم السريع في منطقة المثلث الحدودي، ولم تتمكن من التحقق منه مستقلًا. وربط محللون التحول بسيطرة الدعم السريع على المثلث الشمالي الغربي في يونيو 2025 وعلى الفاشر في أكتوبر 2025. وحذّرت الرئاسة المصرية في ديسمبر 2025 من تجاوز «خطوط حمراء» (Dziadosz، 2026). ولم تؤكد مصر رسميًا هذه الوقائع. وتتحدث الدراسات عن قرائن متراكمة لا عن اعتراف.

6.2 اللاجئون: عنف إداري على الحدود الشمالية

لم يكن العنف في الشمال قصفًا فقط. فقد فرضت مصر في يونيو 2023 تأشيرة دخول على السودانيين، وعلّقت عمليًا اتفاقية الحريات الأربع التي وُقعت في 2004 وأقرّها برلمانا البلدين (Sudan Tribune، 2004؛ Soliman، 2025). ووثقت منظمة العفو الدولية في يونيو 2024 اعتقال 27 لاجئًا سودانيًا مع نحو 260 آخرين بين أكتوبر 2023 ومارس 2024 على يد قوات حرس الحدود والشرطة، وترحيل ما لا يقل عن 800 شخص بين يناير ومارس 2024 في 12 واقعة، واعتقال 14 لاجئًا على الأقل من مستشفيات أسوان (Amnesty International، 2024). ورفض المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر هذه النتائج. ووثقت «منصة اللاجئين في مصر» نحو 1,546 عملية ترحيل في 2024، يرجّح أن العدد الفعلي لمن رُحّلوا في العام نفسه تجاوز 20 ألفًا (Creta، 2025). وتقدّر المفوضية أن 1.5 مليون سوداني على الأقل لجأوا إلى مصر منذ الحرب، سُجّل منهم 691 ألفًا حتى أبريل 2025 (Dabanga، 2026ب). وهذه أرقام منظمات ومنصات، لا إحصاءات رسمية، لأن الحكومة المصرية لا تنشر بيانات.

6.3 الذهب كاقتصاد سياسي للحدود

تفسّر خلفية الذهب منطق الحدود في الشمال. كان الإنتاج الرسمي قبل الحرب فوق 80 طنًا (87 طنًا لعام 2022)، وبلغ الإنتاج المعلن 70 طنًا في 2025، لم يُصدّر رسميًا منها سوى نحو 20 طنًا (Soliman، 2025؛ Sudan Tribune، 2026ج). ويُقدّر أن التعدين الأهلي يمثل أكثر من 85% من الإنتاج ويشغّل نحو مليوني شخص (Sudan Tribune، 2026ج). وتقدّر دراسة تشاتام هاوس أن الذهب المهرّب إلى مصر يمثل نحو 60% من إنتاج ولايات الشمال ونهر النيل والبحر الأحمر، وأنه يتجاوز 100 كيلوغرام يوميًا، أي أكثر من 60 طنًا في عامي 2023 و2024، بينما لا تُظهر إحصاءات البنك المركزي السوداني سوى 16 مليون دولار صادرات ذهب إلى مصر في 2024 (1% من الإجمالي). وفي مايو 2023 أعفت مصر واردات الذهب الخام من الرسوم والضرائب، ورفعت الفوارق السعرية الربح إلى ما بين 60 و80% (Soliman، 2025). ولذلك تستفيد مصر من تدفق الذهب السوداني نفسه الذي تقصف مناطق التعدين القريبة من حدودها حين ترى فيها تهديدًا أمنيًا أو تعديًا على امتيازات. هذه مفارقة اقتصاد سياسي لا تفسّر الحادثة وحدها، لكنها تشرح لماذا يتكرر الاحتكاك في هذا الحزام تحديدًا.

  1. جبل العقيدات: واقعتا يونيو وأكتوبر 2026

7.1 وقائع 16–18 يونيو

بدأت الواقعة الأولى فجر الثلاثاء 16 يونيو 2026 بانفجارات وأزيز مقاتلات، واستهدفت منطقة شمال الوادي (جبل العقيدات وجبال أخرى مجاورة)، وسقطت آبار ذهب على من فيها (عبدالرحمن، 2026). وتفاوتت الحصائل: 23 قتيلًا بحسب وكالة الفرانس برس (AFP، 2026أ)، ونحو 30 بحسب قواعد بيانات الحوادث التي ترجّح الحد الأعلى، وهو رقم غير مؤكد (The New Arab، 2026؛ عبدالرحمن، 2026). وروى عمال أن «القوات المشتركة» التي كانت تحرس الجبل انسحبت قبل الهجوم بأربع ساعات (Njaaga، 2026) أو بيوم (عبدالرحمن، 2026). ومشى ناجون مسافات طويلة إلى سوق الأنصاري (Njaaga، 2026). وقال عمال إن حرس الحدود المصري أحرق معدات وملاجئ وأطلق الرصاص الحي في الأشهر السابقة، وإن موقع معسكر مصري قريب من الأنصاري والعقيدات (The New Arab، 2026)، وإن هجومًا بريًا سابقًا في رمضان أودى بتسعة عمال (Njaaga، 2026).

وبعد خمسة أيام أعلن المتحدث العسكري المصري حملة على «بؤر إجرامية» تشمل التنقيب غير المشروع عن الذهب، وأن الدولة المصرية «تحتفظ بكافة الخيارات المتاحة»، من غير أن يعلن مسؤوليته عن الغارات (عبدالرحمن، 2026). وأوقفت الحملة 223 مصريًا وأجنبيًا بحسب الجيش المصري (Sudan Tribune، 2026ب). وأكد مستشار رئيس مجلس السيادة، أمجد فريد، أن قوات مصرية استهدفت معدّنين سودانيين وأوقعت قتلى (The New Arab، 2026). ووعد البرهان في 22 يونيو بالتحقيق في ما قال إنه هجوم على سودانيين «بعد عبورهم إلى مصر»، وهو توصيف ينسب العبور إلى الضحايا ويخالف رواية العمال أن الموقع داخل السودان (Dabanga، 2026أ). وبعد نحو ثلاثة أسابيع لم يُنشر إحصاء موثوق ولا نتائج تحقيق (عبدالرحمن، 2026).

7.2 وقائع 10 أكتوبر

بحسب منظمة مناصرة ضحايا دارفور، حلّقت طائرتان من طراز «أنتونوف» فوق منجم شمال الوادي من 7 إلى 9 أكتوبر في الصباح والمساء، ثم ألقتا نحو تسع قنابل صباح السبت 10 أكتوبر (أفريقيا برس، 2026). وقال ناج إن طائرة ظهرت نحو الثامنة صباحًا وشنت خمس غارات (AFP، 2026أ). وأفاد مصدر أول لموقع «سودان تريبيون» بنقل 20 مصابًا على الأقل إلى سوق الأنصاري مبدئيًا، وفرار المئات إلى مرتفعات بلا ماء (Sudan Tribune، 2026أ). وتتفاوت الحصائل تفاوتًا كبيرًا. فقد أعلنت مجموعة «محامو الطوارئ» مقتل 72 معدّنًا مدنيًا، وهي حصيلة أولية قابلة للمراجعة، وتبنّاها مجلس السيادة (الجزيرة نت، 2026؛ Al Jazeera، 2026). وقدّمت «شبكة أطباء السودان» حصيلة أولية قدرها 13 قتيلًا وأكثر من 28 جريحًا مع توقع ارتفاعها لصعوبة الوصول إلى المنطقة (الجزيرة نت، 2026). وتحدثت منظمة مناصرة ضحايا دارفور عن نحو 200 قتيل و120 جريحًا، ونزوح نحو عشرة آلاف إلى أدروب، واقتياد 13 معدنًا إلى داخل الأراضي المصرية غير معروفي المصير (بوابة الوسط، 2026). وأفاد ناجون لموقع «سودان تريبيون» بوفاة ما لا يقل عن 200 ونزوح أكثر من 15 ألفًا (بوابة الوسط، 2026). وتفاوتت أعداد المتواجدين وقت القصف: بين خمسة وستة آلاف بحسب ناج (الجزيرة نت، 2026)، ونحو 12 ألفًا بحسب المنظمة (أفريقيا برس، 2026). ولم تُحسم بعدُ حصيلة نهائية.

ردّت الأطراف كما يلي. لم يعلن الجيش المصري مسؤوليته، لكنه أعلن في 12 أكتوبر المرحلة الثالثة من حملة مكافحة التنقيب، بعد إلقاء المنشورات التحذيرية (Sudan Tribune، 2026ب؛ الجزيرة نت، 2026). وأصدر مجلس السيادة بيان عزاء وشكّل لجنة تحقيق تضم النيابة والجهات العدلية والأمنية (الجزيرة نت، 2026). وكتب أمجد فريد أن القصف الجوي ضد المواطنين «جُرم غير مبرر وغير مقبول» وإن قنوات التواصل مفتوحة (الجزيرة نت، 2026). وأدان تحالف «تأسيس» بقيادة الدعم السريع الهجوم محمّلًا الحكومة المصرية المسؤولية، وطالب وزير في حكومته بتحقيق مستقل يشمل «احتمال التنسيق» مع قيادة الجيش السوداني، من غير أدلة (بوابة الوسط، 2026). وأعلنت الخارجية المصرية متابعة مقتل سائقين مصريين وإصابة ثالث بإطلاق نار جنوب الخرطوم، وقال مصدر رسمي إن الجاني اعتُقل (Sudan Tribune، 2026د).

7.3 تقييم الأدلة: الإسناد والمكان والحصيلة

الإسناد. يتفق الناجون ومنظمات حقوقية وأحزاب سودانية وتحالف «تأسيس» على أن الطائرات مصرية، ويؤيد ذلك أن الجيش المصري أعلن عمليات في المنطقة، وأن مسؤولًا سودانيًا أكد في يونيو الدور المصري، وأن رويترز رصدت تعزيز القدرة الجوية المصرية في الجنوب. وفي المقابل لم تعلن مصر مسؤوليتها، ولم تتمكن وكالات مثل فرانس برس و«سودان تريبيون» من التحقق مستقلًا من هوية الطائرات أو الحصيلة (AFP، 2026أ؛ Sudan Tribune، 2026أ). والخلاصة أن الإسناد إلى مصر مرجّح بقوة القرائن لكنه غير مثبت بدليل مادي منشور. ويجب أن تُلاحظ مصالح المصادر: تحالف «تأسيس» تقوده قوات الدعم السريع الخصم للجيش المتحالف مع القاهرة، والحكومة السودانية حليفة لمصر، ومصر طرف في الاتهام.

المكان. اختلفت التقارير في تحديد الولاية؛ ذكر أحد تقارير «سودان تريبيون» نهر النيل، وذكر لاحقه البحر الأحمر (بوابة الوسط، 2026). ونشر موقع «الحرة» رابط خريطة يحدد الموقع نحو 21.82 درجة شمالًا و34.40 درجة شرقًا، وقال إنه داخل الأراضي السودانية بنحو 20 كيلومترًا (عبدالرحمن، 2026). وبحسب تلك الإحداثيات، إن صحّت، يقع الموقع جنوب خط 22° بنحو عشرين كيلومترًا، أي داخل الأراضي التي تعدّها مصر نفسها سودانية بحسب خط 1899، لا في مثلث حلايب المتنازع عليه. وهذا يضع سؤالًا مباشرًا على الرواية القائلة بأن العمليات جرت «داخل الحدود المصرية» (AFP، 2026أ). وقد يكون المقصود امتيازًا مصريًا مجاورًا تسلّل إليه بعض العمال بحسب رواية أحدهم (عبدالرحمن، 2026). فالمسألة لم تُحسم، وتتطلب تحديد موقع الضربات وموقع التسلل المزعوم بالإحداثيات.

الحصيلة. الفارق بين 13 و200 لا يمكن تفسيره بخطأ عشوائي. في الأيام الأولى تعكس حصائل المستشفيات من وصلوا أحياء إلى سوق الأنصاري فقط، بينما يتبدد كثير من الجرحى والقتلى في الجبال، وتُطمر جثث في آبار منهارة، ويصعب الوصول إلى الموقع. وتعكس حصائل المنظمات المجتمعية شهادات الناجين وقوائم المفقودين، وهي أعلى لكنها أقل قابلية للتدقيق. وينبغي التعامل مع كل رقم بوصفه حدًّا أدنى أو أعلى بحسب منهج جمعه، لا حقيقة.

  1. الأساطير والإشاعات والمعلومات المضللة

أسطورة الأرقام الصلبة. تتفاوت حتى أرقام الأحداث الموثّقة بين المصادر الأكاديمية: 800 أو 600 قتيل في كورتي (Beška، 2019؛ Waddington، 1822)، و150 أو أكثر من 200 قتيل مصري في بارا (Beška، 2019)، و30 ألف أو 20 ألف عبد خلال سنة أو بحلول 1824 (Metz، 1991؛ Beška، 2019)، وغرامة إسماعيل على نمر بين ألف أو ستة آلاف عبد (Beška، 2019). ومن يسوق رقمًا واحدًا لمجازر الدفتردار أو يقول إن مصر «لم تقتل» أو «قتلت مئات الآلاف» يتجاوز ما تتيحه الأدلة.

أسطورة المصري = التركي = المحتل. يخلط الخطاب الشعبي بين الجيش التركي-الألباني والمصري الفلاح والنخبة الإدارية، ويتجاهل أن جنودًا مصريين هلكوا في الصحراء بأمر الخديوي، وأن جنودًا سودانيين خدموا في الجيش الذي أعاد الفتح (Metz، 1991؛ Holt، 2011). وفي المقابل، يتجاهل الخطاب الرسمي في القاهرة أحيانًا أن السودانيين ورثوا ذاكرة شديدة المرارة عن «التركية».

أسطورة «كل قتيل تعدين ضحية مصر». يموت المعدّنون السودانيون أيضًا في انهيارات الآبار (قتل انهيار في أم فكرون بجنوب كردفان 13 عاملًا في يناير 2026، بحسب الشركة الحكومية؛ AFP، 2026ب)، وفي حروب المسيّرات التي قتلت أكثر من ألف مدني في أول خمسة أشهر من 2026 بحسب المفوض السامي لحقوق الإنسان (The New Arab، 2026). والتعميم يُضعف المساءلة الدقيقة عن كل حالة.

إشاعات أكتوبر 2026. لم تتحقق التقارير المتاحة بصورة مستقلة من الصور والمقاطع المتداولة، ولا من اقتياد 13 معدنًا إلى مصر، ولا من ادعاء مقتل ضباط مصريين، ولا من أن المناجم «ملك للدولة المصرية»، ولا من ربط المعدّنين بشبكات سلاح وتهريب (بوابة الوسط، 2026). وتتداول حسابات مؤيدة لمصر أن العمال تسللوا ثم أعادوا المحاولة فقُصفوا. وتتداول حسابات مناوئة لها أن مصر تسعى إلى «التوسع» في الموارد السودانية، وهذا استنتاج تفسيري لا دليل مباشر عليه (الجزيرة نت، 2026). ومن الإشاعات السابقة أن مصر أبرمت اتفاقات لإنشاء 108 مناجم ذهب في شمال السودان، وقد نفتها وزارة البترول المصرية في 20 يونيو (عبدالرحمن، 2026). ومن قبيل الاستنتاج غير المثبت أيضًا أن انسحاب القوة المشتركة قبل الهجوم يدل على تنسيق بين الحكومتين، فهو يظل فرضية يحتاج إثباتها إلى تحقيق (عبدالرحمن، 2026).

دور الإشاعة في العنف. لم تبقَ الإشاعة كلامًا. ففي اليوم الثاني للأزمة قُتل سائقان مصريان، وقيل إن مطلق النار انتقم لأخيه (Sudan Tribune، 2026د). وتكرر النمط الذي بدأ في شندي عام 1822: إهانة ثم ثأر ثم بطش أوسع. وقد حذّر المتحدث المصري من «الشائعات المضللة والأجندات الخارجية» (الجزيرة نت، 2026)، لكن غياب تقديم الدولة رواية موثقة عن العملية هو ما يفتح المجال للشائعة.

  1. التحليل: ما الذي استمر وما الذي تغيّر؟

ما استمر. أولًا، الارتباط بين الموارد والأمن. كان الرقيق والذهب غاية الغزو في 1820، وصار الذهب والحدود في 2026. وتتفاوت علاقة الموارد بالنزاع بحسب نوع المورد (Ross، 2004). ثانيًا، منطق الحماية والإكراه الذي وصفه تيلي حين قرأ صناعة الدولة بوصفها ابتزاز حماية منظمًا (Tilly، 1985): تؤمَّن التخوم بالقوة وتُستخرج منها الموارد. ثالثًا، الوسطاء المحليون: الشايقية والعبابدة في 1820–1822 (Beška، 2019)، والقوات المشتركة والتجار المهربون في 2026 (Soliman، 2025). رابعًا، الإفلات من المساءلة: لم يحاسَب أحد على فظائع 1822، ولم تصدر نتائج تحقيق في يونيو 2026 بعد ثلاثة أسابيع (عبدالرحمن، 2026). وقد يضيف مفهوم السياسة الموتية عند مبيمبي (Mbembe، 2003) أداة قراءة للسيادة بوصفها سلطة تقرير من يعيش ومن يموت على التخوم، شرط ألا يُستخدم بديلًا عن الأدلة.

ما تغيّر. أولًا، لم يعد العنف مشروع احتلال شامل بل ممارسة حدودية محدودة المكان. ثانيًا، صار الطرفان دولتين ذواتي سيادة وطرفين في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فلا يجوز استخدام القوة المميتة في إنفاذ القانون إلا للضرورة والتناسب والاحتياط (Human Rights Committee، 2019). وفي غير النزاع المسلح تنطبق قواعد إنفاذ القانون الحقوقية، لا قواعد الحرب (ACHPR، 2015). ثالثًا، دخلت أدوات التحقق: صور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة والتوثيق الحقوقي المحلي. رابعًا، المسؤولية الآن ثنائية: مسؤولية القاهرة عن استخدام القوة، ومسؤولية الخرطوم عن حماية مواطنيها وتوضيح حدودها وعدم إخلاء المواقع، وعن سكوتها أو رد فعلها الفاتر بحسب العمال (عبدالرحمن، 2026).

  1. الدروس والتوصيات القابلة للتنفيذ في سودان ما بعد الحرب

10.1 تحقيق مستقل ومعياري

لا يكفي أن تشكّل الدولة لجنة. ينبغي أن تُنشر اختصاصاتها خلال ثلاثين يومًا، وأن تعمل وفق بروتوكول مينيسوتا للتحقيق في الوفيات المحتملة غير المشروعة (OHCHR، 2017) وبروتوكول بيركلي للتحقيقات الرقمية المفتوحة المصدر (OHCHR، 2022)، وأن تضم خبراء مستقلين وممثلين للنيابة وللمنظمات التي وثقت الوقائع (محامو الطوارئ، وشبكة أطباء السودان، ومنظمة مناصرة ضحايا دارفور). وينبغي أن تصدر تقريرًا أوليًا خلال تسعين يومًا يتضمن تحديد مواقع الضربات بالإحداثيات، وفحص بقايا الذخائر، وحصر الأسماء، وتحديد مواقع المقابر والآبار المنهارة. وينبغي أن تتضمن طلبًا رسميًا إلى مصر لمشاركة سجلات العمليات وإنذار المنشورات، حتى لا يبقى التحقيق من طرف واحد.

وعلى مستوى القياس يقدّم علم الوبائيات أداة: تقدير الوفيات بمصادر متعددة (Multiple Systems Estimation) أو الاصطياد وإعادة الاصطياد (International Working Group for Disease Monitoring and Forecasting، 1995). تؤخذ قوائم مستقلة (سجلات مستوصف الأنصاري ومستشفى عطبرة، وقوائم محامي الطوارئ، وقوائم المجتمعات المحلية للمفقودين). ثم يحسب عدد المشتركين بينها ويقدَّر العدد الكلي المتوقع. في صيغة القائمتين: N ≈ (n₁ × n₂) ÷ m، حيث m عدد المتطابقين. وتُستخدم النماذج اللوغاريتمية الخطية حين تتعدد القوائم. وهذا مثال تخطيطي لا يتعلق ببيانات الحادثة. وتفيد صور الأقمار الصناعية في رصد مخيمات المعدنين وتغيّرها كما فعل مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل في رصد أساطيل المسيّرات (Humanitarian Research Lab، 2025).

10.2 قواعد استخدام القوة وإدارة الحدود

ينبغي أن يتضمن أي بروتوكول سوداني-مصري إطارًا لاستخدام القوة يقوم على «المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية» التي اعتمدها مؤتمر هافانا عام 1990، ومنها أن الاستخدام المتعمد للأسلحة النارية المميتة لا يكون إلا حين يتعذر تجنبه حماية للأرواح (United Nations، 1990). والتطبيق العملي في الحدود: إنذار مرئي ومسموع بعدة لغات قبل أي إجراء، وتحديد مناطق عازلة معلنة بالإحداثيات، والاحتجاز والترحيل بدل القصف في مواجهة العمال المدنيين غير المسلحين، وحظر القصف الجوي على التجمعات المدنية. والإنذار بالمنشورات لا يجعل القصف مشروعًا إن كان الهدف مدنيين، وإنما هو شرط ضروري لا كافٍ.

10.3 تقنين التعدين الأهلي وتتبّع الذهب

يتطلب الحد من مخاطر حزام الذهب إدخاله في إطار قانوني. المقترح: مسح جيولوجي وكادسترال للمنطقة الحدودية يتيح تحديد مناطق للتعدين الأهلي بالتعاون مع التعاونيات، وسجل علني للامتيازات الأجنبية والوطنية بإحداثياتها، يحسم الجدل حول «الشركة المصرية» والمناجم المزعومة، وإنذار محلي يستخدم الرسائل النصية وأجهزة الراديو في مناطق الخطر. ويستند هذا إلى ما تراجعه الأدبيات عن أربعة عقود من دعم التعدين الأهلي الصغير في أفريقيا جنوب الصحراء (Hilson، 2014). وللتحكم في التهريب تُطبّق عناية واجبة على سلاسل الذهب وفق إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD، 2016). وتوصي دراسة تشاتام هاوس بنهج إقليمي يشمل مصر والإمارات (Soliman، 2025). وقد يمهّد الاتفاق على تجارة ذهب شرعية مع مصر لتخفيف الحافز على التهريب.

10.4 حوكمة الحدود المشتركة والتحكيم

يحتاج النزاع الحدودي إلى مسار تدريجي. المسار الفني: لجنة مشتركة لتثبيت إحداثيات خط 22° على الأرض ووضع علامات وبوابات. المسار الإداري: ترتيب مؤقت للمنطقة المتنازع عليها يقوم على «منطقة تكامل وتنمية» سبق أن ذُكرت فكرتها بين البلدين (Sudan Tribune، 2011). المسار القانوني: تحكيم بموافقة الطرفين. ويقدّم تحكيم أبيي أمام محكمة التحكيم الدائمة في 22 يوليو 2009 سابقة سودانية: أُنجز في تسعين يومًا وقبله الطرفان (Permanent Court of Arbitration، 2009). لكن مصر ترفض التحكيم حتى الآن (Sudan Tribune، 2013)، لذلك يبدأ العمل بالمسارين الفني والإداري. ويوفّر إطارًا قاريًا للتعاون العابر للحدود اتفاقية الاتحاد الأفريقي (نيامي) المعتمدة في يونيو 2014 (African Union، 2014). وينبغي إشراك مجتمعات البشاريين والعبابدة والرشايدة في لجان محلية مشتركة.

10.5 اللاجئون والتنقل

ينبغي وقف الطرد الجماعي ومنح المسجلين في المفوضية حماية فعلية، واستعادة اتفاقية الحريات الأربع أو استبدالها بنظام تنقل إقليمي مرن (Amnesty International، 2024؛ Creta، 2025). ويحتاج ذلك إلى بيانات رسمية معلنة عن الاعتقال والترحيل لتتيح المراجعة المستقلة.

10.6 نزاهة المعلومات ومنع دورات الانتقام

يُنشأ «سجل ادعاءات» علني يصنف كل ادعاء ويحدد حالته: مؤكد أو متنازع عليه أو مدحوض، كما تفعل أقسام التحقق في الصحافة السودانية. وتُعتمد في أول أربع وعشرين ساعة من أي حادثة حدودية رسالة مشتركة من البلدين تتضمن الوقائع المؤكدة وما لم يُؤكد بعد وموعد الإعلان التالي، ومن شأنها أن تخفض احتمال الثأر الذي ظهر في الخرطوم. وتُستخدم تقنيات «التطعيم النفسي» ضد المعلومات المضللة، وقد أثبتت دراسات ميدانية فعاليتها في وسائل التواصل (Roozenbeek، 2022).

10.7 الذاكرة والتعليم والأرشيف

تُدرَّس «التركية» بدقة بما فيها من تعقيد وتنوع الفاعلين، ويُشكَّل فريق مشترك من المؤرخين السودانيين والمصريين لتحرير مدونة الأحداث (1820–1898) من الأرقام غير المسنودة. وتُرقمن الوثائق الأولية (مثل وثائق الإدارة التركية-المصرية وروايات الرحالة) وتُحفظ نسخ في بلدان آمنة، لأن الحرب هددت المؤسسات السودانية. وقد يسهم معرض وطني عن مآسي الحدود وضحاياها في تحويل الألم الجماعي إلى ذاكرة موثقة.

10.8 مسؤولية الدولة السودانية

للمساءلة وجه داخلي. على الحكومة السودانية أن تنشر نتائج لجنة التحقيق وتتيح لأسر الضحايا تعويضات ومساعدة قانونية، وتبيّن من أمر بسحب القوات المشتركة قبل الهجوم إن ثبت ذلك، وتحدد موقفها من خط الحدود بوضوح بدل التذبذب بين «أحداث وقعت داخل مصر» و«جُرم غير مبرر». وليست الخرطوم مجرد مدعٍ على القاهرة، بل هي أيضًا الجهة المكلفة بحماية مواطنيها في أرضهم.

خاتمة

لا يجيب التاريخ الموثق عن سؤال العنف بإجابة قاطعة. ففي 1820–1824 نملك أدلة قوية على أن الحملة التي قادها الدفتردار وإسماعيل مارست مجازر وتشويهًا واسترقاقًا ضمن مشروع استخراج للرقيق والضرائب، مع أرقام تقديرية لا إحصائية. وفي 2026 نملك قرائن راجحة على أن الطائرات مصرية وأن الضحايا مدنيون، لكنها لا ترقى إلى إثبات رسمي، مع حصائل تتراوح بين 13 و200. وما يجمع بين العهدين ليس الهوية بل الشروط: موارد على التخوم، وسلطة قوية تؤمّن حدودها بالقوة، وغياب مساءلة، وإشاعة تغذي الثأر. وما يميز اللحظة الحالية أن للسودانيين والمصريين أدوات لم تكن متاحة في القرن التاسع عشر: قانون حقوقي مشترك، وأدوات تحقق علمية، وأطر تحكيم وتعاون حدودي. والتحدي أن تُستخدم هذه الأدوات قبل أن تفتح الحادثة القادمة دورة جديدة.

المراجع

  1. AFP. 72 killed in airstrike on gold mine on Sudan-Egypt border: rights group. Arab News. 2026 Oct 11.
  2. AFP. Sudan gold mine collapse kills 13 miners. BSS. 2026 Jan 28.
  3. African Commission on Human and Peoples’ Rights. General comment No. 3 on the African Charter on Human and Peoples’ Rights: the right to life (Article 4). Banjul: ACHPR; 2015.
  4. African Union. African Union Convention on Cross-Border Cooperation (Niamey Convention). Malabo: African Union; 2014.
  5. Al Jazeera. At least 72 Sudanese miners killed in air strike: rights monitor. Al Jazeera. 2026 Oct 11.
  6. Al Jazeera. Sudan’s RSF accuses Egypt of involvement in air strikes on its forces. Al Jazeera. 2024 Oct 10.
  7. Amnesty International. “Handcuffed like dangerous criminals”: arbitrary detention and forced returns of Sudanese refugees in Egypt. London: Amnesty International; 2024.
  8. Beška E. Muḥammad ʿAlī’s conquest of Sudan (1820–1824). Asian Afr Stud. 2019;28(1):30–56.
  9. Bjørkelo A. Prelude to the Mahdiyya: peasants and traders in the Shendi region, 1821–1885. Cambridge: Cambridge University Press; 1989.
  10. Bureau of Intelligence and Research. International boundary study no. 18: Sudan–Egypt (United Arab Republic) boundary. Washington (DC): US Department of State; 1962.
  11. Collins RO. A history of modern Sudan. Cambridge: Cambridge University Press; 2008.
  12. Creta S, Khalil N. Far more Sudanese refugees in Egypt are now being detained and deported. The New Humanitarian. 2025.
  13. Dabanga. El Burhan promises probe into “Egypt attack on Sudanese miners”. Radio Dabanga. 2026 Jun 23.
  14. Dabanga. Sudan: experts warn of “illegal” crackdown on Sudanese refugees in Egypt. Radio Dabanga. 2026 Feb 2.
  15. Dafalla H. The Nubian exodus. London: C. Hurst; 1975.
  16. Daly MW. Empire on the Nile: the Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. Cambridge: Cambridge University Press; 1986.
  17. Dziadosz A, Delrue M, Laguna MP. Egypt’s drone deployment to border raises stakes in Sudan’s civil war. Reuters. 2026 Feb 2.
  18. Dzurek DJ, Schofield CH. Parting the Red Sea: boundaries, offshore resources and transit. Durham: International Boundaries Research Unit, University of Durham; 2001.
  19. English GB. A narrative of the expedition to Dongola and Sennaar under the command of His Excellence Ismael Pasha. London: John Murray; 1822.
  20. Galtung J. Violence, peace, and peace research. J Peace Res. 1969;6(3):167–91.
  21. Hill RL. Egypt in the Sudan, 1820–1881. London: Oxford University Press; 1959.
  22. Hilson G, McQuilken J. Four decades of support for artisanal and small-scale mining in sub-Saharan Africa: a critical review. Extr Ind Soc. 2014;1(1):104–18.
  23. Holt PM, Daly MW. A history of the Sudan: from the coming of Islam to the present day. 6th ed. Harlow: Pearson Education; 2011.
  24. Human Rights Committee. General comment No. 36 (2018) on article 6 of the International Covenant on Civil and Political Rights, on the right to life. CCPR/C/GC/36. Geneva: United Nations; 2019.
  25. Humanitarian Research Lab, Yale School of Public Health. RSF preparing large-scale suicide drone fleet for launch in Nyala. New Haven (CT): Yale School of Public Health; 2025 Sep 29.
  26. International Working Group for Disease Monitoring and Forecasting. Capture-recapture and multiple-record systems estimation I: history and theoretical development. Am J Epidemiol. 1995;142(10):1047–58.
  27. Mbembe A. Necropolitics. Public Cult. 2003;15(1):11–40.
  28. Metz HC, editor. Sudan: a country study. 4th ed. Washington (DC): Federal Research Division, Library of Congress; 1991.
  29. Njaaga D. Sudanese parties accuse Egypt of deadly airstrikes on gold mines. The Standard. 2026 Jun 21.
  30. O’Fahey RS. The Darfur sultanate: a history. London: Hurst; 2008.
  31. Ofcansky T. Sudan: recent history. In: Africa south of the Sahara. 32nd ed. London: Europa Publications; 2002. p. 985.
  32. Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights. Minnesota Protocol on the Investigation of Potentially Unlawful Death (2016). New York: United Nations; 2017.
  33. Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, Human Rights Center, University of California, Berkeley. Berkeley Protocol on Digital Open Source Investigations. New York: United Nations; 2022.
  34. Organisation for Economic Co-operation and Development. OECD due diligence guidance for responsible supply chains of minerals from conflict-affected and high-risk areas. 3rd ed. Paris: OECD Publishing; 2016.
  35. Permanent Court of Arbitration. The Government of Sudan v. The Sudan People’s Liberation Movement/Army (Abyei arbitration): final award. The Hague: Permanent Court of Arbitration; 2009 Jul 22.
  36. Robinson AE. The conquest of the Sudan by the Wali of Egypt, Muhammad Ali Pasha, 1820–1824. Part II. J R Afr Soc. 1926;25(98):164–82.
  37. Roozenbeek J, van der Linden S, Goldberg B, Rathje S, Lewandowsky S. Psychological inoculation improves resilience against misinformation on social media. Sci Adv. 2022;8(34):eabo6254.
  38. Ross ML. What do we know about natural resources and civil war? J Peace Res. 2004;41(3):337–56.
  39. Soliman A, Baldo S. Gold and the war in Sudan: how regional solutions can support an end to conflict. London: Royal Institute of International Affairs; 2025.
  40. Sudan Tribune. Air strikes hit gold mines near Sudan-Egypt border, killing dozens, miners say. Sudan Tribune. 2026 Oct 11.
  41. Sudan Tribune. Egypt says border strikes targeted illicit gold mining networks. Sudan Tribune. 2026 Oct 12.
  42. Sudan Tribune. Halayeb is an “occupied” Sudanese territory, says senior official. Sudan Tribune. 2013 Apr 9.
  43. Sudan Tribune. Sudan gold production surges during war as smuggling drains economy. Sudan Tribune. 2026 Jan 15.
  44. Sudan Tribune. Sudan official demands Egypt to vacate Halayeb “immediately”. Sudan Tribune. 2011 Feb 17.
  45. Sudan Tribune. Sudan signs agreement on four freedoms with Egypt. Sudan Tribune. 2004 Jul 22.
  46. Sudan Tribune. Two Egyptian truck drivers killed in shooting south of Khartoum. Sudan Tribune. 2026 Oct 12.
  47. The New Arab. Egypt attacks Sudanese gold miners as fears grow for al-Obeid. The New Arab. 2026 Jun 18.
  48. The New Arab. Sudan’s RSF says it handed over 27 Egyptian soldiers to International Red Cross. The New Arab. 2023 Apr 20.
  49. Tilly C. War making and state making as organized crime. In: Evans PB, Rueschemeyer D, Skocpol T, editors. Bringing the state back in. Cambridge: Cambridge University Press; 1985. p. 169–91.
  50. United Nations. Basic principles on the use of force and firearms by law enforcement officials. Havana: Eighth United Nations Congress on the Prevention of Crime and the Treatment of Offenders; 1990.
  51. United Nations. International Covenant on Civil and Political Rights. New York: United Nations; 1966. Treaty Series, vol. 999, p. 171.
  52. Waddington G, Hanbury B. Journal of a visit to some parts of Ethiopia. London: John Murray; 1822.
  53. Wingate FR. Mahdiism and the Egyptian Sudan. London: Macmillan; 1891.
  54. أفريقيا برس. منظمات سودانية: مقتل أكثر من 150 من عمال التعدين في هجوم للجيش المصري. أفريقيا برس. 2026 أكتوبر 12.
  55. بوابة الوسط. قصف مناجم الذهب في السودان: اتهامات للجيش المصري على منصات التواصل ومطالب بالتحقيق. بوابة الوسط. 2026 أكتوبر 12.
  56. الجزيرة نت. بعد مقتل العشرات قرب حدود مصر.. الخرطوم تحقق والقاهرة تحذّر من الشائعات. الجزيرة نت. 2026 أكتوبر 12.
  57. عبدالرحمن ش. جبل العقيدات.. الموت في آبار الذهب. الحرة. 2026 يوليو 8.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
كاميرون هدسون : الحقيقة هي أن أقوى جيش في أفريقيا قصف مجموعة من المدنيين الفقراء العزل .. يجب على السودان أن يتحرر من ظل (أو هيمنة) القاهرة
الأخبار
عرمان: البشير يسئ لكل السود بلغة عنصرية وأتباعه يحرقون كنيسة وأمنه يشن حملة علي الحركة الشعبية
منبر الرأي
للموت !!
ود لبات يقدم صورة مضللة وخادعة عن الجيش السوداني (3) .. بقلم: صديق الزيلعي
منبر الرأي
السودان: حين تحاصر الحربُ والجفافُ رغيفَ الخبز

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

اعلان ندوة التحالف الديمقراطي بواشنطن السبت 21 اكتوبر2017

طارق الجزولي
منبر الرأي

الاحتلال الروسي للمنطقة العربية .. بقلم: د. احمد محمد عثمان ادريس

د . أحمد محمد عثمان إدريس
منبر الرأي

رسالة إلى الدكتور عشاري ومن يهمه الامر .. بقلم: شوقي بدري

شوقي بدري
منبر الرأي

الكيكة المسمومة والمُخرجات .. بقلم: عوض محمد الحسن

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss