من رقابة السلطة إلى صناعة الوهم: تحولات الصحافة في غياب الديمقراطية

دكتور محمد عبدالله
في البدء، لم تكن الصحافة مجرد حرفة، بل تعاقداً ضمنياً مع المجتمع: أن ترى له ما لا يراه، وأن تنطق بما يُخشى البوح به، وأن تحفظ للذاكرة العامة نقاءها من التزييف والنسيان. في الأنظمة الديمقراطية، تقوم هذه المهمة على ركيزتين متلازمتين: الحرية والمسؤولية؛ حرية الوصول إلى المعلومة ونشرها، مقابل مسؤولية التحقق والتوازن واحترام العقل الجمعي.

لهذا تبدو الصحافة في الديمقراطيات المستقرة أقرب إلى مؤسسة رقابة موازية، غير منتخبة لكنها خاضعة لأطر قانونية ومهنية صارمة: مجالس إعلام مستقلة، مواثيق أخلاقية نافذة، حق رد، قوانين تشهير دقيقة، ومحاكم لا تتوانى عن محاسبة المؤسسات حين تخرج عن الجادة. الصحافي هناك لا يعمل في فراغ، بل في بيئة يعرف فيها أن سطراً واحداً غير موثّق قد يكلفه سمعته، بل قد يكلف مؤسسته الكثير. ليس لأن السلطة تطلب ذلك، بل لأن المجتمع نفسه—بأدواته القانونية—يفرضه.

لكن حين تتراجع الديمقراطية، يتبدل دور الصحافة تبدلاً دراماتيكياً . تفقد مرآتها، وتتحول من ناقلة للواقع إلى صانعة له، ومن سلطة رقابية إلى أداة في يد الحكام أو الطامحين إليهم. في هذه البيئات، تتآكل المعايير أولاً ، ثم تختفي تدريجياً . يحل الاتهام محل التحقيق، والشائعة محل التوثيق، والتحريض محل التحليل. وحتى اللغة—وهي رأسمال الصحافي الأثمن—تصبح خشنة، أقرب إلى الشتيمة منها إلى البيان.

في هذا المناخ، لم تعد الصحافة فضاءاً للنقاش العام، بل ساحة لتصفية الحسابات. يختلط الخبر بالرأي، ويُسوّق الكذب باعتباره “سبقاً ”، ويُستخدم التشهير وسيلة للابتزاز. ومع الوقت، يعتاد الجمهور هذا الانحدار، فتفقد الحقيقة قيمتها، ويصبح الشك هو الأصل لا الاستثناء. وهذه هي الخسارة الكبرى: حين لا يثق الناس في شيء، يصبح كل شيء ممكناً ، بما في ذلك الأسوأ.

التجربة السودانية تقدم مثالًا موجعاً على هذا المسار. في سنوات الديمقراطية التي سبقت انقلاب الإسلاميين، لم تكن الصحافة مجرد ناقلة للصراع السياسي، بل كانت—في بعض منابرها—أداة لتأجيجه. استُخدم خطاب تعبوي حاد، مزج الدين بالسياسة، وصنّف الخصوم لا بوصفهم منافسين بل أعداء. جرى تسخيف التجربة الديمقراطية ذاتها، وتصويرها كفوضى أخلاقية وسياسية، تمهيداً لقبول “الخلاص” عبر القبضة الحديدية.

لم يكن الانقلاب حدثاً معزولاً عن هذا المناخ، بل نتيجة له إلى حد بعيد. حين تُفرغ الديمقراطية من معناها في الوعي العام، يصبح الانقلاب—في عيون البعض—تصحيحاً لا جريمة. وهكذا أسهمت صحافة منحازة ومؤدلجة في إفساد التربة التي كان يمكن أن تنمو فيها تجربة ديمقراطية قابلة للحياة.

ثم جاء ما بعد الانقلاب، فاختفى الحد الأدنى من الاستقلال، وتحولت الصحافة—باستثناءات قليلة شجاعة—إلى لسان حال السلطة. لم يعد السؤال: هل هذا صحيح؟ بل: هل هذا مفيد؟ مفيد لمن يملك القوة. وهنا بلغ الانحدار ذروته: حين يُستبدل معيار الحقيقة بمعيار المنفعة السياسية.

واليوم، بعد أن عادت البلاد إلى دوامة العنف، يتكرر المشهد بصورة أكثر قتامة. بعض الأصوات التي قدمت نفسها يوماً بوصفها “حارسة القيم” تمارس نقيض ذلك: نشر الأكاذيب، وترويج الأوهام، والانخراط في حملات تشهير متبادلة. لم يعد الخلاف سياسياً فحسب، بل تحول إلى سوق للابتزاز، حيث تُستخدم المعلومة—أو ما يشبهها—عملة للمساومة.

في مشهد يكاد يكون كاريكاتورياً ، يتكشف أحياناً أن بعض هؤلاء لا يتردد في طلب منافع شخصية من مؤسسات الدولة، ثم ينقلب—إذا افتُضح أمره—إلى خطاب هابط يفتقر إلى أدنى قدر من اللياقة المهنية. وفي المقابل، تجد آخرين أذلتهم المصالح، فصاروا ينكرون ما لا يُنكر، ويعيدون صياغة الواقع بما يتناسب مع ما يُدفع لهم. بين هؤلاء وأولئك، تضيع الحقيقة مرة أخرى، وتضيع معها أرواح الناس ومعاناتهم.

الخطر هنا ليس لحظياً ، بل تراكمي. حين تتحول الصحافة إلى أداة شتم وابتزاز، فإنها لا تفسد النقاش العام فحسب، بل تعيد تشكيل وعي المجتمع على أسس مشوهة. يعتاد الناس العنف اللفظي وغياب الدليل، واختزال القضايا المعقدة في ثنائيات ساذجة. ومع الوقت، يصبح من العسير إعادة بناء الثقة، لأن الضرر لا يصيب المؤسسات فقط، بل يصيب اللغة نفسها—واللغة، في النهاية، هي وعاء التفكير.

في الديمقراطيات الراسخة، لا يُترك هذا المجال للصدفة. هناك استثمار طويل الأجل في تدريب الصحافيين، وترسيخ ثقافة التحقق، وحماية الاستقلال الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية كي لا تقع فريسة الابتزاز السياسي أو المالي. كما أن للجمهور دورًا حاسماً ، بمساءلته ما يقرأ، ودعمه للصحافة الجادة، ورفضه الانحدار.

أما في السياقات الهشة، فإن إعادة الاعتبار للصحافة تبدأ بالاعتراف بحجم الأزمة. لا يكفي الحديث عن حرية التعبير، بل يجب ربطها دائمًا بالمسؤولية المهنية. ولا يكفي لوم السلطة، بل يجب مساءلة الصحافي نفسه: ماذا يكتب؟ ولماذا؟ ولصالح من؟

قد لا يمكن إصلاح كل شيء دفعة واحدة، لكن استعادة بعض المعنى ممكنة. تبدأ بخطوات صغيرة: خبر دقيق بدل إشاعة، لغة نظيفة بدل شتيمة، سؤال مهني بدل اتهام مجاني. في النهاية، ليست الصحافة إلا انعكاساً للمجتمع الذي تنتجه. فإذا أراد المجتمع أن يرى نفسه بوضوح، فعليه أولًا أن يصلح المرآة.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

متين تضحك سماء الخرطوم حبيبتنا و متين تصفى ؟

محمد عبدالله سؤال يبدو كأنه وُلد معنا، وصار يكبر كلما ضاقت البلاد بأهلها، وكلما ثقلت …