من طوام الدكتور عزام: ردٌ على مقولة “الحفظ للحمير”

بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان
كثيرون هم مَنْ تنطبق عليهم “نظرية الهلال الثاني”. في إحدى القرى، وقف الناس قبيل المغيب يتشوّفون رؤية هلال العيد السعيد. فإذا بأحد الأشخاص يصيح: “هاهو الهلال! لقد رأيته”! تطلع الناس حيث أشار فرأوا الهلال بالفعل، فأقبلوا عليه يهنئونه؛ ومن شدة الزهو الذي انتابه، التفتَ إلى الجهة الأخرى وصاح من جديد: انظروا! ها هو هلال آخر!

بعض الناس يبرع في شيء واحد، فيثني عليه الناس، فإذا به يفتي في كل شيء!

لكلمة “تواضع” مرادفان في اللغة الإنجليزية. فهناك أولاً كلمة “Humility”، وهي مشتقة من ” humilitas ” وتعنى “الانخفاض” و”عدم الأهمية” أو قلة الشأن (lowness, insignificance). وهي المقابل المعتاد عند الترجمة لكلمة “تواضع”، التي تشير في الأصل إلى الانخفاض والنزول. لكن هناك أيضاً كلمة أخرى مرادفة لكلمة “تواضع” هي ” Modesty”، التي تدل على التواضع إجمالاً، لكن بتفصيل مهم. فالشخص الذي يتصف بالـ Modesty لا يتواضع بأن ينزل من مقامه، بل يظل في مكانه لكن لا يتجاوزه إلا ما هو أعلى منه. والكلمة مشتقة من مصدرين في اللغة اللاتينية، هماmodestia الذي يشير إلى الاعتدال (moderation)، وmodestus الذي يشير إلى المحافظة على الحد وعدم تجاوزه (keeping due measure, temperate). ويتقارب المعنى في كلا المصدرين، فهما يدلان على التوسط والاعتدال وعدم تجاوز الحد.

ومن خلال هذه المقاربة، نستنتج أنه إذا كان خفض الجناح هو التواضع المنشود، فإن مجرد بقاء الشخص في مقامه، ولو كان ذلك المقام رفيعاً، بدون أن يتجاوزه، فإن ذلك يعد فضيلةً عظيمة.

لكننا بُلينا بأشخاص لا هم يتواضعون بأن يتنازلوا من وَهَمِ عليائهم، ولا هم يبقون في مكانهم الذي وضعهم الله فيه. ومن أمثلة الافتقار إلى الـ Modestyأن يتصرف التلميذ إذا مدحوه وكأنه أستاذ، وأن يفتي المتخصص إذا أصغى له الناس في غير مجال تخصصه…. وأنُ يلفتْ الشخص المنتشي نظر الناس إلى هلالٍ ثانٍ في الأفق الآخر.

لقد فجعنا المعلق السياسي المعروف د. عزام بكلام صادم في ذم الحفظ في العملية التعليمية، حيث قال إن الطالب لن يستفيد شيئاً من حفظ المعلقات السبع، مثلاً، ولا حتى من حفظ القرآن الكريم في الدنيا. ثم سدر الدكتور في الغي بلا كابح إلى أن قال إنّ “الحفظ للحمير”!

لكن ليست كل العبارات الصادمة هي بالضرورة عميقة، ولا السخرية اللاذعة دليلاً على الفهم.
ولا لغة الجسد، وقوة الصوت، ستحول الوهم إلى حقيقة.
ومقولة إن “الحفظ للحمير” لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى أن تكون نقداً للنظام التعليمي، بل هي اختزال مُخلّ للعقل نفسه.
ونحن هنا لا نريد أن ندافع عن حفظ القرآن والشعر فحسب، بل نهتم إلى جانب ذلك بتصحيح تصور خطأ عن كيف يعمل العقل.

يجب على الدكتور الجليل أن يعلم أن العقل الفارغ، بلا “محفوظات”، لا يعمل؛ فهو لا ينتج الأفكار من العدم، بل يعيد ترتيب ما هو موجود بداخله. وكلما زاد المخزون، زاد الإبداع في الترتيب.
وأجود الحواسيب هو الذي تغذيه بأكبر قدر من المعلومات. ولم نصل إلى عصر الذكاء الاصطناعي إلا بعد أن “حشونا” الحواسيب بكم هائل من المعلومات والبيانات.

لكننا، في السودان، دائماً إما في حالة إفراط أو حالة تفريط.
فيبدو أن الدكتور يريد أن يوصل معلومة مفادها أن الفهم أهم من الحفظ.
لكن دفعه “شططنا المعهود” إلى استنتاج غير صحيح، وهو أنه طالما أن الفهم أهم من الحفظ، إذن فإن الحفظ غير مهم.
ويقول إن هدف العملية التعليمية يتلخص في تمليك الطالب الأدوات العلمية التي تعينه على أنْ “يشغَّل مخه”.
لكنه نسي أو جَهِل أن الحفظ أداة مهمة “لتشغيل” المخ، وأنّ الحفظ يريِّض المخ، مثلما تتريض عضلات الجسم بالحركة.
ومن المعلوم، من منظور علم الأعصاب والتعلم، أنّ الحفظ يقوّي الذاكرة طويلة المدى، ويُنشّط مناطق في الدماغ مرتبطة باللغة والانتباه، ويُحسّن القدرة على التركيز والانضباط الذهني.
ولا تظننّ يا دكتور أن العقل حافلة ستمتلأ بالركاب، أو بيتٌ لا يقبل الضيوف، أو بلد يضيق بأهله.
العقل يتسع كلما امتلأ. مثل القلبِ تماماً.
والاستمرار في الحفظ طوال العمر وسيلة يوصى بها للمحافظة على القدرات العقلية والوقاية من الخرف والزهايمر.

وإذا كنا حريصين على فهم الطالب، فيجب أن نعلم أن الطالب لكي يفهم لا بد له أن يحفظ مفردات لغته وتراكيبها وقوالب أساليبها، مما يتوفر في الشعر والنثر.
لكن يريد الدكتور عزام وأمثاله، ممن لا معرفة راسخة لهم باللغة واكتسابها، أن يقنعوا الناس بأن الحفظ نقيض الفهم.
بينما العكس هو الصحيح: الحفظ هو الشرط الأول للفهم، وهو الذي يوفر له مخزونه الأولى من المادة الخام.

متى يكون الحفظ عبئاً؟
نحن ندرك تماماً خطورة إساءة استخدام الحفظ.
لكن كل الأشياء الجيدة والمفيدة يمكن أن يُساء استخدامها.
ونحن ندرك أن هناك مشاكل حقيقية في النظام التعليمي.
لكن حاشا أن يكون الحفظ مشكلة، بل المشكلة في سوء توظيفه.
ومثلما يمكن أن يصبح الأكل غير الصحي وبالاً على الصحة، فإن الحفظ يمكن أن يكون وبالاً على العقل حين يتحول إلى تلقين بلا تقنين، وترديد بلا وعي.
وحين نضع الحفظ في غير مكانه ونجعله وحده معياراً للتفوق، أو بديلاً عن التساؤل والحس النقدي، فإنه يفقد قيمته، ويصبح عبئاً.
مثله مثل التهام الطعام من أجل الشبع والتخمة وتحقيق السمنة.

لكن، من ناحية أخرى، فإن إلقاء اللوم على الحفظ في نقد النظام التعليمي يشبه أن نقول: تعليم الكتابة والقراءة أمر سيء لأن الطلاب يكتبون ما لا يستطيعون قراءته، ويقرؤون ولكنهم لا يفهمون.

ومثلما أن تفشي السمنة لا يعني أن نفرض صوم الدهر، فإن حفظ النصوص القوية، مثل القرآن الكريم والشعر العربي ليس مجرد تخزين بلا طائل، بل أمر ضروري لبناء الذائقة اللغوية، وللتدريب على الإيقاع والمعنى، ولتوسيع آفاق التعبير.
لا تُكتسب بالشرح فقط، بل بهضمها والتشبع بمفرداتها ونصوصها. والحفظ أحد أهم أدوات هذا التشبع.

وهم أن الحداثة قد تجاوزت الحفظ

لا يمكن لنا، ونحن نفند عبارة ” الحفظ للحمير”، إلا أن نشير إلى أوهام يروج لها البعض بغير علم تزعم أن التعليم الحديث قد تجاوز الحفظ.
هذا جهل فادح بعلم التعليم.
فالحفظ جزء لا يتجزأ من العملية التعليمية، والذاكرة أساس الإبداع.
وحتى في أكثر الأنظمة تقدماً نجد الطلاب يحفظون القوانين، والمعادلات، والمصطلحات، والنصوص الدينية والشعرية.

الحفظ دنيا ودين
ومع أن الدكتور لم ينفِ نفع حفظ القرآن في الآخرة، فإنه نفي أي فائدة من حفظه في الدنيا.
يا للجرأة! من أين لك هذا!
فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى حفظ القرآن وإلى تعهد حفظه: “تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها”.
وأكتفي في هذا الصدد بأن أذكر بأن أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم تشير إلى الخيرية المطلقة لحفظ القرآن للدنيا والآخرة: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (رواه البخاري)؛ وإلى أن الخراب والبوار هو خلو جوف العبد من القرآن: «إنَّ الذي ليس في جوفِهِ شيءٌ من القرآنِ كَالبيتِ الخَرِبِ» (رواه الترمذي).
كما أخبر النبي ﷺ أن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين؛ ونشير إلى المقولة الصحيحة: “من أراد الآخرة فعليه بالقرآن، ومن أراد الدنيا فعليه بالقرآن، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالقرآن”.

الحفظ والفهم توأمان

بين الحفظ والفهم علاقة تكاملٍ لا تعارض. وأقوى العقول عبر التاريخ جمعت بين الاثنين.
فقد عرف ابن خلدون بالتحليل، ولعله كان أكثر حفظاً؛
واشتهر الشافعي بقوة الفهم، ولعلّ ملكته في الحفظ كانت أقوى.
وحفظ أبو نواس القرآن، ولم يحفظ شعر الشعراء الرجال فحسب، بل شعر ثمانين من الشاعرات.
وأما البروفيسور المرحوم عبد الله الطيب، فأرجو أن تمنحوني بعض الوقت حتى أسأل تلميذه الأمين البدوي كاكوم، ليس عما يحفظه من شعر العرب، بل عما لا يحفظه.
وحتى في العلوم الحديثة، لا يمكن التفكير من دون مخزون معرفي محفوظ، إذْ كيف لك أن تحلّل ما لا تحفظه في ذاكرتك؟

…ونافلة القول
ليست المشكلة في الحفظ، ولا في الفهم، بل في الفصل المتعسف بينهما.
فحفظ بلا فهم جمود، وفهم بلا حفظ فراغ.
والعقل الحيّ هو الذي حين يحفظ يعيد بناء ما حفظ؛
فالحفظ أداة الفهم، وليس عدوه.

ونختم بالقول…
إنّ عبارة “الحفظ للحمير”، لا تسئ لهذه الحيوانات الجميلة والمفيدة،
بل تسيء، إساءةً بغير علم، إلى أنجب علمائنا قديماً وحديثاً.

elrayahabdelgadir@gmail.com

عن الريح عبد القادر محمد عثمان

الريح عبد القادر محمد عثمان

شاهد أيضاً

الجواب الذي يقي من الحرب والكرب

“ما غرّك بربك الكريم؟”الجواب الذي يقي من الحرب والكرب الريح عبد القادر – قد يتبلّد …