باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 12 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

من قوة شمالية واعدة إلى أزمة الاندماج والانقسام

اخر تحديث: 12 سبتمبر, 2026 10:28 مساءً
شارك

من قوة شمالية واعدة إلى أزمة الاندماج والانقسام: التاريخ السياسي والعسكري لقوات التحالف السودانية/ التحالف الوطني السوداني 1994–2004

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

نشأت قوات التحالف السودانية، المرتبطة سياسياً بالتحالف الوطني السوداني، في سياق ما بعد انقلاب 30 يونيو 1989، حين أُغلقت قنوات التنافس السياسي العلني وتعرضت المؤسسات المدنية والعسكرية لإعادة تشكيل قسري، مما دفع قوى معارضة عديدة إلى العمل السري أو المنفى أو الكفاح المسلح. وفي هذا السياق، قدم التحالف نفسه لا كحركة إقليمية أو إثنية، بل كمشروع سياسي عسكري وطني علماني ديمقراطي يستهدف إعادة بناء الدولة السودانية على أساس المواطنة والمساواة وإنهاء احتكار المركز للسلطة. وقد تأسس التحالف في أغسطس 1994 في أسمرا على يد عبد العزيز خالد، وهو ضابط سابق في القوات المسلحة السودانية اعتُقل بعد الانقلاب وسُجن نحو 18 شهراً قبل أن ينتقل إلى القاهرة ثم إلى أسمرا، حيث بدأ تنظيم قواته، وانضم إليه مساعدوه البارزون وعلى رأسهم العميد عصام ميرغني المعروف بأبو غسان.

ارتبط تأسيس التحالف بأزمة عميقة داخل المؤسسة العسكرية، حيث نشأ في فضاء ما عُرف بـ “القيادة الشرعية للقوات المسلحة” بقيادة الفريق فتحي محمد علي، وهي صيغة سياسية دستورية رافضة للانقلاب سعى إليها الضباط المعارضون. لكن خالد تدرج في الانتقال من مفهوم استعادة الشرعية الدستورية السابقة إلى مفهوم إعادة تأسيس السودان، فقدم تنظيمه كحركة وطنية حديثة تتجاوز الإثنية والأحزاب التقليدية، مما أوجد توتراً مع أوساط المعارضة التقليدية وأصبح لاحقاً أحد مصادر الصراع داخل التجمع الوطني الديمقراطي. وقد تبنى التحالف خطاباً سياسياً يقوم على الدولة المدنية الديمقراطية الموحدة، ورفض توظيف الدين للسيطرة السياسية، والمساواة بين المواطنين، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإنهاء التهميش الإقليمي، وشارك في توقيع ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995. وجمعت رؤيته الفكرية بين الديمقراطية الليبرالية والقومية السودانية غير الإثنية والعلمانية السياسية، متقاطعة مع مفهوم السودان الجديد، مما جعله جذاباً للضباط والمهنيين والنقابيين والطلاب الباحثين عن بديل لنظام الإنقاذ وللأحزاب التقليدية في آن واحد. لكن هذه الرؤية حملت تناقضاً بنيوياً منذ البداية، حيث ازدادت الحاجة إلى المؤسسية والتداول الديمقراطي كلما تعمقت ظروف الحرب والعمل السري، مما أوجد توتراً بين التنظيم السياسي والتنظيم العسكري سيصبح لاحقاً أحد جذور الأزمة الداخلية.

توزعت القيادة بين جناح عسكري وجناح مدني. فقد جمع عبد العزيز خالد بين القيادة السياسية والعسكرية، ومنح التنظيم قدرة عالية على التحرك السريع لكنه جعل مسألة العلاقة بين الشخص والمؤسسة حساسة للغاية. وإلى جانبه برز القادة العسكريون كعصام ميرغني (أبو غسان) وراشد بابكر وعبد العزيز النور وسليمان ميلاد وحسن بكري وكمال إسماعيل، الذي انتقل لاحقاً إلى المجال السياسي وتولى رئاسة المكتب التنفيذي للحزب في مراحل تالية. أما الجناح المدني فضم شخصيات من خلفيات نقابية وأكاديمية وقانونية وطلابية، مثل البروفيسور تيسير محمد أحمد علي والمحامي أنور أدهم (من أوائل المحامين الشماليين في جنوب السودان) ومحمد عبد المنعم الملقب بأبو المعالي والصادق إسماعيل وعبد المنعم مختار وأمير بابكر، مما ساعد في صياغة خطاب سياسي تجاوز منطق العمل العسكري وأضفى على التنظيم طابعاً وطنياً شاملاً.

تعددت تقديرات حجم القوة البشرية للتحالف، حيث تراوحت بين أقل من ألفي مقاتل في ذروتها وبين 600-700 أو نحو 500 مقاتل في بداية الألفية، لكن القيمة العسكرية لهذه القوة تجاوزت حجمها العددي بفضل خبرة ضباطها السابقين في الجيش واستفادتهم من التدريب والملاذ الإريتري، إلى جانب العمل ضمن شبكة أوسع من قوات التجمع الوطني الديمقراطي. وقد شهد مسار المقاتلين هشاشة واضحة، حيث أدى تغير العلاقات الإثيوبية الإريترية إلى إغلاق قاعدة بحر دار وتفكك القوة في مينزا، مما جعل مصير المقاتلين مؤشراً على اعتماد التنظيم على قواعد خارجية تتغير بتغير علاقات الدول الراعية.

انطلقت العمليات العسكرية للتحالف من المناطق الحدودية بين السودان وإريتريا وإثيوبيا، حيث كانت تتلقى التدريب في معسكرات غرب إريتريا وتنفذ عمليات تسلل وكمائن وهجمات على مواقع حكومية داخل السودان. وفي أبريل 1996 نفذت أول عملية كبيرة ضد معسكر حكومي قرب كسلا، ثم تطورت العمليات في 1996-1997 إلى جبهة شرقية بالتنسيق مع الحركة الشعبية وحلفاء آخرين، وشملت الهجمات مواقع مثل مينزا ومناطق على الحدود الإثيوبية وتهديد الطرق الحيوية والممرات المؤدية إلى بورتسودان. وكانت عمليات 1997 ذروة القوة العسكرية للتحالف، حيث قدرت بعض المصادر مشاركته بنحو 10% من قوة مشتركة قوامها 1200 مقاتل، لكن حضوره كان ذا قيمة سياسية واستراتيجية تفوق وزنه العددي. كما مثلت مناطق قرورة ومينزا اختباراً لقدرة الحركة على الانتقال من السيطرة العسكرية إلى الإدارة المدنية، خاصة عندما سيطرت قوات التحالف على مخيم للاجئين في قرورة مما أدى إلى نزوح الآلاف، وأظهرت أن العمليات كانت حرب ضغط على الأطراف وليس حرباً تقليدية للاستيلاء على المدن.

احتلت كسلا موقعاً خاصاً في التاريخ العسكري للتحالف، حيث بدأت العمليات حولها عام 1996 قبل أن تصل قوات المعارضة إلى احتلالها المؤقت في ديسمبر 2000، في عملية كانت تهدف إلى إظهار القدرة على اختراق مدينة استراتيجية والانسحاب قبل حشد القوات الحكومية، مما حمل قيمة نفسية وسياسية هائلة رغم عدم استدامة السيطرة عليها. وفي مجال استهداف البنية الاقتصادية، شكّل النفط عنصراً مركزياً، حيث تعرضت خطوط الأنابيب والمنشآت النفطية لعمليات تخريب متعددة عام 1999 وبداية 2000، وتبنى التجمع الوطني الديمقراطي وقوات التحالف علناً مبدأ اعتبار النفط مورداً مرتبطاً بقدرة الحكومة على الحرب، رغم أن إسناد كل عملية تفجير تحديداً إلى قوات التحالف لم يكن ثابتاً في المصادر.

إلى جانب العمل العسكري، سعى التحالف إلى بناء مؤسسات مدنية وإعلامية، فأنشأ منظمة أمل المرتبطة بالعمل الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرته، والتي رافقت وفوداً أمريكية وقدمت مقترحات لتمويل مشروعات إنسانية، كما أنشأ إذاعة “صوت الحرية والتجديد” التي كانت تبث من إريتريا باتجاه السودان، وأصبحت جزءاً من استراتيجيته لبناء جمهور سياسي ونقل الحرب إلى المجال المعلوماتي، إلى جانب إصدار نشرات ودوريات مثل “فجر الثورة” التي وثقت نشاطه ووحدت رسائله السياسية بين الأعضاء المنتشرين في مناطق متعددة. لكن أزمة الإذاعة عام 2004، عندما استولت السلطات الإريترية على معداتها، كشفت أن الإعلام كان أصلاً استراتيجياً للتحالف.

كانت البيئة الإقليمية حاسمة في نشأة التحالف واستمراره، حيث وجدت إريتريا المستقلة حديثاً في خالد وتنظيمه شريكاً مناسباً للضغط على نظام الخرطوم الذي كان يدعم جماعات معارضة لأسمرا. وقدمت إريتريا تدريباً عسكرياً ودعماً لوجستياً وقواعد للعمليات، كما كان للتجمع الوطني الديمقراطي، الذي ضم الحركة الشعبية والأحزاب التقليدية وقوى أخرى، دور في تأطير التحالف ضمن شبكة إقليمية أوسع شملت إثيوبيا وأوغندا، وكانت للولايات المتحدة علاقة تواصل سياسي مع التحالف عبر زيارة وفد من مجلس الشيوخ عام 1997، لكن دعمها المباشر المعلن ظل محدوداً مقارنة بالحركة الشعبية.

ومع ذلك، جاءت حرب إريتريا وإثيوبيا في مايو 1998 كنقطة تحول جذرية، حيث حولت أولويات أسمرا نحو أمنها القومي وقلصت دعمها للعمليات السودانية، ثم تحسنت العلاقات بين إريتريا والسودان تدريجياً حتى استؤنفت الدبلوماسية عام 2000، مما جعل التحالف يفقد عمقه الاستراتيجي وتقلصت قدرته العملياتية بشكل كبير، وهو ما فسر لاحقاً عدم قدرة نجاحاته العسكرية في 1997 على التحول إلى تقدم مستدام نحو الخرطوم.

على المستوى الداخلي، تراكمت الخلافات حول القيادة والمؤسسية والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، وبرزت أزمة عبد العزيز دفع الله كأحد مظاهر الصراع بين المؤسسية والقيادة الشخصية، حيث اختلفت الآراء حول شرعية القيادة وتوزيع الصلاحيات وحدود سلطة رئيس المكتب التنفيذي، مما كشف معضلة الوكالة العسكرية التي تجعل المؤسسات السياسية ضعيفة أمام القيادة التنفيذية المسلحة.

أما الوحدة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، فكانت من أهم التحولات وأكثرها تعقيداً. فبعد التعاون العسكري الوثيق في عمليات 1997، جاء الدافع العسكري والفكري لتوحيد القيادة والموارد، حيث رأى الطرفان في مفهوم السودان الجديد أرضية مشتركة لإعادة بناء الدولة. وأعلن التحالف اندماجه مع الحركة الشعبية في مارس 2002، لكن هذه الوحدة كانت تدريجية، حيث اكتملت سياسياً في 2005 بتحويل هياكل التحالف إلى وحدات تنسيق انتقالية ضمن الحركة الشعبية. غير أن هذا الاندماج أثار سؤالاً وجودياً للتحالف: هل يحافظ على استقلاله التنظيمي أم يذوب بالكامل؟ وقد تحول هذا السؤال إلى أحد أهم مصادر الانقسام الداخلي، حيث رأى أنصار الاستقلال أن التحالف يجب أن يحتفظ بشخصيته كقوة شمالية، بينما رأى مؤيدو الوحدة أن استمرار التنظيمات المنفصلة يعيد إنتاج التجزؤ ويضعف مشروع السودان الجديد، وتداخل هذا الخلاف مع الصراع مع القيادة الإريترية ومع تحول الحرب السودانية نحو المفاوضات واتفاق السلام الشامل.

بلغت الأزمة ذروتها في 2004، حيث عقد المجلس المركزي اجتماعاً استثنائياً في مارس لمناقشة الأزمة التنظيمية واتهم خالد بالرفض، ثم تصاعدت الأزمة مع الخلاف بين خالد والقيادة الإريترية التي تدخلت وسحبت جواز سفره وقيدت حركته وصادرت مقرات التحالف وأبعدته في يونيو، قبل أن تتفجر القضية باعتقاله في مطار أبوظبي في 23 سبتمبر 2004 بناءً على طلب تسليم سوداني، رغم إصدار السودان عفواً عاماً عام 2000. وقد أثار اعتقاله اعتراضات حقوقية واسعة، وطالبت منظمات حقوق الإنسان الإمارات بعدم تسليمه خوفاً من التعذيب، لكن الإمارات سلمته في 23 نوفمبر. وفي هذا السياق، برز دور عمر عبد العاطي، النائب العام ووزير العدل الأسبق في الديمقراطية الثالثة، الذي كان من أبرز محامي خالد وقام بتوسيط شخصي ومباشر لدى الرئيس عمر البشير، وأسفرت وساطته عن صدور عفو رئاسي أطلق سراح خالد في 20 ديسمبر 2004 بشرط إلقاء السلاح وعدم العودة إلى الكفاح المسلح، مما حول القضية من محاكمة جنائية إلى تسوية سياسية.

وقد رافق هذه الأزمة اتهامات خطيرة بانتهاكات حقوق الإنسان داخل قوات التحالف، وثقتها مصادر أمريكية وحقوقية، وتضمنت ادعاءات بالإعدام خارج القضاء والتعذيب والاحتجاز في حفر بحق مقاتلين اتهموا بالتجسس أو الانشقاق، مما كشف تناقضاً جوهرياً بين خطاب التحالف الحقوقي وممارساته التنظيمية المحتملة، وأظهر أن بناء جهاز أمني داخلي يمارس التعذيب يقوض الشرعية الأخلاقية للحركة، وإن كانت هذه الاتهامات بحاجة إلى تقاطع مستقل قبل اعتبارها حقائق قضائية نهائية.

أما العلاقة بين الجناح السياسي والنجاح العسكري، فكانت تكاملية في البداية ثم تحولت إلى توتر، حيث منح الجناح السياسي السلاح معنى وطنياً ومنحه الجناح العسكري قدرة على الضغط، لكن غياب القواعد الواضحة للعلاقة بينهما جعل النجاح المشترك أكثر صعوبة عندما انتقلت المنافسة إلى داخل التنظيم. وقد أثبتت التجربة أن التحالف حقق خلال فترة قصيرة قدرة عسكرية وسياسية أكبر مما كان يمكن أن يحققه منفرداً، لكنه لم يستطع تحويل تلك القدرة إلى مؤسسة سياسية مستقرة، خاصة مع تغير البيئة الإقليمية بعد 1998 وتطور عملية السلام والصراعات الداخلية.

وبالنظر إلى المسار الكامل، مرت قوات التحالف بأربع مراحل مترابطة: التأسيس في 1994 كحركة وطنية شمالية، والتوسع العسكري في 1996-1998 بدعم إريتري وإطار التجمع، وتراجع القدرة الاستراتيجية بعد حرب إريتريا وإثيوبيا وتغير العلاقات الإقليمية، ثم أزمة الهوية والقيادة والوحدة مع الحركة الشعبية التي انتهت بالانقسام والتفكك المؤسسي. وقد كان نجاح التحالف الأكبر في إعادة صياغة سؤال المعارضة السودانية من مجرد إسقاط نظام إلى إعادة بناء الدولة، وفي إدخال نموذج لحركة شمالية ذات خطاب قومي وعلماني وديمقراطي إلى ساحة كانت تهيمن عليها الأحزاب التقليدية والحركات الإقليمية، لكن إخفاقه الأساسي كان عدم قدرته على بناء مؤسسة مستقلة ومستدامة تستطيع إدارة علاقاتها مع الحلفاء الإقليميين والحفاظ على تماسكها الداخلي وتحويل القوة العسكرية إلى مشروع سياسي مؤسسي طويل الأجل.

وفي المحصلة، فشل التحالف في تحويل قوته المحدودة إلى إسقاط للنظام أو إلى حزب وطني كبير مستقل، لكنه نجح في ترسيخ فكرة بناء حركة شمالية غير طائفية وغير إثنية تجمع بين الضباط والمهنيين والنقابيين والطلاب وتتحدى المركز السياسي باسم المواطنة والسودان الجديد، كما نجح في جعل شرق السودان والنيل الأزرق جزءاً من الحساب العسكري والسياسي للمعارضة الوطنية وربط القضية الشمالية بقضية الجنوب. غير أن التجربة انتهت إلى أزمة اندماج وانقسام لأنها لم تستطع حل التناقض بين مشروعها الوطني المستقل وحاجتها إلى قوة أكبر، وبين خطابها الديمقراطي وبنيتها العسكرية، وبين استقلال القرار الوطني واعتمادها على رعاية إقليمية. وهذه التناقضات الثلاثة تشكل المفتاح الأكثر تفسيراً لصعود قوات التحالف وهبوطها بين عامي 1994 و2004، وتقدم درساً بالغ الأهمية مفاده أن التحالفات المسلحة القائمة على المصالح المتقاطعة مع الدعم الإقليمي تحقق اختراقاً سريعاً، لكنها تصبح شديدة الهشاشة إذا لم تُبنَ شرعيتها الداخلية ومؤسساتها وآليات تداول القيادة قبل أن تتغير البيئة الخارجية، كما تظهر أن الاعتماد على دولة مضيفة قد يتحول إلى قيد استراتيجي، وأن الاندماج مع قوة أكبر يرفع القدرة العسكرية لكنه يهدد هوية التنظيم الأصغر إذا لم تُحسم قواعد الاندماج بصورة متوافق عليها مسبقاً.

النص الكامل للمقال

كانت قوات التحالف السودانية، المرتبطة سياسياً بالتحالف الوطني السوداني، واحدة من أكثر التجارب إثارة للاهتمام في تاريخ المعارضة السودانية المسلحة خلال عقد التسعينيات وبداية الألفية. فقد ظهرت في سياق ما بعد انقلاب 30 يونيو 1989، حين أُغلقت قنوات التنافس السياسي العلني، وتعرضت القوات المسلحة والنقابات والجامعات والتنظيمات المدنية لإعادة تشكيل قسري، واتجهت قوى معارضة عديدة إلى العمل السري أو المنفى أو الكفاح المسلح. وفي هذا السياق سعى التحالف إلى تقديم نفسه لا بوصفه حركة إقليمية أو إثنية، بل بوصفه مشروعاً سياسياً ـ عسكرياً وطنياً، علمانياً وديمقراطياً، يستهدف إعادة بناء الدولة السودانية على أساس المواطنة والمساواة وإنهاء احتكار المركز للسلطة. وتشير الوثائق المعاصرة إلى أن عبد العزيز خالد، وهو ضابط سابق في القوات المسلحة السودانية اعتُقل عقب انقلاب 1989، انتقل إلى القاهرة ثم إلى أسمرا، وعقد هناك مؤتمراً تأسيسياً للتحالف في 1994، قبل أن يصبح أحد أبرز قادته. كما كان من أبرز مساعديه العميد عصام ميرغني، الملقب بأبو غسان، الذي كان ضابطاً سابقاً في الجيش السوداني، وانضم إلى التحالف بعد اعتقاله عقب الانقلاب. (United States Senate, 1998).

ولا يمكن فهم تجربة التحالف من خلال سرد عسكري للأحداث وحده، لأن قوته الأساسية كانت تكمن في محاولة الجمع بين ثلاثة أدوار في تنظيم واحد: حزب سياسي يطرح تصوراً لإعادة تأسيس الدولة، وحركة عسكرية تسعى إلى إسقاط نظام الإنقاذ بالقوة المسلحة، وشبكة مدنية وإعلامية وإنسانية تحاول بناء قاعدة اجتماعية وسياسية للمشروع. ولذلك فإن قصة التحالف بين 1994 و2004 هي في جوهرها قصة الانتقال من التفاؤل الثوري إلى حدود القوة المسلحة الصغيرة، ومن بناء التحالفات إلى الاعتماد المتزايد على الرعاية الإقليمية، ومن مشروع الاستقلال التنظيمي إلى معضلة الاندماج مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، ثم إلى الانقسام الداخلي الذي جعل سؤال بقاء التنظيم نفسه موضع نزاع. ويكشف هذا المسار، في الوقت نفسه، عن مشكلة أوسع في المعارضة السودانية: كيف يمكن لحركة سياسية ـ عسكرية صغيرة أن تحافظ على استقلال قرارها عندما تعتمد عسكرياً ومالياً ولوجستياً على دول وحركات أكبر منها، وكيف يمكنها أن تتحول من قوة مقاتلة إلى مؤسسة سياسية ديمقراطية دون أن تنقل إليها ثقافة السرية والحرب والتدرج الهرمي العسكري؟

  1. من انهيار الشرعية الديمقراطية إلى ولادة مشروع سياسي ـ عسكري عابر للأقاليم

نشأ التحالف الوطني السوداني وقوات التحالف السودانية في مرحلة اتسمت بإعادة تشكيل الدولة السودانية بعد انقلاب 1989. فقد واجهت القوى السياسية المعارضة واقعاً جديداً جمع بين احتكار السلطة، وإعادة تنظيم الأجهزة العسكرية والأمنية، وتقييد المجال المدني، واستخدام الخطاب الإسلامي السياسي لتوفير شرعية للنظام الجديد. وكان أحد الآثار المباشرة لذلك ظهور قوى معارضة مسلحة جديدة في شمال السودان، إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت قد خاضت الحرب في الجنوب منذ 1983.

تميزت النواة القيادية للتحالف بوجود ضباط سابقين في القوات المسلحة، ونقابيين ومهنيين وطلاب وشخصيات سياسية ذات توجهات تقدمية. وقد وصف مصدر أمريكي معاصر التحالف بأنه تنظيم يضم ضباطاً سابقين وعناصر مدنية، بينما وصفته تحليلات أخرى بأنه من أبرز التنظيمات الشمالية التي تبنت خطاب «السودان الجديد» والديمقراطية العلمانية. (United States Senate, 1998; de Waal, 1998).

وكان عبد العزيز خالد يمثل الشخصية الأكثر ظهوراً في قيادة المشروع. فقد كان ضابطاً مهنياً، وتولى قبل انقلاب 1989 مسؤولية الدفاع الجوي في أم درمان برتبة عميد، ثم اعتُقل بعد الانقلاب وسُجن في سجن كوبر نحو 18 شهراً، وانتقل بعد الإفراج عنه إلى القاهرة ثم إلى أسمرا عام 1994، حيث بدأ تنظيم قوات التحالف. (United States Senate, 1998).

نشأت قوات التحالف السودانية في سياق أزمة عميقة داخل المؤسسة العسكرية السودانية بعد انقلاب 30 يونيو 1989، وكان أحد مصادر شرعيتها السياسية والعسكرية أنها قدمت نفسها باعتبارها امتداداً للضباط والقادة الذين رفضوا انقلاب الجبهة الإسلامية القومية وسعوا إلى استعادة النظام الدستوري. وفي هذا السياق ارتبط اسم الفريق فتحي محمد علي بما عُرف بالقيادة الشرعية للقوات المسلحة السودانية، وهي صيغة نشأت في أوساط الضباط المعارضين للانقلاب وفي إطار المعارضة السودانية الخارجية. ولا ينبغي الخلط بين هذه القيادة وبين قيادة عسكرية فعلية تسيطر على القوات المسلحة داخل السودان؛ فقد كانت «الشرعية» المقصودة سياسية ودستورية بالدرجة الأولى، أي الادعاء بأن القيادة العسكرية الشرعية هي التي لم تعترف بانقلاب 1989 وبالسلطة التي نتجت عنه.

وقد كان هذا التصور مهماً بالنسبة إلى عبد العزيز خالد تحديداً. فقد كان خالد ضابطاً مهنياً في القوات المسلحة السودانية، وشغل قبل انقلاب 1989 منصباً رفيعاً في الدفاع الجوي، وكان من الضباط الذين أُبعدوا واعتُقلوا عقب الانقلاب. وتؤكد وثيقة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي أن خالد اعتُقل بعد الانقلاب واستمر احتجازه نحو 18 شهراً في سجن كوبر، ثم خرج إلى القاهرة وانتقل إلى أسمرا عام 1994، حيث شارك في تأسيس قوات التحالف السودانية (United States Senate Committee on Foreign Relations, 1998).

ومن هنا يمكن فهم علاقة خالد بالقيادة الشرعية على أنها علاقة نشأت من مرجعية مشتركة في رفض انقلاب 1989، لكنها لم تتحول إلى تبعية تنظيمية دائمة. فخالد، بعد خروجه من السجن واحتكاكه بالمعارضة في القاهرة وأسمرا، اتجه تدريجياً إلى بناء تنظيم سياسي–عسكري جديد أكثر استقلالاً عن البنية التقليدية للقيادة الشرعية وعن الأحزاب التاريخية. وكان ذلك جزءاً من منطقه الأوسع الذي رأى أن إسقاط نظام الجبهة الإسلامية لا يمكن أن يعتمد فقط على إعادة الشرعية الدستورية السابقة، بل يحتاج إلى إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة.

وهنا ظهر أحد أهم التحولات الفكرية والتنظيمية في مسار خالد: الانتقال من مفهوم «استعادة الشرعية» إلى مفهوم «إعادة تأسيس السودان». فقد قدم التحالف نفسه باعتباره حركة وطنية حديثة، علمانية وديمقراطية، وغير إقليمية أو إثنية، وهو ما جعله مختلفاً عن تنظيمات المعارضة التي كانت تستمد شرعيتها بصورة أساسية من التاريخ الحزبي أو من تمثيل إقليم أو جماعة اجتماعية محددة. وكانت وثيقة الكونغرس الأمريكي في 1998 تصف التحالف بأنه تنظيم يدعو إلى سودان علماني وديمقراطي، وتعده بعض الأوساط من أكثر القوى السياسية والعسكرية مصداقية في مواجهة الجبهة الإسلامية القومية (United States Senate Committee on Foreign Relations, 1998).

وعليه، فإن خروج خالد من إطار القيادة الشرعية لا ينبغي تفسيره ببساطة باعتباره خروجاً شخصياً أو صراعاً على المناصب، بل باعتباره جزءاً من تحول استراتيجي: هل يكون الهدف استعادة النظام السابق، أم بناء نظام سوداني جديد؟ وكان خالد يميل بصورة متزايدة إلى الخيار الثاني. غير أن هذا الاستقلال أوجد أيضاً توتراً مع أوساط المعارضة التقليدية، وأصبح لاحقاً أحد مصادر التوتر بين الجناح العسكري للتحالف والجناح السياسي، وبين التحالف والقوى الأخرى داخل التجمع الوطني الديمقراطي.

ومنذ البداية كان الفرق بين التحالف وبين بعض القوى المعارضة التقليدية مهماً. فالقوى الحزبية القديمة مثل حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي امتلكت تاريخاً سياسياً واجتماعياً عميقاً، لكنها لم تكن راغبة دائماً في تحويل المعارضة إلى حرب مسلحة شاملة. أما التحالف فقدم نفسه بوصفه جزءاً من تيار «السودان الجديد» الذي يهدف إلى تجاوز بنية «السودان القديم»، أي الدولة المركزية التي تقوم على التفاوت السياسي والاقتصادي والثقافي بين المركز والأقاليم. وقد وصفت دراسة أمريكية في نهاية التسعينيات قوات التحالف بأنها قوة يقودها ضباط سابقون ونقابيون ومهنيون، وتستمد عناصرها من مناطق السودان المختلفة، وتطرح بديلاً تقدمياً للحركات الإثنية والقبلية، مع تأكيد الديمقراطية العلمانية والتحول الاجتماعي. (Foreign Policy in Focus, 1996).

وهكذا لم يكن المشروع مجرد محاولة لإسقاط عمر البشير، وإنما محاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية. وهذا يفسر تقارب التحالف مع الحركة الشعبية، رغم الفارق الجغرافي والسياسي بينهما، لأن الطرفين التقيا في فكرة إعادة هيكلة مركز السلطة وإنهاء احتكار النخب المركزية للدولة، وإن اختلفا في قضايا أخرى، أهمها العلاقة بين تقرير المصير ووحدة السودان، وتوزيع القيادة، وطبيعة التنظيم السياسي والعسكري.

  1. الميثاق والبرنامج وفكرة «السودان الجديد»: بين الرؤية الوطنية وبناء حركة منضبطة

كان خطاب التحالف السياسي يستند إلى تصور للدولة المدنية الديمقراطية الموحدة، وإلى رفض توظيف الدين لأغراض السيطرة السياسية، وإلى المساواة بين المواطنين، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإنهاء التهميش الإقليمي. وقد ظهرت هذه الأفكار داخل الإطار الأوسع للتحالف الوطني الديمقراطي، الذي كانت قوات التحالف جزءاً منه، وفي مؤتمرات وقضايا «السودان الجديد» التي ناقشت نظام الحكم والعلاقة بين الدين والسياسة وتقرير المصير.

وتوضح وثائق التحالف الوطني السوداني حول القضايا الأساسية أن القوى المشاركة (عضوية سابقة في مؤتمر الطلاب المستقلين وحركة الطلاب المحايدين، قوى اشتراكية، قادة نقابيين، مهنيين، أكاديميين ، قادة عسكريين معارضين وغيرهم) تبنت تصوراً للسودان باعتباره مجتمعاً متعدد الأعراق والأديان والثقافات واللغات، وأن الوحدة المفضلة ينبغي أن تقوم على التنوع والمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، كما تبنت مبادئ عدم استغلال الدين سياسياً. وكان التحالف الوطني السوداني من القوى الموقعة على ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية في 1995. (United States Senate, 1998).

ومن هنا يمكن فهم البعد الفكري للتحالف باعتباره تركيباً بين الديمقراطية الليبرالية، والقومية السودانية غير الإثنية، والعلمانية السياسية، والعدالة الإقليمية، وإعادة بناء الدولة، مع التأثر الواضح بمفهوم «السودان الجديد». وقد أدى هذا التركيب إلى جعل التحالف جذاباً لبعض الضباط والمهنيين والنقابيين والطلاب الذين كانوا يبحثون عن بديل للنظام الإسلامي من جهة، وعن بديل للأحزاب التقليدية من جهة أخرى. وما يميز التحالف الوطني السوداني أنه كان أول، وربما الوحيد حتى الآن، تنظيم سياسي قومي، وليس إقليمي ولا اثني، حمل السلاح كأحد وسائل تحقيق أهدافه السياسية.

ومن هنا يمكن فهم البعد الفكري للتحالف الوطني السوداني/قوات التحالف السودانية باعتباره مشروعاً سياسياً عسكرياً جمع بين الديمقراطية، والعلمانية السياسية، والمواطنة المتساوية، والقومية السودانية غير القائمة على الانتماء الإثني أو الإقليمي، وإعادة بناء الدولة على أساس سيادة القانون والعدالة السياسية والاجتماعية، مع تقاطع متزايد مع مفهوم «السودان الجديد». وتؤكد المصادر المعاصرة أن التحالف، الذي تأسس في أغسطس 1994، عرّف نفسه كتنظيم سياسي ـ عسكري ديمقراطي وعلماني وغير إقليمي، وأن جذوره ضمت ضباطاً من التيار المهني والعسكري الرافض لنظام الإنقاذ، إلى جانب شخصيات ذات صلات بالنقابات والجامعات والحركات الطلابية والمهنية؛ كما وصفته دراسات وتقارير معاصرة بأنه من القوى الشمالية ذات التوجه اليساري أو الإصلاحي، وأن قاعدته القيادية ضمت ضباطاً سابقين ونقابيين ومثقفين ومهنيين (Shinn, 2015؛ Library of Congress, 1998؛ Writenet, 1997).

ولم تكن العلمانية في خطاب التحالف مجرد موقف أيديولوجي مجرد، بل ارتبطت برؤية سياسية لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والدين؛ فقد جاء التحالف ضمن القوى التي شاركت في التجمع الوطني الديمقراطي، الذي تبنى في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995 تصوراً لدولة سودانية تقوم على الفصل بين المؤسسات السياسية والدينية، مع الاعتراف بالتنوع الديني والثقافي والقومي وحق المواطنين في المساواة. كما أكدت قرارات التجمع أن احتكار المركز للسلطة وتهميش الأقاليم كانا من جذور الأزمة السودانية، وأن إعادة بناء الدولة تتطلب معالجة الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية التي أنتجت الحرب والتهميش (Library of Congress, 1998).

ومن هذه الزاوية، كان التقاطع مع مفهوم «السودان الجديد» مهماً، لكنه لم يكن في البداية مجرد تطابق كامل بين التحالف والحركة الشعبية لتحرير السودان. فقد وجد الطرفان أرضية مشتركة في رفض نظام الإنقاذ، ومقاومة التهميش والمركزية، والدعوة إلى دولة ديمقراطية وعلمانية، وإعادة صياغة علاقة المركز بالأقاليم، وإن اختلفت خلفياتهما التنظيمية ومساراتهما التاريخية. وقد أصبح هذا التقاطع أكثر وضوحاً مع تطور التعاون بينهما، إلى أن تحولت العلاقة لاحقاً إلى مشروع وحدة سياسية وعسكرية؛ وأكد إعلان الوحدة بين الحركة الشعبية/الجيش الشعبي والتحالف الوطني/قوات التحالف أن الهدف المشترك كان بناء «سودان جديد» يقوم على الديمقراطية والتعددية واللامركزية وسيادة القانون والمساواة والعدالة، وعلى إزالة التمييز الديني والإثني والثقافي والسياسي (Sudan Tribune, 2005).

وبذلك كان التحالف جذاباً، خصوصاً في بداياته، لبعض الضباط والمهنيين والنقابيين والمثقفين والطلاب الذين كانوا يبحثون عن بديل لنظام الإنقاذ الإسلامي من جهة، وعن بديل للأحزاب التقليدية والطائفية من جهة أخرى. وتشير الأدبيات المعاصرة إلى أن «قوى الحداثة» أو «القوى الحديثة» داخل المعارضة السودانية كانت تبحث منذ عقود عن تحويل النزعة الديمقراطية والعلمانية والإصلاحية إلى تنظيم سياسي مستقر، وأن قوات التحالف مثلت إحدى أبرز المحاولات في التسعينيات لترجمة هذا الاتجاه إلى حركة سياسية ـ عسكرية ذات قدرة فعلية على مواجهة النظام (Writenet, 1997).

قوات التحالف السودانية كانت من أبرز وأوضح التجارب المبكرة في التسعينيات لتنظيم سياسي ـ عسكري شمالي ذي خطاب قومي سوداني معلن، ديمقراطي وعلماني وغير إقليمي وغير قائم في تعريفه الرسمي على هوية إثنية محددة، وجعل العمل المسلح إحدى وسائل تحقيق إعادة بناء الدولة السودانية. وقد ميزها ذلك عن عدد كبير من الحركات المسلحة التي تأسست أساساً على مظالم أو هويات إقليمية أو إثنية محددة، كما ميزها عن الأحزاب الشمالية التقليدية التي لم تكن تمتلك في تلك المرحلة قوة عسكرية مماثلة. وتؤيد المصادر المعاصرة وصفها بأنها تنظيم «ديمقراطي، علماني، غير إقليمي»، وأنها كانت في منتصف التسعينيات من أهم مكونات المعارضة المسلحة الشمالية داخل التجمع الوطني الديمقراطي (Library of Congress, 1998؛ Al Jazeera, 2010).

وهذا التحديد مهم لفهم خصوصية التجربة: فالقيمة التاريخية للتحالف لم تكن في كونه أول تنظيم سوداني يجمع السياسة والسلاح بصورة مطلقة، وإنما في محاولته الجمع بصورة صريحة بين القومية السودانية الجامعة، والديمقراطية، والعلمانية، ورفض التهميش، والعمل السياسي ـ العسكري المنظم، ثم ربط هذه الرؤية تدريجياً بمشروع «السودان الجديد». وفي الوقت نفسه، كشفت تجربته اللاحقة أن الفجوة بين الخطاب والممارسة يمكن أن تصبح مصدراً لأزمة الحركة نفسها؛ فقد ظهرت صراعات بين المكونات العسكرية والمدنية، ومشكلات في القيادة والمؤسسية، ثم أصبح سؤال الاندماج مع الحركة الشعبية أحد أهم مصادر الانقسام، بما يوضح أن تبني مشروع وطني ديمقراطي لا يكفي وحده، وإنما يتطلب أيضاً مؤسسات داخلية ديمقراطية وآليات واضحة لتوزيع السلطة وإدارة الخلاف والمساءلة (Hassan, 2009).

لكن هذه الرؤية حملت منذ البداية تناقضاً بنيوياً. فكلما ارتفعت درجة التزام التنظيم بالمؤسسية والديمقراطية داخل الحزب، ازدادت الحاجة إلى تداول القيادة والمساءلة؛ وكلما تعمقت ظروف الحرب والعمل السري، ازدادت سلطة القائد العسكري والقيادة التنفيذية. ولذلك نشأ داخل التحالف توتر بين «التنظيم السياسي» و«التنظيم العسكري»، وهو توتر سيصبح لاحقاً أحد جذور الأزمة الداخلية. وتؤكد وثائق التحالف نفسه في 2004 أن المجلس المركزي اعتبر نفسه أعلى سلطة تشريعية بين مؤتمرات التنظيم، وأن الأزمة أصبحت سياسية وتنظيمية لا مجرد خلاف عسكري. (Sudan National Alliance/Sudan Alliance Forces, 2004).

وتكشف أرشيفات منظمة Justice Africa كذلك عن وجود وثائق تنظيمية خاصة بقوات التحالف ضمن أرشيفها، وعن وثائق للتحالف حول احتواء الفساد، ومقترحات سياسية ودستورية، وأوراق مرتبطة ببناء الدولة الانتقالية. وهذا يدل على أن التنظيم لم يكن مجرد قوة مسلحة بلا إنتاج مؤسسي، بل امتلك على الأقل طموحاً لتطوير بنية سياسية وبرنامجية متكاملة. (Justice Africa, 2026).

  1. القيادة العسكرية والمدنية لقوات التحالف السودانية ومسار نجاحها وانقسامها

تُظهر تجربة قوات التحالف السودانية والتحالف الوطني السوداني بين 1994 و2004 أن التنظيم لم يكن مجرد قوة مسلحة صغيرة نشأت في المنفى الإريتري، وإنما كان محاولة استثنائية لبناء حركة سياسية ـ عسكرية ذات خطاب قومي سوداني، تجمع بين العمل المسلح، والتنظيم الحزبي، والخبرة العسكرية، والنشاط النقابي والطلابي والقانوني والأكاديمي، وتطرح نفسها بديلاً لنظام الإنقاذ وللحزبية التقليدية في آن واحد. وقد سمح هذا التركيب للتحالف بتحقيق أثر عسكري وسياسي تجاوز حجمه العددي، ولا سيما في شرق السودان والمناطق الحدودية مع إريتريا وإثيوبيا، لكنه في الوقت نفسه خلق تناقضات مؤسسية عميقة بين مقتضيات القيادة العسكرية ومتطلبات التنظيم الديمقراطي، وبين استقلال التحالف ومشروع الوحدة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان.

القادة العسكريون لقوات التحالف السودانية: من الضباط المعارضين إلى بناء قوة قتالية ذات أثر استراتيجي

ارتبط تأسيس قوات التحالف السودانية في منتصف التسعينيات بصورة أساسية بالعميد ثم اللواء عبد العزيز خالد عثمان، الضابط السابق في القوات المسلحة السودانية، الذي اتجه بعد انقلاب 1989 إلى العمل المعارض المسلح، وانتقل إلى إريتريا عام 1994 في سياق محاولات إعادة بناء معارضة عسكرية أكثر فاعلية. وكان انتقاله مرتبطاً كذلك بالخلاف مع «القيادة الشرعية للقوات المسلحة» بقيادة الفريق فتحي أحمد علي، التي رأى خالد أنها لم تتمكن من تحويل المعارضة العسكرية إلى قوة عملياتية مؤثرة (Prunier, 1996). وتصف المصادر المبكرة قوات التحالف بأنها تنظيم ضم ضباطاً وعسكريين ومدنيين سودانيين، وغلب على عناصره الشماليون، وهدف إلى إسقاط نظام الجبهة الإسلامية القومية وفتح جبهة جديدة للحرب من شرق السودان (Human Rights Watch, 1998).

ولم يكن عبد العزيز خالد مجرد قائد ميداني؛ فقد جمع في مرحلة التأسيس بين القيادة السياسية والعسكرية، وهو ما منح التنظيم قدرة عالية على اتخاذ القرار والتحرك السريع، لكنه جعل كذلك مسألة العلاقة بين الشخص والمؤسسة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ التحالف. وقد كان خالد يرى أن العمل المسلح ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع وطني أوسع، لا مجرد تمرد عسكري، وأن القوات المسلحة المعارضة يمكن أن تكون أداة لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس ديمقراطية.

وكان العميد عصام ميرغني طه، المعروف بلقب «أبو غسان»، من الشخصيات العسكرية المهمة في هذه المرحلة، ومن الأسماء التي ينبغي أن تكون حاضرة في أي إعادة بناء جادة لتاريخ القيادة العسكرية للتحالف. وقد ارتبط اسمه بالمراحل المبكرة من تأسيس قوات التحالف وبالعمل العسكري والتنظيمي، كما ارتبط لاحقاً بالأدبيات التي تناولت علاقة الجيش السوداني بالسياسة. ويكتسب دوره أهمية خاصة لأنه يمثل نموذج الضابط الذي لم ينظر إلى العمل العسكري باعتباره نشاطاً منفصلاً عن سؤال الدولة، وإنما ربطه بمشكلة المؤسسة العسكرية ودورها في النظام السياسي.

ومن المهم كذلك إدراج راشد بابكر وعبد العزيز النور وسليمان ميلاد وحسن بكري ضمن شبكة القيادة العسكرية المبكرة، مع الإقرار بأن المصادر المفتوحة لا تقدم دائماً سجلاً مؤسسياً كاملاً يحدد بدقة الموقع الوظيفي لكل واحد منهم في كل سنة من سنوات التنظيم. لذلك ينبغي التفريق بين إثبات الارتباط القيادي بالتنظيم وبين إثبات شغل منصب عسكري محدد في تاريخ محدد.

ومن بين الأسماء التي تستحق اهتماماً خاصاً العقيد كمال إسماعيل، الذي ارتبط بالمجموعة العسكرية والتنظيمية للتحالف ثم انتقل تدريجياً إلى المجال السياسي والحزبي. وتمثل تجربته واحدة من أوضح الحالات التي تكشف الطبيعة المختلطة للتحالف، حيث لم يكن الفصل بين «العسكري» و«المدني» مطلقاً، بل انتقل بعض القادة من العمل العسكري إلى القيادة السياسية، بينما جاء آخرون من النشاط المدني إلى مؤسسات التنظيم.

ويؤكد التاريخ اللاحق لكمال إسماعيل هذا الانتقال؛ فقد أصبح من أبرز القيادات السياسية للتحالف، ثم تولى رئاسة المكتب التنفيذي للحزب. وفي 2021 أعلن الحزب رسمياً تجديد الثقة فيه رئيساً للمكتب التنفيذي المكلف (التحالف الوطني السوداني، 2021). وتؤكد مصادر صحفية سودانية لاحقة أنه كان رئيس حزب التحالف الوطني السوداني، كما وصفته مصادر عربية في 2020 بأنه رئيس الحزب (سودانايل، 2021؛ محمد جميل أحمد، 2020). وفي مايو 2026 أُعلن أنه ترجل من رئاسة الحزب بمحض إرادته (فتحي الضو، 2026).

وكانت القوة العسكرية للتحالف محدودة العدد مقارنة بالقوات الحكومية والحركة الشعبية، لكن أهميتها لم تكن في حجمها فقط. فقد أظهرت العمليات الأولى أن التنظيم يستطيع العمل ضمن تحالفات عسكرية أوسع، وأنه يستطيع استثمار موقعه السياسي كتنظيم شمالي في توسيع المعنى القومي للمعارضة المسلحة.

وتقدم عمليات 1996–1997 مثالاً واضحاً. فقد قدر جيرار برونييه القوة المعارضة التي شاركت في بعض العمليات في شرق السودان بنحو 1200 مقاتل، كان حوالي 60% منهم من الحركة الشعبية لتحرير السودان، ونحو 10% من قوات التحالف بقيادة عبد العزيز خالد، ونحو 30% من المقاتلين المحليين من البجا (Prunier, 1997). وتكشف هذه الأرقام أن التحالف لم يكن قوة عددية كبرى، وإنما كان جزءاً صغيراً من قوة مشتركة أكبر؛ لكن وجوده كان ذا قيمة سياسية واستراتيجية أكبر من وزنه العددي.

وقد وفرت إريتريا لقوات التحالف قواعد تدريب ودعماً لوجستياً، بينما أتاح التعاون مع الحركة الشعبية الوصول إلى خبرات وموارد عسكرية إضافية. وتوثق تقارير حقوق الإنسان وجود قواعد تدريب لقوات التحالف في غرب إريتريا، كما توثق تعاونها مع لواء السودان الجديد التابع للحركة الشعبية ومع مؤتمر البجا في شرق السودان (Human Rights Watch, 1998).

القادة المدنيون للتحالف الوطني السوداني: من النقابات والجامعات والقانون إلى صياغة مشروع سياسي مسلح

كان للتحالف منذ بداياته بعد مدني واضح، ولم يكن مجرد واجهة سياسية لقوات التحالف. فقد شاركت في تكوينه شخصيات ذات خلفيات نقابية وأكاديمية وطلابية وقانونية واقتصادية، وهو ما ساعد في صياغة خطاب سياسي يتجاوز منطق العمل العسكري.

وكانت خبرة الحركة النقابية السودانية، ولا سيما تجربة تجمع النقابات خلال ثورة مارس ـ أبريل 1985، من أهم الخزانات التي خرجت منها كوادر سياسية معارضة. فقد أظهرت تلك التجربة قدرة التنظيمات المهنية على تعبئة المجتمع وقيادة عملية إسقاط نظام عسكري، كما رسخت لدى كثير من النخب السودانية فكرة أن النقابات والمهنيين يمكن أن يشكلوا جسراً بين العمل الجماهيري والتحول السياسي.

ومن الشخصيات البارزة في التحالف الوطني السوداني التي ينبغي إدراجها في هذا السياق قادة التجمع النقابي خلال فترة ثورة مارس ـ أبريل 1985، ومنهم عبد العزيز دفع الله، وشاكر زين العابدين، ومصطفى عوض الكريم، وعمر عبود وخالد ياجي، لأن الخبرة النقابية لذلك الجيل شكلت أحد الجسور التاريخية بين الانتفاضة الديمقراطية والعمل السياسي المعارض اللاحق.

ومن أبرز الشخصيات المدنية المرتبطة بالتحالف البروفيسور تيسير محمد أحمد علي، الذي جمع بين الخلفية الأكاديمية والنقابية والسياسية والخبرة في قضايا السلام. وترتبط سيرته بفترة الديمقراطية الثالثة وبقضايا السلام مع جنوب السودان، كما ارتبط اسمه بالعمل النقابي والأكاديمي، وهو ما جعله أحد العناصر التي حملت إلى التحالف خبرة سياسية سابقة على تأسيسه.

وتكتسب تجربة تيسير أهمية خاصة لأن التحالف لم يكن منفصلاً عن الأسئلة التي ناقشتها النخبة السودانية منذ الثمانينيات: الحرب في الجنوب، طبيعة الدولة، علاقة الدين بالسياسة، المركز والهامش، الوحدة الوطنية، والديمقراطية. ولذلك كان انضمام شخصيات ذات خبرة في مفاوضات السلام والسياسة الوطنية عاملاً مهماً في توسيع أجندة التنظيم.

ومن القيادات المدنية كذلك المحامي أنور أدهم، الذي ارتبط تاريخياً بالعمل السياسي السوداني قبل التحالف، وكان من الشخصيات القانونية التي شاركت في المعارضة الوطنية. وتظهر دراسات تاريخية عن الجبهة الوطنية السودانية أنه كان من المحامين السودانيين البارزين الذين شاركوا في العمل السياسي المعارض في مراحل سابقة (Shurkian, 2010). كما أن تجربته القانونية وارتباطه بقضايا جنوب السودان جعلته من الشخصيات التي ساهمت في الجسر بين النخب الشمالية والقضايا الجنوبية.

ومن الشخصيات المدنية كذلك محمد عبد المنعم الملقب بأبو المعالي، الذي ارتبط بالتحالف وبشبكة اجتماعية واقتصادية سودانية قديمة، وهو رأسمالي من أسرة عريقة.

ويبرز أيضاً الصادق إسماعيل، الذي جاء من خلفية الحركة الطلابية، وكان من قيادات مؤتمر الطلاب المستقلين، ثم ارتبط بالإدارة المالية للتجمع الوطني الديمقراطي في أسمرا. وتوضح هذه السيرة كيف ساهمت الحركة الطلابية المستقلة في إنتاج كوادر قادرة على العمل في التنظيم والتمويل والعلاقات السياسية، وليس فقط في النشاط الجماهيري.

أما عبد المنعم مختار، فقد ارتبط بحركة الطلاب المحايدين، ثم أصبح لاحقاً عضواً في المجلس المركزي للتحالف. وتكشف هذه السيرة عن مسار مهم في تاريخ التحالف، هو انتقال كوادر الحركة الطلابية من النشاط الجامعي إلى المؤسسات السياسية الوطنية ثم إلى مستويات القيادة التنظيمية.

وكان أمير بابكر من الشخصيات السياسية والتنظيمية البارزة في المراحل اللاحقة. فقد شغل رئاسة المكتب التنفيذي للتحالف الوطني السوداني، وظهر بهذه الصفة في أنشطة سياسية للحزب، إلى جانب كمال إسماعيل وقيادات أخرى (التحالف الوطني السوداني، 2009). وهذا يوضح أن القيادة السياسية للتحالف لم تكن ثابتة حول شخص واحد، وإنما مرت بمراحل مختلفة من توزيع المسؤوليات بين عبد العزيز خالد وأمير بابكر وكمال إسماعيل وغيرهم.

وقد ارتبطت القيادة المدنية كذلك بصياغة رؤية التحالف الفكرية. فقد حاول التنظيم الجمع بين الديمقراطية الليبرالية، والقومية السودانية غير الإثنية، والعلمانية السياسية بمعنى حياد الدولة تجاه الأديان، والعدالة الإقليمية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، مع التأثر بمفهوم «السودان الجديد». وكان هذا التركيب مختلفاً عن خطاب الأحزاب الطائفية التقليدية من جهة، وعن الحركات الإقليمية المسلحة من جهة أخرى.

ومن هنا يمكن فهم جاذبية التحالف لبعض الضباط والمهنيين والنقابيين والطلاب. فقد قدم نفسه بديلاً لنظام الإنقاذ من جهة، وبديلاً للأحزاب التقليدية من جهة أخرى، وحاول أن يجعل السلاح وسيلة ضمن مشروع سياسي قومي، لا غاية مستقلة.

  1. القوة البشرية: تنظيم صغير شديد الخبرة تحوّل الرقم فيه إلى مشكلة استراتيجية

تختلف تقديرات حجم قوات التحالف باختلاف السنوات والمصادر وتعريف «القوة». فقد قدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، كما نقلت Human Rights Watch، قوة التحالف عام 1997 بأقل من ألفي مقاتل، بينما ورد في مصادر أخرى معاصرة تقدير أكثر تحفظاً بنحو 600–700 مقاتل، كما ظهرت لاحقاً تقديرات تقارب 500 مقاتل في بداية الألفية. (Human Rights Watch, 1998; United States Senate, 1998).

ولا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها متناقضة بالضرورة؛ فالقوة الفعلية تتغير مع التجنيد، والخسائر، والانشقاقات، والانتشار، ووجود قوات متحالفة، كما أن بعض المصادر تحسب القوة النشطة بينما تحسب أخرى مجموع الأفراد المرتبطين بالتنظيم. وتشير إحدى الدراسات إلى نحو 500 مقاتل للتحالف في بداية الألفية، متمركزين في إريتريا ويعملون على الحدود الشرقية، مقابل نحو 500 لقوات مؤتمر البجا ونحو 2000 للواء السودان الجديد التابع للحركة الشعبية. (International Institute for Strategic Studies, 2001).

كانت القيمة العسكرية لهذه القوة أكبر من حجمها العددي، لأنها ضمت ضباطاً سابقين في الجيش، وامتلكت خبرة في التنظيم العسكري، واستفادت من التدريب والملاذ والدعم الإريتري، ثم عملت ضمن شبكة أوسع من قوات التجمع الوطني الديمقراطي. وكان أبو غسان، مثلاً، ضابطاً سابقاً برتبة مقدم، وذُكر أنه تلقى تدريباً عسكرياً في مدرسة القوات المسلحة الأمريكية في فورت بينينغ في السبعينيات. (United States Senate, 1998).

أما «تسليم» المقاتلين وإعادة توزيعهم، فينبغي عدم إسقاط مفاهيم ما بعد 2005 على مرحلة 1994–2004. لم تكن قوات التحالف قد دخلت خلال هذه الفترة في عملية DDR مكتملة بالمعنى الذي أصبح لاحقاً جزءاً من ترتيبات السلام الشامل. ما حدث كان سلسلة من إعادة الانتشار والانقسام والانتقال بين قواعد إريتريا وإثيوبيا، وتسليم أو استسلام أفراد بعد إغلاق قاعدة بحر دار، وانتقال آخرين إلى إريتريا، وتحول بعضهم إلى لاجئين، بينما انضم بعضهم إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان أو خرجوا من التنظيم. وقد وثقت دراسة Small Arms Survey أن إغلاق قاعدة التحالف في بحر دار بعد تغير العلاقات الإثيوبية ـ الإريترية أدى إلى تفكك القوة في مينزا، وأن أفراداً منها ساروا إلى إريتريا، واستسلم بعضهم للحكومة، وتحول آخرون إلى جماعات مسلحة محلية، بينما لجأ آخرون إلى إثيوبيا. (Young, 2007).

ولهذا فإن مصير المقاتلين يمثل مؤشراً مهماً على هشاشة التنظيم: فالقوة التي تعتمد على قواعد خارجية تستطيع أن تنتشر بسرعة عندما تكون الدولة الراعية داعمة، لكنها يمكن أن تتفكك بسرعة عندما تتغير علاقات الدول الراعية.

  1. العمليات العسكرية في المناطق الحدودية: من حرب العصابات المحدودة إلى إنشاء جبهة شرقية لقوى المعارضة

مثّلت المناطق الحدودية بين السودان وإريتريا وإثيوبيا البيئة العملياتية الأساسية لنشوء قوات التحالف السودانية وتطورها العسكري في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين. فقد انتقلت قوات التحالف من مجرد تنظيم معارض يضم ضباطاً ومدنيين إلى قوة مسلحة تعمل من قواعد في إريتريا، وتنفذ عمليات تسلل وكمائن وهجمات على مواقع حكومية داخل السودان، ثم دخلت في ترتيبات قيادة مشتركة مع قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان وغيرها من قوات التجمع الوطني الديمقراطي. وتؤكد وثائق الأمم المتحدة وشهادات المصادر المعاصرة أن قوات التحالف كانت تتلقى التدريب في غرب إريتريا، وأنها بدأت بالفعل بتنفيذ عمليات محدودة داخل الأراضي السودانية قبل أن تتوسع العمليات لاحقاً (United Nations, 1996).

كانت أهمية الحدود أكبر من مجرد كونها ملاذاً آمناً للمقاتلين. فقد شكلت الحدود الإريترية قاعدة لوجستية وتدريبية تسمح للمعارضة بالعودة إلى الأراضي السودانية ثم الانسحاب عند تعرضها لضغط القوات الحكومية. وفي مايو 1996 وصفت تقارير دولية معاصرة معسكرات قوات التحالف في غرب إريتريا، قرب تيبسيبي، وذكرت وجود عشرات المقاتلين فيها، وأن هدف التنظيم كان فتح جبهة عسكرية جديدة في شمال السودان لإسقاط نظام الجبهة الإسلامية القومية وبناء ما سماه عبد العزيز خالد «السودان الجديد» (United Nations, 1996). كما أشار التقرير إلى وجود معسكرات أخرى في المنطقة الحدودية وإلى تنفيذ عمليات تسلل صغيرة داخل السودان ومحاولات لإثارة التمرد داخل القوات المسلحة السودانية.

وفي المرحلة الأولى اتسمت العمليات بالطابع غير التقليدي: مجموعات صغيرة، استطلاع، تسلل، كمائن، ضرب مواقع أمنية وعسكرية، ثم الانسحاب إلى مناطق الحدود. ولم تكن قوات التحالف تملك في تلك المرحلة القدرة على الاحتفاظ بمدن كبيرة أو مواجهة الجيش السوداني في معارك تقليدية طويلة. ولهذا كانت القيمة العسكرية للعمليات تتجاوز أحياناً حجم الخسائر المادية المباشرة؛ إذ كان المقصود إظهار أن النظام لا يستطيع إحكام السيطرة على كل الأراضي، ورفع معنويات المعارضة، وفتح جبهة جديدة تجبر القوات الحكومية على توزيع مواردها بين الجنوب والشرق ومناطق أخرى.

دخلت قوات التحالف ميدان القتال داخل السودان تدريجياً، وبدأت عملياتها الكبيرة في شرق السودان في منتصف التسعينيات. وتصف Human Rights Watch أول عملية كبيرة للتحالف في أبريل 1996 بأنها هجوم على معسكر حكومي قرب كسلا، ادعت الحركة خلاله قتل 15 من القوات الحكومية. وقد مثل ذلك أول عملية عسكرية رئيسية لقوة معارضة شمالية في شرق السودان. (Human Rights Watch, 1996).

ثم تطورت العمليات إلى جزء من استراتيجية أوسع للتجمع الوطني الديمقراطي. ففي 1996–1997 فتح التحالف، بالتنسيق مع الحركة الشعبية وحلفاء آخرين، جبهة شرقية تهدف إلى الضغط على الحكومة في مناطق البحر الأحمر وكسلا والنيل الأزرق. ووقعت عمليات من قواعد في إريتريا وإثيوبيا، وامتدت العمليات إلى مناطق قريبة من الطرق الاستراتيجية وخطوط النقل ومشروعات الطاقة. (Baarsen, 2000).

وكان عام 1997 ذروة القوة العسكرية للتحالف. ففي يناير من ذلك العام نفذت قوات الحركة الشعبية والتحالف عمليات مشتركة، بينما شملت جبهة الشرق عمليات من الأراضي الإثيوبية والإريترية. وذكرت تقارير الأمم المتحدة أن قوات الحركة الشعبية والتحالف قاتلت القوات الحكومية في مناطق النيل الأزرق وتلال البحر الأحمر وكسلا، وأن قوات التحالف شنت غارات على الحاميات الحكومية بين يناير ومارس 1997. (United Nations, 1997).

وتشير المصادر إلى أن الهجوم شمل مواقع مثل مينزا ومناطق أخرى على الحدود الإثيوبية، إلى جانب عمليات في شرق السودان. وقد أدى توسع العمليات إلى تهديد الطرق الحيوية، ومشروعات الكهرباء، والممرات المؤدية إلى بورتسودان، وهو ما أعطى التحالف قيمة استراتيجية تتجاوز حجمه العددي. (Sidahmed, 2005).

وتظهر الدراسات اللاحقة عن الجبهة الشرقية أن النشاط العسكري لقوات التحالف والحركة الشعبية وقوات أخرى من التجمع اتخذ صورة سلسلة من الهجمات على المنشآت العسكرية ومواقع الحكومة في مناطق الفلابات وكسلا وعلى طريق كسلا–بورتسودان، مع اختلاف واضح في حجم العمليات مقارنة بجبهات الحرب في الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق (Young, 2007).

وكان التطور الأهم هو الانتقال من عمليات متفرقة إلى تنسيق عسكري مشترك. فقد أصبحت قوات الحركة الشعبية الموجودة في الشرق وقوات التحالف وقوات أخرى تعمل بصورة أكثر تنسيقاً تحت مظلة التجمع الوطني الديمقراطي، وبرزت فكرة القيادة العسكرية الموحدة. وتذكر الدراسات التاريخية أن قوات التجمع نفذت أول اندفاع عسكري كبير في أوائل 1997 في منطقتي كورموك–قيسان ومينزا على الحدود الإثيوبية، ثم اتسع النشاط شرقاً (Sidahmed, 2005).

وكانت هذه العمليات مرتبطة جغرافياً بممرات استراتيجية؛ فالسيطرة على مناطق من النيل الأزرق والحدود الشرقية كانت تفتح احتمالات للضغط على الطرق التي تربط الخرطوم ببورتسودان، وعلى خطوط الاتصال والإمداد، كما كانت تجعل النظام مضطراً إلى الاحتفاظ بقوات كبيرة في الشرق بدلاً من تركيزها بالكامل على الجنوب. وفي هذا السياق يمكن فهم النشاط العسكري للتحالف باعتباره جزءاً من استراتيجية توزيع الضغط على الدولة أكثر من كونه محاولة واقعية للاستيلاء الدائم على الخرطوم.

وتشير الدراسات إلى أن قوات التحالف كانت من أهم مكونات النشاط العسكري لقوى التجمع في الشرق، وأن العمليات استفادت بدرجات مختلفة من الدعم الإريتري والإثيوبي ومن مشاركة أو إسناد قوات الحركة الشعبية، بينما ظل الإسهام العسكري لحزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي أقل بكثير (Young, 2007).

وقد أسهمت الحرب الإريترية–الإثيوبية التي اندلعت عام 1998 في تغيير البيئة العملياتية. فالعلاقة بين إريتريا والسودان كانت في البداية جزءاً من صراع إقليمي أوسع، ثم بدأت ترتيبات جديدة عندما تحسنت العلاقات بين أسمرا والخرطوم في نهاية التسعينيات. وكانت النتيجة أن اضطرت قوات المعارضة الموجودة في إريتريا إلى إعادة النظر في انتشارها، في وقت أصبحت فيه إريتريا نفسها أكثر حساسية تجاه أمن حدودها الغربية (Young, 2007).

ومع ذلك، لم تختفِ الجبهة الشرقية مباشرة. ففي عام 2000 استطاعت قوات التجمع توسيع وجودها في الشرق، واحتلت همشكوريب لفترة قبل أن تستعيدها القوات الحكومية بعد أشهر. وتخلص الدراسات التاريخية إلى أن التقدم العسكري لقوات التجمع في الشرق ظل محدوداً بعد ذلك، ولم يتحول إلى سيطرة إقليمية واسعة ومستدامة (Sidahmed, 2005).

وعليه، فإن التقييم الأكثر توازناً للتجربة العسكرية للتحالف في المناطق الحدودية هو أنها حققت نجاحاً عملياتياً واستراتيجياً محدوداً، لكنها لم تحقق نصراً عسكرياً حاسماً. فقد استطاعت فتح جبهة جديدة، وشن هجمات داخل السودان، واحتلال بعض المواقع والمدن مؤقتاً، ورفع كلفة الحرب بالنسبة للحكومة، لكنها لم تستطع إنشاء منطقة محررة واسعة ومستقرة يمكن أن تتحول إلى قاعدة سياسية وعسكرية مماثلة لمناطق الحركة الشعبية في الجنوب.

وكانت قرورة، التي تظهر في بعض المصادر باسم Garora أو Garura، من المواقع ذات الأهمية الخاصة. ففي 1997 سيطرت قوات التحالف على مخيم للاجئين تابعاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في المنطقة، وأدى ذلك إلى عبور ما يقدر بنحو 12,500 لاجئ إريتري إلى داخل إريتريا. وهذه الواقعة تكشف بوضوح أن المناطق التي سيطرت عليها قوات المعارضة لم تكن فراغاً عسكرياً، بل كانت تحتوي سكاناً ولاجئين ومرافق إنسانية، وأن السيطرة العسكرية كانت لها آثار مباشرة على المدنيين والمنظمات الإنسانية. (United Nations, 1997).

وفي أغسطس 1998 أعلن التحالف أنه هاجم منطقة اللفّة في ولاية كسلا على الحدود مع إريتريا، واستولى على موقع القيادة الحكومي، ثم واصل التقدم نحو الجيرة، فيما قالت الحكومة إنها صدت الهجوم. وذكرت الوثائق الأممية أن بيانات الطرفين كانت متعارضة بشأن حجم الخسائر والسيطرة الميدانية، وهو أمر ينبغي مراعاته عند إعادة بناء التاريخ العسكري للحركة. (United Nations Security Council, 1998).

وتظهر هنا إحدى أهم خصائص حرب التحالف: لم تكن حرباً تقليدية قادرة على احتلال مدن كبرى والمحافظة عليها، وإنما حرب ضغط على الأطراف، وغارات على الحاميات، وتهديد للممرات والمنشآت الاقتصادية، ومحاولات خلق جبهة شمالية تستنزف القوات الحكومية.

وفي يناير 1997 شاركت قوات التحالف في العمليات العسكرية التي استهدفت مواقع حكومية في شرق السودان، وامتدت العمليات إلى مناطق قريبة من كسلا وإلى الجبهة الممتدة من الحدود الإريترية إلى النيل الأزرق. وذكرت تقارير صحفية معاصرة أن المعارضة نفذت هجمات على مواقع حكومية في منطقة كوتنيب قرب كسلا، وأن العمليات تضمنت الاستيلاء على مركبات وتدمير مروحية وفق رواية المعارضة (Nduro, 1997). وكان الهدف الاستراتيجي أوسع من السيطرة على مواقع عسكرية محدودة، إذ سعت المعارضة إلى تهديد طرق الاتصال بين الخرطوم وبورتسودان وإرباك البنية العسكرية والاقتصادية للحكومة.

وفي الوقت نفسه شاركت قوات التحالف مع الحركة الشعبية في عمليات جنوب شرقي الدمازين. وأشارت تقارير معاصرة إلى السيطرة على مثلث ياغورو ـ ياباشير ـ مينزا، إلى جانب عدد من الحاميات، وهو ما أظهر قدرة قوات المعارضة على إنشاء نطاقات سيطرة داخل الأراضي السودانية (Africa Confidential, 1997).

وهنا ظهرت أهمية المناطق التي وصفت في الخطاب السياسي والعسكري بأنها «مناطق محررة». فـمينزا وقرورة وغيرها من المناطق التي خضعت بدرجات مختلفة لسيطرة قوات التحالف وحلفائها لم تكن مجرد نقاط عسكرية، وإنما شكلت اختباراً لقدرة الحركة على الانتقال من الحرب إلى الإدارة. وكان التحدي الحقيقي يتمثل في المحافظة على الأمن، وتنظيم العلاقة مع السكان، وتوفير الخدمات الأساسية، وإدارة الموارد، وتطبيق قواعد الانضباط، ومنع التجاوزات، وإنشاء مؤسسات مدنية تستطيع أن تمنح السيطرة العسكرية شرعية سياسية.

ومن هنا كانت إدارة المناطق الواقعة تحت السيطرة العسكرية أحد الاختبارات التي تكشف الفرق بين «الانتصار العسكري» و«التحرر السياسي». فالسيطرة على منطقة يمكن تحقيقها بعملية عسكرية، أما المحافظة عليها وتحويلها إلى نموذج للحكم البديل فتتطلب مؤسسات مدنية وقانونية وإدارية مستقرة.

وكانت العمليات ضد طرق النقل والمنشآت الاقتصادية جزءاً من استراتيجية الضغط على الحكومة. وقد وثقت مصادر حقوقية أن الهجمات في الشرق هددت الطريق الاستراتيجي بين بورتسودان والخرطوم، كما أن العمليات في النيل الأزرق هددت منشآت اقتصادية مهمة (Human Rights Watch, 1998). وهذا جعل قوات التحالف جزءاً من استراتيجية عسكرية تهدف إلى رفع تكلفة استمرار نظام الإنقاذ وليس فقط إلى الاستيلاء على حاميات صغيرة.

غير أن استهداف المنشآت الاقتصادية وطرق النقل أثار في الوقت نفسه مسألة التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية. ولذلك فإن تقييم التاريخ العسكري للتحالف يجب ألا يقتصر على نجاحاته الميدانية، بل ينبغي أن يتناول أيضاً قواعد الاشتباك وحماية المدنيين والانضباط الداخلي. وهذه المسألة تصبح أكثر أهمية بالنسبة لتنظيم أعلن أن هدفه بناء دولة ديمقراطية قائمة على المواطنة والقانون.

وقد كانت الدعم الإريتري والإثيوبي عنصراً حاسماً في القدرة العسكرية للتحالف. فإريتريا وفرت الأراضي والمعسكرات والتدريب، بينما استفاد التحالف من المجال الإقليمي الذي أتاحته إثيوبيا والحركة الشعبية. وقد أدى ذلك إلى إنشاء شبكة دعم جعلت القوة الصغيرة قادرة على الاستمرار والعمل داخل السودان (Human Rights Watch, 1998).

لكن هذا الدعم الخارجي خلق في الوقت نفسه تبعية استراتيجية. فقد كان بقاء القواعد والإمداد مرتبطاً بالعلاقات بين دول المنطقة، وهي علاقات تغيرت بصورة كبيرة بعد اندلاع الحرب الإثيوبية ـ الإريترية عام 1998. ولذلك كانت قوات التحالف معرضة دائماً لخطر أن تتحول التحولات في السياسة الإقليمية إلى تحولات في قدرتها العسكرية.

كما يجب التوقف عند الخلافات داخل القيادة العسكرية نفسها، بما في ذلك الخلافات التي ارتبطت بعبد العزيز دفع الله. فقد أصبحت إبعاد شخصيات قيادية أو تغيير مواقعها التنظيمية جزءاً من الصراع الداخلي حول القيادة والمؤسسية. وتكشف هذه الخلافات أن التنظيم الذي نشأ في ظروف الحرب واجه صعوبة في تحويل التسلسل القيادي العسكري إلى نظام مؤسسي قابل لإدارة الخلافات السياسية.

وكانت الاتهامات اللاحقة بانتهاكات حقوق الإنسان داخل قوات التحالف من أكثر الجوانب حساسية في هذا التاريخ. فقد ظهرت روايات واتهامات متبادلة بشأن القتل والتصفية والاعتقال وسوء المعاملة داخل بعض المناطق والوحدات، وارتبطت بعض هذه الروايات بالصراع على القيادة وبالخلاف حول الوحدة مع الحركة الشعبية. لكن المنهج العلمي يقتضي الفصل بين «الادعاء» و«الإثبات»: فلا يجوز تحويل الاتهامات التي أطلقتها أطراف متصارعة إلى حقائق قضائية نهائية من دون تحقيق مستقل أو حكم قضائي.

ومن ثم فإن القيادة العسكرية للتحالف ينبغي فهمها باعتبارها شبكة متعددة المستويات ضمت عبد العزيز خالد، وعصام ميرغني «أبو غسان»، وراشد بابكر، وعبد العزيز النور، وسليمان ميلاد، وحسن بكري، وكمال إسماعيل وغيرهم من الضباط والقادة الميدانيين. كما يجب تجنب الادعاء بأن هذه قائمة رسمية كاملة، لأن المصادر المنشورة لا توفر حتى الآن سجلاً شاملاً لجميع القادة ورتبهم ومواقعهم في كل سنة.

  1. العملية العسكرية في كسلا: من الهجوم على أطراف المدينة إلى احتلالها المؤقت

تحتل كسلا موقعاً خاصاً في التاريخ العسكري لقوات التحالف لأنها كانت المدينة الرئيسية في شرق السودان التي وصلت إليها عمليات المعارضة المسلحة بصورة مباشرة، وأصبحت رمزاً لقدرة قوات التحالف وقوات التجمع على نقل الحرب من الأطراف إلى مركز حضري مهم.

بدأت العمليات حول كسلا قبل احتلال المدينة بسنوات. ففي أكتوبر 1996، وثقت الأمم المتحدة هجوماً نفذته مجموعة من مقاتلي قوات التحالف ضد قوات الحكومة في موقع يقع على بعد نحو 25 كيلومتراً جنوب شرقي كسلا، وذكر البيان الصادر عن قوات التحالف أن العملية أدت إلى مقتل ثلاثة من جنود الجبهة الإسلامية وجرح آخرين، وربطت القيادة العملية بالذكرى الثانية والثلاثين لثورة أكتوبر (United Nations, 1996).

ويُشار في بعض المصادر الصحفية السودانية إلى عملية مديسيسة عام 1996 باعتبارها من أولى العمليات المهمة لقوات التحالف، وقد وقعت على مسافة تقارب 50 كيلومتراً جنوب كسلا، ثم تلتها عمليات في النيل الأزرق، من بينها مينزا، قبل أن تتوسع العمليات المشتركة لاحقاً (التجاني، 2004).

وبحلول عام 2000 أصبح العمل العسكري أكثر تنظيماً. فقد أشار تقرير معاصر إلى أن قوات المعارضة في شمال شرق السودان كانت قد انتقلت من الكمائن والهجمات الصغيرة المتفرقة إلى العمل تحت قيادة مشتركة، وأن قوات الحركة الشعبية وقوات أخرى ضمن التجمع أصبحت أكثر قدرة على تنفيذ عمليات كبيرة نسبياً (Guardian, 2000).

وتشير المصادر السودانية المعاصرة إلى أن قوات المعارضة احتلت كسلا لفترة قصيرة في ديسمبر 2000، بينما تصف مصادر أخرى العملية بأنها جزء من سلسلة هجمات مشتركة نفذتها قوات التحالف والحركة الشعبية وقوات التجمع. وتذكر روايات عسكرية سودانية أن الهدف لم يكن تحويل كسلا إلى عاصمة إقليمية دائمة للمعارضة، وإنما إظهار القدرة على اختراق مدينة استراتيجية والانسحاب قبل أن تستطيع القوات الحكومية حشد قوة مضادة كافية (التجاني، 2004).

ومن الناحية العسكرية، كانت أهمية كسلا تكمن في موقعها على شبكة الطرق التي تربط شرق السودان بالداخل وبميناء بورتسودان، وفي قربها من الحدود الإريترية. ولذلك فإن أي تهديد جدي لها كان يعني تهديداً للاتصالات والإمدادات وللمنطقة الاقتصادية الشرقية بأكملها.

كما أن العملية حملت قيمة نفسية وسياسية ضخمة. فالنظام كان يقدم نفسه باعتباره صاحب السيطرة الكاملة على البلاد، بينما أظهرت عملية الوصول إلى كسلا أن قوة معارضة غير نظامية تستطيع اختراق مدينة كبيرة لفترة من الزمن. ولهذا كانت العمليات في كسلا جزءاً من حرب الإدراك السياسي بقدر ما كانت عمليات عسكرية.

لكن لا ينبغي المبالغة في وصف العملية باعتبارها «تحريراً دائماً لكسلا». فالمصادر المتاحة لا تدعم القول إن قوات التحالف أقامت سيطرة مستقرة طويلة الأمد على المدينة. والأدق وصفها بأنها عملية اقتحام واحتلال مؤقت ضمن حرب عصابات وهجمات خاطفة، استهدفت إحداث تأثير عسكري وسياسي أكبر من حجم القوة المستخدمة.

  1. النفط والطرق والسدود: تحويل الأهداف الاقتصادية إلى أدوات ضغط سياسي

شكّل النفط بعد بدء التصدير التجاري في أواخر التسعينيات عنصراً مركزياً في الحرب السودانية. ولذلك أصبحت البنية النفطية، وخاصة خطوط الأنابيب الممتدة إلى البحر الأحمر، هدفاً محتملاً لقوى المعارضة المسلحة. وكانت هذه المسألة شديدة الحساسية بالنسبة لقوات التحالف، لأن عبد العزيز خالد وقادة التجمع اعتبروا أن إيرادات النفط تمنح الحكومة موارد إضافية لتمويل الحرب.

اكتمل خط الأنابيب الرئيسي الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج إلى ميناء بشائر على البحر الأحمر في أغسطس 1999، وبدأت صادرات النفط في أواخر عام 1999/2000. ومع ظهور النفط كمصدر رئيسي للدخل الحكومي، أصبحت خطوط الأنابيب جزءاً من البنية الاستراتيجية للحرب.

وتوثق منظمة هيومن رايتس ووتش سلسلة من عمليات التخريب التي استهدفت البنية النفطية عام 1999 وبداية 2000. ففي 19 سبتمبر 1999 تعرض خط الأنابيب لهجوم قرب عطبرة، وبعد ذلك وقع تفجير في محطة بترول بكسلا في أكتوبر، ثم تعرض خط أنابيب الواردات الممتد من بورتسودان إلى الخرطوم للتخريب في إركويت في 28 نوفمبر 1999، ثم وقع تفجير آخر في خط تصدير النفط في 16 يناير 2000، على مسافة نحو 150 كيلومتراً جنوب غربي بورتسودان (Human Rights Watch, 2003).

غير أن نسبة كل هذه العمليات إلى قوات التحالف السودانية تحديداً ليست ثابتة في المصادر عالية الجودة. وهذه نقطة يجب تصحيحها في أي معالجة أكاديمية. فقد اتهمت الحكومة السودانية قوى مختلفة، بما فيها مؤتمر البجا وحزب الأمة، بينما أشارت بعض المصادر إلى قوات التجمع الوطني الديمقراطي بصورة عامة، ولم تقدم الأدلة المتاحة دائماً أساساً يسمح بإسناد كل حادثة مباشرة إلى قوات التحالف.

وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن التجمع الوطني الديمقراطي دافع علناً عن استهداف خط الأنابيب باعتباره هدفاً عسكرياً مشروعاً، وأن الحركة الشعبية اتخذت موقفاً مماثلاً بشأن صناعة النفط باعتبارها جزءاً من القدرة العسكرية للحكومة (Human Rights Watch, 2003).

وتقدم وثائق صحفية معاصرة دليلاً أقوى على ارتباط قوات التجمع، وبصورة خاصة قوات التحالف، باستراتيجية استهداف النفط. ففي سبتمبر 1999 وصف مصدر عسكري معارض العملية التي استهدفت خط الأنابيب بأنها عملية نفذتها قوات التجمع المشتركة، وصرح عبد العزيز خالد بأن النفط «ملك للشعب السوداني»، ودعا شركات النفط إلى التفاوض مع التجمع، محذراً من استمرار العمليات (Weir, 1999).

وفي الوقت نفسه، كانت هناك عملية تخريب لخط الأنابيب في إركويت جنوب غربي بورتسودان في نوفمبر 1999. ولم يكن ذلك مجرد عمل رمزي؛ فقد كان الهدف الاستراتيجي هو تعطيل قدرة الحكومة على تحويل النفط إلى موارد مالية، أو على الأقل زيادة تكلفة حماية البنية التحتية الحيوية.

وتظهر أهمية هذه العمليات أيضاً في التقارير التي كانت تتحدث عن خط أنابيب يزيد طوله على 1600 كيلومتر، وعن نشر آلاف عناصر الشرطة والقوات لحمايته بعد الهجمات (Human Rights Watch, 2003).

ومع ذلك، فإن استهداف منشآت النفط يثير إشكالية قانونية وأخلاقية. فوجود منشأة في منطقة حرب لا يجعل كل هجوم عليها مشروعاً تلقائياً؛ وإنما يعتمد الأمر على طبيعة المنشأة، واستخدامها العسكري، والتناسب، والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية. ولذلك فإن دفاع التجمع عن النفط باعتباره «هدفاً عسكرياً» يمثل موقفاً سياسياً وعسكرياً للتجمع وليس حكماً قانونياً مستقلاً بأن كل عمليات التخريب كانت متوافقة مع القانون الدولي الإنساني.

ومن المفيد في هذا السياق التمييز بين الاستهداف المباشر للخطوط النفطية وبين استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية المرتبطة بصناعة النفط. فالأول قد يدخل في إطار استهداف هدف ذي وظيفة عسكرية وفق شروط القانون الدولي، بينما الثاني يحتاج إلى تقييم مختلف تماماً.

وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في حالة عبد العزيز خالد، لأن الاتهامات التي استُخدمت في إجراءات توقيفه في الإمارات عام 2004 ارتبطت، وفق مذكرات دفاعه وتقارير حقوقية، بقضية تفجير أنابيب البترول في عطبرة. وقد كان خالد نفسه، بعد عودته إلى الخرطوم، ينفي أن يكون قد خطط شخصياً للعملية، مع الإقرار بالموقف السياسي الذي يعتبر خطوط النفط هدفاً عسكرياً في سياق الحرب (Human Rights Watch, 2004).

وبالتالي فإن الخلاصة العلمية هي أن قوات التحالف كانت جزءاً من بيئة المعارضة المسلحة التي استهدفت البنية النفطية، وأن قيادة التحالف تبنت علناً مبدأ اعتبار النفط مورداً مرتبطاً بقدرة الحكومة على الحرب، لكن لا يصح إسناد كل عملية تفجير نفطية إلى قوات التحالف دون دليل خاص بكل حادثة.

  1. «المناطق المحررة» وإدارة الأرض: من السيطرة العسكرية إلى اختبار الشرعية

استخدمت قوات التحالف وحلفاؤها لغة «المناطق المحررة» لوصف الأراضي التي خرجت مؤقتاً أو جزئياً من السيطرة الحكومية. وكانت مينزا ومناطق شرق السودان والنيل الأزرق ضمن المساحات التي شهدت وجوداً عسكرياً للمعارضة. وتذكر الأدبيات أن هجوم 1997 عبر مناطق متعددة من الحدود، وأن قوات المعارضة سيطرت على مواقع في مينزا ومناطق أخرى، كما توسعت لاحقاً إلى هامشكوريب ومواقع أخرى في الشرق. (Sidahmed, 2005).

لكن مصطلح «التحرير» يحتاج إلى تحليل دقيق. فالسيطرة العسكرية على موقع لا تعني بالضرورة بناء إدارة مدنية مستقرة أو توفير مؤسسات قضائية وتعليمية وصحية وخدمية بديلة. وفي حالة التحالف، كانت السيطرة في كثير من المواقع متقطعة ومشتركة مع قوات أخرى، كما كانت تعتمد على الممرات الحدودية والدعم الخارجي. ولهذا فإنها كانت أقرب إلى «سيطرة ميدانية مسلحة» منها إلى دولة بديلة مكتملة.

وهذه المشكلة كانت واضحة في المناطق التي ارتبطت فيها قوات التحالف بالعمل الإنساني. فقد كان وجود منظمة أمل، أو Amal Trust/Sudan Future Care Trust، محاولة لتوفير بعد مدني وإنساني للنشاط العسكري. وذكرت وثيقة الكونغرس الأمريكي أن المنظمة الإنسانية المرتبطة بالتحالف رافقت وفداً أمريكياً في أسمرا وداخل السودان، وأنها قدمت مقترحات إلى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومنظمات إغاثة أخرى لتمويل مشروعات في المناطق التي يسيطر عليها التحالف، رغم محدودية مواردها. (United States Senate, 1998).

وهكذا كانت منظمة أمل ذات أهمية تتجاوز حجمها، لأنها مثلت محاولة لتحويل السيطرة العسكرية إلى قدرة على تقديم الخدمات وبناء الشرعية. إلا أن ضعف الموارد، والحرب، وطبيعة المناطق الحدودية، واعتماد التنظيم على حلفائه، كلها حدت من قدرتها على التحول إلى مؤسسة إنسانية كبيرة ومستقلة.

  1. منظمة أمل وإذاعة الحرية والتجديد والنشرات الدورية: بناء الجبهة المدنية والإعلامية للحركة

لم تكن قوات التحالف تعتمد على السلاح وحده. فقد سعت إلى بناء مؤسسات مدنية وإعلامية تجعل الحرب جزءاً من مشروع سياسي أوسع. ومن أبرز هذه المؤسسات منظمة أمل، التي وردت في الوثائق الأمريكية باسم Amal Trust أو Sudan Future Care Trust، وكانت مرتبطة بالمناطق التي يسيطر عليها التحالف وسعت للحصول على تمويل لمشروعات إنسانية. (United States Senate, 1998).

وكانت الوظيفة الأساسية لمنظمة أمل، في هذا السياق، محاولة توفير جسر بين الحركة المسلحة والمجتمع المدني. وهذه الوظيفة ذات أهمية خاصة في الحركات المتمردة، لأن الحركة التي لا تقدم سوى العنف العسكري تواجه صعوبة في تحويل السيطرة إلى شرعية. أما توفير الغذاء والصحة والتعليم والمساعدة الاجتماعية فيمكن أن يجعل السكان يرون الحركة باعتبارها سلطة سياسية محتملة لا مجرد قوة مقاتلة. وتذكر شهادات لاحقة أن التنظيم أقام مشروعات إنسانية وسلطة مدنية في بعض المناطق التي اعتبرها «محررة»، ومن بينها مينزا (عبد العزيز الدقيل، 2006).

ومن منظور بناء الدولة، يمكن قراءة منظمة أمل باعتبارها محاولة مبكرة للانتقال من منطق الحركة المسلحة إلى منطق السلطة البديلة. وهذه النقلة مهمة؛ لأن الحركات المسلحة التي تريد أن تتحول إلى قوة سياسية وطنية تحتاج إلى تقديم خدمات، وإدارة الأراضي، وبناء علاقات مع السكان، وليس فقط مهاجمة الدولة المركزية. لكن إمكانات منظمة أمل ظلت محدودة بسبب طبيعة المناطق النائية، وضعف الموارد، واستمرار الحرب، واعتمادها بدرجات مختلفة على المساعدات الخارجية. ولذلك لم تتطور إلى جهاز خدمات عام واسع بالمعنى الذي ظهر في بعض المناطق التي كانت الحركة الشعبية تسيطر عليها في الجنوب.

أما إذاعة «الحرية والتجديد»، أو Voice of Freedom and Renewal، فقد كانت من أهم أدوات الدعاية السياسية للتحالف. وتؤكد سجلات الرصد الإذاعي أنها كانت تبث باسم قوات التحالف السودانية، وأنها ظهرت على الموجات القصيرة منذ 1998 على الأقل، كما كانت تبث من أجهزة إرسال مرتبطة بإريتريا. ووصفها أحد سجلات الرصد بأنها «لسان حال» قوات التحالف، في حين رصدت مصادر أخرى بثها على ترددات مختلفة وباللغة العربية. (Monitoring Times, 1999; Monitoring Times, 2004).

وتشير المصادر المتاحة إلى أن المهندس هيثم المبارك الماحي (هاشم) تولى المسؤولية الفنية والإشراف على الإذاعة، وأنها كانت مرتبطة مباشرة بأمانة الإعلام في التحالف. وتؤكد وثائق معاصرة أن الإذاعة كانت تبث من إريتريا باتجاه السودان وشرق أفريقيا، وأنها كانت تُعرف باللغة الإنجليزية باسم Voice of Freedom and Renewal (World Radio History, 2000).

وكانت الإذاعة جزءاً من استراتيجية التحالف لبناء جمهور سياسي يتجاوز مناطق العمليات العسكرية. فالمقاتل الموجود في الجبهة لا يستطيع وحده أن يخلق حركة سياسية وطنية؛ ولذلك احتاج التحالف إلى قناة تصل إلى المدن والقرى والطلاب والنقابات والمغتربين والمعارضة السياسية. كما أن اسم «الحرية والتجديد» نفسه يعكس طبيعة الخطاب السياسي للتحالف: الحرية في مواجهة النظام العسكري–الإسلامي، والتجديد في مواجهة الأحزاب التقليدية والهياكل السياسية التي رأى التحالف أنها غير قادرة على إعادة بناء الدولة السودانية.

ويكشف إنشاء الإذاعة عن فهم متقدم نسبياً لأهمية الحرب المعلوماتية. فالمعارضة كانت تواجه احتكار الدولة للإذاعة والتلفزيون والصحافة داخل السودان، ولذلك كان الراديو العابر للحدود وسيلة للوصول إلى الجمهور السوداني وإلى المغتربين. كما أن الإذاعة لم تكن مجرد وسيلة لنشر البيانات العسكرية، بل كانت جزءاً من بناء هوية سياسية، وربط العمل المسلح بخطاب التحرر والديمقراطية والسودان الجديد.

وهذا الجانب الإعلامي يفسر جزئياً لماذا اكتسب التحالف حضوراً أكبر من حجمه العسكري الفعلي. فالحركة الصغيرة يمكن أن تصبح ذات تأثير سياسي إذا نجحت في إنتاج سردية مقنعة، وهو ما حدث إلى حد ما مع خطاب التحالف في منتصف التسعينيات.

وفي أغسطس 2004، أصبحت الإذاعة جزءاً من الصراع الداخلي حول التحالف. وتورد وثائق وشهادات المعارضة للانقسام أن السلطات الإريترية استولت على معدات وأرشيف الإذاعة، وأن المهندس هيثم المبارك الماحي تعرض لضغوط لتشغيلها، وأن بثاً تجريبياً جرى بواسطة مهندس إريتري ثم بدأ التشغيل الفعلي في 14 أغسطس 2004 (عبد العاطي، 2004). وهذه التفاصيل الأخيرة تأتي من مصادر طرفية مرتبطة مباشرة بالصراع الداخلي، ولذلك يجب التعامل معها باعتبارها رواية موثقة في سجلات المعارضة، لا حقيقة مستقلة ثبتت جميع عناصرها قضائياً أو دولياً.

وتكشف أزمة الإذاعة في 2004 أن الإعلام كان بالنسبة للتحالف أصلاً استراتيجياً. فالاستيلاء على محطة البث لم يكن مجرد مصادرة جهاز تقني، بل كان محاولة للسيطرة على القدرة على تعريف التنظيم سياسياً وإعلامياً أمام الجمهور السوداني.

إلى جانب الإذاعة، استخدم التحالف النشرات والبيانات والدوريات كأداة لبناء هويته السياسية وتوثيق نشاطه. وكانت هذه المنشورات تؤدي وظائف متعددة: نشر المواقف السياسية، شرح العمليات العسكرية، تقديم بيانات عن التطورات التنظيمية، الرد على الحكومة وعلى القوى المعارضة الأخرى، والتواصل مع الأعضاء في الداخل والخارج.

وتظهر الإشارات إلى «نشرة فجر الثورة» في سجلات الخلافات الداخلية للتحالف، حيث استُخدمت موادها في النقاشات المتعلقة بالانقسامات والصراعات القيادية، كما تظهر بيانات و«تعميمات» صادرة عن أجهزة التحالف في أسمرا والميدان وفي الخارج (عبد العاطي، 2004).

وتكمن أهمية هذه النشرات في أنها توفر اليوم مادة أولية لدراسة الفكر السياسي والتنظيم الداخلي للتحالف، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى نقد مصدري صارم؛ لأن بعض المواد التي بقيت متداولة على الإنترنت ظهرت لاحقاً في سياق الصراعات الداخلية، وقد تحمل لغة اتهامية أو دفاعية. ولذلك ينبغي التمييز بين الوثيقة التنظيمية الأصلية الصادرة في زمن الحدث وبين إعادة نشرها أو التعليق عليها بعد الانقسام.

ومن الناحية المؤسسية، كانت النشرات تؤدي وظيفة مشابهة لما تؤديه اليوم المواقع الرسمية والمنصات الرقمية: توحيد الرسالة السياسية في تنظيم منتشر بين إريتريا والسودان والقاهرة ومناطق أخرى، وإبقاء الأعضاء على اتصال مع القيادة.

  1. الرعاية الإقليمية ومعضلة الاستقلال: إريتريا وإثيوبيا بين الحليف والفاعل المؤثر

لا يمكن فهم ولادة قوات التحالف السودانية في 1994 بمعزل عن البيئة الإقليمية للقرن الأفريقي. فقد كانت إريتريا، التي أصبحت دولة مستقلة حديثاً في 1993 بعد حرب طويلة ضد إثيوبيا، تواجه دولة سودانية معادية سياسياً وأمنياً، وكانت حكومة الخرطوم تدعم جماعات إريترية معارضة وتتهمها أسمرا بالتدخل في شؤونها الداخلية. وفي المقابل كانت إريتريا تبحث عن وسائل للضغط على نظام الجبهة الإسلامية القومية في الخرطوم.

في هذا السياق وجدت القيادة الإريترية في عبد العزيز خالد وتنظيمه الناشئ شريكاً مناسباً. وتوثق الأمم المتحدة في تقرير عام 1996 أن قوات التحالف كانت تتدرب في معسكرات داخل إريتريا، وأنها كانت تعمل بدعم مباشر من القيادة الإريترية بهدف فتح جبهة عسكرية جديدة ضد نظام الخرطوم (United Nations, 1996).

ولم يكن الدعم الإريتري مجرد استضافة للاجئين أو منح حق اللجوء السياسي؛ بل شمل، وفق المصادر الدولية، التدريب العسكري والدعم اللوجستي والسماح باستخدام الأراضي الإريترية قاعدة للعمليات. وفي ديسمبر 1997 قدرت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي قوة التحالف بنحو 600–700 مقاتل، وذكرت صراحة أنها تتلقى مساعدة عسكرية من الحكومة الإريترية، وأنها كانت آنذاك ثاني أكبر قوة عسكرية معارضة بعد الحركة الشعبية لتحرير السودان (United States Senate Committee on Foreign Relations, 1998).

وكانت هناك عدة دوافع إريترية متداخلة. أولها الأمن القومي الإريتري؛ فوجود نظام معادٍ في الخرطوم يمثل تهديداً مستمراً لإريتريا، ولا سيما في ظل دعم الخرطوم لحركات إسلامية ومسلحة معارضة لأسمرا. وثانيها الرغبة في إنشاء ضغط عسكري على السودان من الشرق، بحيث لا تستطيع الخرطوم تركيز قوتها بالكامل في الجنوب. وثالثها الاعتقاد بأن ضباطاً سودانيين محترفين مثل خالد يمكن أن يكونوا أكثر قدرة من الحركات الإقليمية على إحداث انشقاقات داخل الجيش السوداني أو تحريك قطاعات منه ضد النظام.

وتشير مصادر تحليلية إلى أن إريتريا كانت ترى في التحالف، في بداياته، مشروعاً يمكن أن يؤدي دوراً شبيهاً بالدور الذي أدته الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا في إسقاط نظام منغستو؛ أي تنظيم مسلح حديث نسبياً، تقوده نخبة عسكرية، ويحمل خطاباً وطنياً يتجاوز الإثنية والإقليمية (Hassan, 2009). لكن هذا التفسير يأتي من مصدر تحليلي لاحق ذي موقف نقدي شديد من قيادة التحالف، ولذلك ينبغي اعتباره تفسيراً لا حقيقة موثقة بصورة مستقلة. أما الثابت في المصادر الدولية فهو الدعم العسكري الإريتري ووجود معسكرات التحالف داخل إريتريا (United Nations, 1996; United States Senate Committee on Foreign Relations, 1998).

وبذلك كانت العلاقة منذ البداية علاقة تحالف مصلحي غير متكافئ: التحالف يحتاج إلى إريتريا باعتبارها قاعدة وعمقاً لوجستياً، وإريتريا تحتاج إلى التحالف باعتباره أداة ضغط سودانية على الخرطوم. وهذه الطبيعة ستصبح لاحقاً أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الأزمة التي انفجرت بين خالد والقيادة الإريترية.

اعتمد التحالف بدرجة كبيرة على الجغرافيا السياسية للقرن الإفريقي. فقد كانت إريتريا مركزاً رئيسياً لعمل المعارضة السودانية، بينما قدمت إثيوبيا في مراحل معينة وصولاً وإمدادات لقوات التحالف. وأكدت Human Rights Watch أن إثيوبيا قدمت وصولاً وإمدادات للحركة الشعبية وقوات التحالف في غرب إثيوبيا، بينما كانت إريتريا وإثيوبيا وأوغندا داعمة لقوى المعارضة السودانية بدرجات مختلفة. (Human Rights Watch, 1998).

لم تكن قوات التحالف تعمل بمعزل عن بقية قوى التجمع الوطني الديمقراطي. فقد تأسس التجمع في أسمرا عام 1995 بوصفه إطاراً جامعاً للأحزاب والقوى السياسية والعسكرية المعارضة، وكان التحالف أحد مكوناته العسكرية والسياسية المهمة. وضم التجمع الحركة الشعبية لتحرير السودان، والحزب الاتحادي الديمقراطي، وحزب الأمة، ومؤتمر البجا، وقوى أخرى، بحيث أصبح الصراع مع نظام الخرطوم جزءاً من شبكة إقليمية أوسع (Johnson, 2003).

وكانت إثيوبيا لاعباً مهماً في هذه البيئة، خصوصاً في منطقة النيل الأزرق والحدود الشرقية. ففي يناير 1997 حققت قوات التجمع مكاسب كبيرة، حيث استولت الحركة الشعبية على الكرمك وقيسان، بينما شاركت قوات التحالف والحركة الشعبية في السيطرة على منطقة مثلث ياغورو–يابشير–مينزا وعدد من الحاميات (Africa Confidential, 1997).

أما أوغندا فقد كانت جزءاً من البيئة الإقليمية الداعمة للحركة الشعبية، وإن كانت صلتها المباشرة بقوات التحالف أقل من صلة إريتريا وإثيوبيا. وقد أسهم اصطفاف إريتريا وإثيوبيا وأوغندا في مقابل السودان خلال منتصف التسعينيات في تحويل الحرب السودانية من حرب داخلية أساساً إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف (Human Rights Watch, 1998).

وكانت مصر وليبيا والسعودية أطرافاً مهمة في السياسة السودانية والإقليمية، لكن علاقتها بالتحالف لم تكن مماثلة لعلاقة إريتريا به. فقد كانت القاهرة أكثر اهتماماً بالاستقرار السوداني وبقضايا الحدود والمياه، بينما كانت ليبيا تتحرك بين دعم الخرطوم والتواصل مع المعارضة، ثم أصبحت لاحقاً جزءاً من مسارات التفاوض. لذلك فإن وصف التحالف بأنه كان «تابعاً» لقوة إقليمية واحدة سيكون تبسيطاً مفرطاً؛ فقد حاولت قيادته الحفاظ على هامش من الاستقلال السياسي رغم اعتمادها العسكري على أسمرا.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فكانت علاقتها بالتحالف ذات طبيعة مختلفة وأكثر تعقيداً. ففي نوفمبر 1997 فرضت إدارة كلينتون عقوبات اقتصادية على السودان، في سياق سياسة أوسع تجاه نظام الجبهة الإسلامية القومية بسبب الإرهاب والسياسات الإقليمية وانتهاكات حقوق الإنسان. وفي ديسمبر 1997 زار وفد من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي إريتريا وإثيوبيا والسودان، والتقى عبد العزيز خالد وقادة المعارضة، ودخل مناطق يسيطر عليها التحالف في شرق السودان، في أول زيارة رسمية لمسؤولين أمريكيين إلى تلك المناطق بحسب التقرير الأمريكي (United States Senate Committee on Foreign Relations, 1998).

وتوضح هذه الزيارة أن واشنطن كانت تنظر إلى التحالف باعتباره جزءاً من معادلة المعارضة المسلحة والسياسية ضد نظام الخرطوم، لكنها لم تمنحه مكانة مماثلة للحركة الشعبية من حيث الثقل العسكري أو الموارد أو البنية الدولية. وكان الدعم الأمريكي المباشر المعلن للتحالف محدوداً، بينما كانت المساعدات الإنسانية الأمريكية الكبيرة موجهة بصورة أساسية إلى جنوب السودان ومناطق أخرى؛ وقد أشار التقرير الأمريكي إلى أن المناطق الخاضعة للتحالف في شرق السودان لم تحصل على المساعدات الأمريكية المماثلة في ذلك الوقت (United States Senate Committee on Foreign Relations, 1998).

ومن المهم هنا التمييز بين التواصل السياسي الأمريكي، والضغط الدبلوماسي على الخرطوم، والمساعدة الإنسانية، وبين التمويل العسكري المباشر للتحالف. فقد انتشرت لاحقاً روايات تتحدث عن دور أمريكي استخباري وعسكري واسع في بناء التحالف، إلا أن الأدلة الحكومية الأمريكية المتاحة علناً تثبت بدرجة أكبر الاتصالات السياسية والزيارات والتنسيق الإقليمي والاهتمام بالمعارضة، ولا تثبت بصورة كافية كل الادعاءات المتعلقة بتمويل أمريكي مباشر لقوات التحالف.

وهكذا كانت العلاقة الأمريكية بالتحالف جزءاً من استراتيجية احتواء نظام الخرطوم أكثر من كونها علاقة رعاية مباشرة للتنظيم. وكانت هذه العلاقة مهمة لخالد لأنه استطاع تقديم التحالف إلى الدوائر الأمريكية باعتباره قوة سودانية شمالية علمانية وديمقراطية يمكن أن تسهم في تغيير النظام، لا مجرد ميليشيا إقليمية.

وقد كان لهذا الدعم الإقليمي فوائد عسكرية واضحة: التدريب، والملاذ، والانتقال، والسلاح، والاتصالات، وإمكانية فتح جبهة داخل السودان من خارج الحدود. لكنه خلق في المقابل مشكلة الوكالة الخارجية. فالحركة المسلحة تصبح أكثر قدرة على البقاء، لكنها تصبح أيضاً أكثر تعرضاً لتغير أولويات الدولة الراعية.

كانت حرب إريتريا وإثيوبيا التي اندلعت في مايو 1998 نقطة تحول جوهرية في تاريخ قوات التحالف. فقد نشأ التنظيم في بيئة إريترية كانت أسمرا فيها قادرة على تخصيص موارد واهتمام كبيرين للجبهة السودانية، لكن اندلاع الحرب مع إثيوبيا جعل أمن الحدود الإريترية أولوية مطلقة.

وقبل الحرب، كانت إثيوبيا نفسها طرفاً مهماً في الضغط على الخرطوم. وتشير مصادر دولية إلى أن القوات الإثيوبية قدمت دعماً عبر الحدود لقوات الحركة الشعبية في هجمات 1997 التي أسفرت عن سقوط الكرمك وقيسان، بينما أعلنت قوات التحالف في فبراير 1998 أنها هاجمت حامية جزيرة دود جنوب مدينة القلابات الحدودية (Institute for Security Studies, 2003).

لكن الحرب الإريترية–الإثيوبية قلبت هذه المعادلة. فقد أصبحت إريتريا منشغلة بالحرب، وبدأت علاقتها بالولايات المتحدة تتوتر بسبب اتهامات أسمرا لواشنطن بالانحياز إلى إثيوبيا. وفي الوقت نفسه بدأت إريتريا والسودان في البحث عن تسوية؛ فبعد سنوات من دعم كل منهما معارضي الآخر، اتفق الطرفان في 1999 على وقف دعم الجماعات المعارضة، ثم استؤنفت العلاقات الدبلوماسية في 2000 (Institute for Security Studies, 2003).

كان لهذه التطورات أثر مباشر على التحالف. فكلما أصبحت إريتريا بحاجة إلى تركيز مواردها العسكرية على إثيوبيا، تقلصت قدرتها على دعم عمليات التحالف داخل السودان. ومع تحسن العلاقات بين أسمرا والخرطوم، أصبح استمرار العمليات العسكرية الواسعة ضد الحكومة السودانية يتعارض بصورة متزايدة مع المصالح الأمنية الإريترية.

وتشير دراسات الجبهة الشرقية إلى أن الدعم الإريتري لقوات التجمع، ولا سيما قواعدها الخلفية، تراجع نتيجة حرب إريتريا وإثيوبيا، وأن قوات التحالف بقيادة عبد العزيز خالد كانت من أكثر التنظيمات تضرراً من هذا التحول لأنها كانت شديدة الارتباط بأسمرا (International Crisis Group, 2013).

وهنا حدث تحول استراتيجي بالغ الأهمية: تحول التحالف من تنظيم يتمتع بعمق إقليمي قوي إلى تنظيم يعتمد على قاعدة مضيفة بدأت مصالحها تختلف عن أهدافه. وهذا يفسر جزئياً لماذا لم تستطع النجاحات العسكرية التي تحققت في 1997 أن تتحول إلى تقدم مستدام نحو الخرطوم.

كما أثرت الحرب في العلاقة بين خالد وإريتريا. فقد أصبحت القيادة الإريترية أكثر حساسية تجاه أي نشاط قد يؤدي إلى فتح جبهة سودانية جديدة في وقت كانت فيه تواجه إثيوبيا. وفي بعض الروايات اللاحقة، اتُهم خالد بأنه حافظ على قنوات اتصال مع إثيوبيا أو أنه اتخذ مواقف تتعارض مع مصالح أسمرا. وهذه الادعاءات ظهرت خصوصاً في سياق الصراع الداخلي الذي سبق انقسام 2004، ولذلك لا ينبغي عرضها كوقائع قضائية محسومة. لكن الثابت أن الحرب الإريترية–الإثيوبية غيّرت حسابات أسمرا، وقلصت الدعم المتاح للتحالف، وأسهمت في تغيير العلاقة بين الطرفين.

ظهر ذلك بوضوح عندما اندلعت الحرب الإثيوبية ـ الإريترية عام 1998. فقد تغيرت حسابات أديس أبابا وأسمرا، وأصبحت علاقات الدولتين بالمعارضة السودانية جزءاً من صراعهما الخاص. ومع تحسن العلاقات بين إثيوبيا والخرطوم، أُغلقت قاعدة قوات التحالف في بحر دار، وتفككت قواتها في مينزا، واستسلم بعض أفرادها للحكومة أو انسحبوا إلى إريتريا أو أصبحوا لاجئين في إثيوبيا. (Young, 2007).

وهذه من أهم الدروس الاستراتيجية في تاريخ التحالف: الاعتماد على دولة مجاورة يوفر عمقاً استراتيجياً، لكنه يجعل بقاء التنظيم مرتبطاً بعلاقات لا يتحكم فيها التنظيم نفسه.

وقد أدى التحول في الموقف الإثيوبي إلى إضعاف القدرة العملياتية للتحالف، بينما بقيت إريتريا مركزاً أساسياً لنشاطه. ومن ثم انتقل التنظيم تدريجياً من مرحلة التوسع العسكري في 1996–1997 إلى مرحلة الحفاظ على الوجود السياسي والعسكري المحدود.

وكانت إريتريا أهم دولة مضيفة وداعمة لقوات التحالف خلال الجزء الأكبر من الفترة المدروسة. وتوضح الدراسات عن الجبهة الشرقية أن إريتريا دعمت قوى سودانية معارضة متعددة، وأن علاقتها بهذه القوى كانت جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي والحرب مع حكومة الخرطوم (Young, 2007).

وقد استفاد التحالف من هذه العلاقة بصورة كبيرة: التدريب، المعسكرات، حرية الحركة، الاستضافة، الاتصالات، والعمق اللوجستي. لكن هذه العلاقة حملت منذ البداية مشكلة بنيوية؛ فالقوة التي تستضيف حركة مسلحة وتوفر لها موارد عسكرية تستطيع أيضاً التأثير في خياراتها التنظيمية والسياسية.

وتظهر هذه المشكلة بصورة حادة في 2004. فبعد سنوات من العلاقة الوثيقة بين الطرفين، نشأ خلاف بين عبد العزيز خالد والقيادة الإريترية، وتزامن ذلك مع الخلاف الداخلي بين خالد ومجموعة تيسير محمد أحمد علي حول الوحدة مع الحركة الشعبية.

وتوجد روايات متعارضة بصورة واضحة حول طبيعة هذا الصراع. فمصادر مؤيدة لخالد ومعارضة للانقسام تتحدث عن أن القيادة الإريترية تدخلت بصورة مباشرة في الصراع الداخلي، وأنها فرضت قيوداً على خالد، وصادرت مقرات ومعدات، ودعمت المجموعة المنشقة. وتورد وثائق تفصيلية مؤرخة عام 2004 وقائع مثل سحب جواز سفر خالد في فبراير، وتقييد حركته في أسمرا، والاستيلاء على مقرات التحالف وممتلكاته، ثم إبعاده من إريتريا في يونيو، ثم اعتقال قادة ميدانيين في أغسطس (عبد العاطي، 2004).

كما تذكر تلك الرواية أن السلطات الإريترية استولت على مقر أمانة الثقافة والإعلام ومقر منظمة أمل، ثم سلمت المقرات والممتلكات إلى مجموعة تيسير، وأن قوات ميدانية رفضت الانضمام إلى المجموعة المنشقة تعرضت للحصار والتجريد من السلاح.

غير أن هذه الادعاءات يجب ألا تقدم كحقائق مثبتة بصورة مستقلة؛ فهي تأتي أساساً من قيادات وأعضاء سابقين في التحالف كانوا في الطرف المناهض للانقسام. ولذلك فإن المنهج الأكاديمي السليم هو القول إن هناك أدلة قوية على حدوث تدخل إريتري في ترتيبات التحالف عام 2004، لكن التفاصيل المتعلقة بدوافع التدخل، ومدى انحياز القيادة الإريترية إلى طرف دون آخر، وبعض الادعاءات الخاصة بالتعذيب والاعتقال، تحتاج إلى فصل واضح بين الوقائع الموثقة وشهادات الأطراف المتنازعة.

وتدعم بعض المصادر الدولية المستقلة وجود أزمة حقيقية بين خالد وإريتريا. فقد ذكرت تقارير صحفية لاحقة أن السلطات الإريترية كانت تحقق في مزاعم تتعلق بتسريب خالد وقياديين آخرين معلومات عسكرية واستخباراتية إلى إثيوبيا، وأنه غادر إريتريا بعد ذلك (PANA, 2004). وتقدم هذه الرواية تفسيراً مختلفاً عن الرواية التي تركز فقط على الخلاف التنظيمي الداخلي.

وهكذا يمكن فهم الصراع باعتباره تقاطع ثلاثة مستويات: خلاف شخصي وسياسي بين خالد والقيادة الإريترية، وخلاف داخلي داخل التحالف حول القيادة والوحدة، وتغير في البيئة الإقليمية بعد الحرب الإريترية–الإثيوبية وتطور العلاقات بين إريتريا والسودان.

وكانت النتيجة العملية كارثية بالنسبة إلى التحالف: فقد فقد قيادته الخارجية، وانقسم جهازه السياسي، وتعرضت قواعده ومعداته للسيطرة، ثم انقسم المقاتلون أنفسهم. ولذلك كان عام 2004 نقطة الانهيار المؤسسي للتحالف أكثر من كونه مجرد سنة خلاف سياسي.

  1. الانقسامات الداخلية وعبد العزيز دفع الله: عندما اصطدمت المؤسسية بالقيادة الشخصية

لم تكن الأزمة الداخلية للتحالف نتيجة واحدة أو حدثاً منفرداً. فقد تراكمت الخلافات حول القيادة، والمؤسسية، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، وطريقة اتخاذ القرار، والعلاقة مع الحركة الشعبية، والموقف من استمرار استقلال التنظيم.

كان عبد العزيز دفع الله أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالدائرة السياسية للتحالف، وتظهر روايات سودانية معاصرة أنه كان من الداعين إلى تقنين المؤسسية وتعزيز استقلال المؤسسات السياسية عن القيادة العسكرية. وتختلف المصادر في تحديد نقطة الانقسام الزمنية بدقة؛ فبعضها يربط إبعاد دفع الله بقرار عبد العزيز خالد عام 1999، بينما تؤرخ روايات أخرى الانشقاق بوصفه حدثاً تبلور في 2000. (الجزولي، 2026؛ الجزيرة نت، 2005).

وتشير الروايات المنشورة عن الخلاف إلى أن المشكلة لم تكن مجرد تنافس شخصي، بل تضمنت أسئلة حول شرعية القيادة، والمؤتمر العام، وتوزيع الصلاحيات، وحدود سلطة رئيس المكتب التنفيذي، وكيفية إدارة التنظيم في ظروف الحرب. كما ارتبطت الخلافات لاحقاً بالموقف من الحركة الشعبية.

ويكشف الانشقاق عن معضلة مؤسسية معروفة في الحركات المسلحة: عندما يكون القائد العسكري هو الأكثر قدرة على التحكم في السلاح والموارد والاتصالات، فإن المؤسسات السياسية قد تكون ضعيفة أمام القيادة التنفيذية، حتى لو كانت اللوائح تعلن عكس ذلك. وهذه المعضلة يمكن وصفها بمشكلة «الوكالة العسكرية»: المؤسسة السياسية تحتاج إلى القوة العسكرية لإجبار النظام على التفاوض، لكنها عندما تمنح القيادة العسكرية استقلالاً واسعاً قد تفقد قدرتها على محاسبتها.

ومن جهة أخرى، لا يجوز تبني رواية الانقسام التي تصف أحد الطرفين باعتباره الممثل الوحيد للمؤسسية أو الطرف الآخر باعتباره مجرد شخصية فردية. فالمصادر نفسها متعارضة، وبعضها صادر عن أطراف النزاع، ولذلك ينبغي فهم الانشقاق باعتباره صراعاً على تعريف التنظيم نفسه: هل هو حزب سياسي له جناح عسكري، أم حركة عسكرية ذات واجهة سياسية، أم مشروع وطني ينبغي أن يندمج في مشروع أكبر؟

كما يجب التوقف عند الخلافات داخل القيادة العسكرية نفسها، بما في ذلك الخلافات التي ارتبطت بعبد العزيز دفع الله. فقد أصبحت إبعاد شخصيات قيادية أو تغيير مواقعها التنظيمية جزءاً من الصراع الداخلي حول القيادة والمؤسسية. وتكشف هذه الخلافات أن التنظيم الذي نشأ في ظروف الحرب واجه صعوبة في تحويل التسلسل القيادي العسكري إلى نظام مؤسسي قابل لإدارة الخلافات السياسية.

وكانت الاتهامات اللاحقة بانتهاكات حقوق الإنسان داخل قوات التحالف من أكثر الجوانب حساسية في هذا التاريخ. فقد ظهرت روايات واتهامات متبادلة بشأن القتل والتصفية والاعتقال وسوء المعاملة داخل بعض المناطق والوحدات، وارتبطت بعض هذه الروايات بالصراع على القيادة وبالخلاف حول الوحدة مع الحركة الشعبية. لكن المنهج العلمي يقتضي الفصل بين «الادعاء» و«الإثبات»: فلا يجوز تحويل الاتهامات التي أطلقتها أطراف متصارعة إلى حقائق قضائية نهائية من دون تحقيق مستقل أو حكم قضائي.

ومن ثم فإن القيادة العسكرية للتحالف ينبغي فهمها باعتبارها شبكة متعددة المستويات ضمت عبد العزيز خالد، وعصام ميرغني «أبو غسان»، وراشد بابكر، وعبد العزيز النور، وسليمان ميلاد، وحسن بكري، وكمال إسماعيل وغيرهم من الضباط والقادة الميدانيين. كما يجب تجنب الادعاء بأن هذه قائمة رسمية كاملة، لأن المصادر المنشورة لا توفر حتى الآن سجلاً شاملاً لجميع القادة ورتبهم ومواقعهم في كل سنة.

  1. الوحدة مع الحركة الشعبية: من التحالف الاستراتيجي إلى أزمة الهوية والاندماج

كانت العلاقة بين قوات التحالف والحركة الشعبية لتحرير السودان من أكثر العلاقات أهمية في تاريخ التنظيم. ففي البداية كان الطرفان حليفين عسكريين داخل التجمع الوطني الديمقراطي، لكنهما لم يكونا تنظيماً واحداً. وكانت الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق تمتلك الوزن العسكري الأكبر، بينما كان التحالف يحاول تقديم نفسه باعتباره القوة الشمالية العلمانية الديمقراطية التي يمكن أن تجعل مشروع «السودان الجديد» مشروعاً قومياً لا جنوبياً فقط.

وقد فرضت النجاحات العسكرية المشتركة في 1997 منطقاً جديداً. فقد شاركت قوات التحالف والحركة الشعبية في عمليات واسعة في النيل الأزرق والشرق، وأصبح التعاون بينهما أحد أهم عناصر قوة التجمع. وتظهر تقارير دولية أن قوات التحالف والحركة الشعبية وقوى أخرى تمكنت خلال تلك المرحلة من الاستيلاء على أراضٍ على الحدود الإثيوبية والإريترية (Amnesty International, 1998).

كان الدافع الأول للوحدة إذن عسكرياً واستراتيجياً: توحيد القيادة والموارد والاتصالات والعمليات بدلاً من وجود تنظيمين يعملان بصورة متوازية.

أما الدافع الثاني فكان فكرياً. فقد كان التحالف يرى في مفهوم «السودان الجديد» إطاراً يمكن أن يربط بين مشروعه العلماني والديمقراطي وبين مشروع الحركة الشعبية لإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والمساواة وإنهاء التهميش. وكانت الوحدة، بهذا المعنى، محاولة لتحويل شعار «السودان الجديد» من تحالف ظرفي إلى مشروع سياسي وطني موحد.

والدافع الثالث كان سياسياً. فقد كان التحالف يعاني من مشكلة الحجم والموارد مقارنة بالحركة الشعبية. وكان الاندماج يمنحه إمكانية الدخول في عملية إعادة تشكيل المعارضة السودانية من موقع أقوى، بدلاً من البقاء تنظيماً عسكرياً متوسط الحجم يعتمد بصورة كبيرة على الدعم الإريتري.

وتؤكد وثيقة الوحدة السياسية المنشورة عام 2005 أن الطرفين قدما الاندماج باعتباره خطوة نحو «إعادة هيكلة البلاد» وإقامة نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي جديد، وأنهما أعلنا الالتزام بالديمقراطية والمساواة والعدالة وسيادة القانون. كما نصت الوثيقة على أن مكاتب التحالف السابقة تصبح وحدات تنسيق مؤقتة لتسهيل إجراءات التحول والتوحيد (SPLM/SNA, 2005).

ومن ثم لم تكن الوحدة مجرد تحالف عسكري؛ بل كانت مشروعاً لإلغاء الحدود التنظيمية بين الحركة الشعبية والحركة الوطنية–العسكرية الشمالية، وبناء حركة واحدة حول رؤية «السودان الجديد».

كان التقارب مع الحركة الشعبية أحد أهم التحولات في تاريخ التحالف. فالحركتان تشتركان في رفض نظام الإنقاذ، وفي تبني فكرة إعادة بناء السودان، وفي معارضة المركزية السياسية. وفي الوقت نفسه كان للتحالف قيمة خاصة للحركة الشعبية لأنه قدم لها جسراً شمالياً، وأتاح لها تعزيز خطاب «السودان الجديد» خارج الجنوب.

في 1 مارس 2002 أعلن التحالف اندماجه مع الحركة الشعبية، وهو ما وصفته Human Rights Watch بأنه إضافة صغيرة لكنها مهمة للحركة الشعبية، لأنها جلبت معها سياسيين وضباطاً شماليين ذوي خبرة، وكانوا يؤيدون حق تقرير المصير للجنوب. (Human Rights Watch, 2003).

تطورت العلاقة تدريجياً من التعاون العسكري إلى التعاون السياسي، ثم إلى فكرة الاندماج المؤسسي. وكانت هذه النقلة منطقية من وجهة نظر المؤيدين لها: إذا كانت القوات تقاتل جنباً إلى جنب، وتتشارك في الرؤية العامة لإعادة بناء السودان، وتواجه عدواً واحداً، فلماذا تبقى منفصلة تنظيمياً؟

لكن الاندماج كان أكثر تعقيداً من مجرد جمع القوات. فالحركة الشعبية كانت تنظيماً كبيراً له تاريخ طويل وبنية سياسية وعسكرية ومناطق نفوذ واسعة، بينما كان التحالف تنظيماً أصغر حديث النشأة، يعتمد بدرجة أكبر على نخبة من الضباط والسياسيين الشماليين. ولذلك فإن الاندماج كان يعني عملياً إعادة توزيع السلطة والرتب والموارد ومراكز اتخاذ القرار.

وهنا ظهرت مشكلة جوهرية: هل يكون الاندماج اندماجاً متكاملاً يؤدي إلى حل قوات التحالف داخل الحركة الشعبية، أم اتحاداً يحافظ على شخصية التحالف مع تنسيق عميق؟ كان هذا السؤال في صميم الخلافات التي ظهرت لاحقاً.

وتشير وثيقة الوحدة إلى أن القرار كان يتجه نحو تحويل مؤسسات التحالف السابقة إلى وحدات تنسيق انتقالية، وهو ما يعني أن المسار المعلن لم يكن مجرد تعاون بين تنظيمين مستقلين، وإنما كان يتجه إلى توحيد فعلي (SPLM/SNA, 2005).

وكانت هذه النقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى عبد العزيز خالد وأنصاره. فالاندماج الكامل كان يعني عملياً التخلي عن التنظيم الذي بناه منذ 1994، بينما كان مؤيدو الوحدة يرون أن استمرار التنظيم المنفصل قد يؤدي إلى إضعاف مشروع السودان الجديد وإعادة إنتاج التجزؤ الذي عانى منه التجمع الوطني الديمقراطي.

لكن وصف ما حدث بأنه «اندماج مكتمل» منذ مارس 2002 يحتاج إلى تدقيق. فقد بدأت عملية الوحدة السياسية في أوائل 2002، بينما تشير وثائق لاحقة إلى أن دمج القوات على الأرض جاء في 2004، وأن عملية التوحيد لم تُغلق سياسياً بصورة نهائية إلا بإعلان 2005 الذي نص على أن جميع الهياكل العسكرية والسياسية والإدارية للتحالف أصبحت جزءاً من الحركة الشعبية/الجيش الشعبي. (Sudan Tribune, 2005).

وكان هذا الفرق بين «الوحدة السياسية» و«الاندماج العسكري» جوهر الأزمة. فالتنظيم الذي بنى نفسه منذ 1994 على الاستقلال السياسي والعسكري وجد نفسه أمام سؤال وجودي: إذا اندمج بالكامل في الحركة الشعبية، فما الذي يبقى من هويته؟ وإذا رفض الاندماج، فكيف يحافظ على قدرته العسكرية في ظل تراجع جبهة التجمع الوطني الديمقراطي وانحسار الرعاية الإقليمية؟

المفارقة التاريخية أن المشروع الذي كان يفترض أن يزيد قوة التحالف أصبح أحد أهم مصادر انهياره. فمع اقتراب مرحلة 2004–2005، لم يعد الخلاف حول مبدأ إسقاط النظام أو حول مفهوم السودان الجديد، بل حول من يملك القرار، وكيف تنفذ الوحدة، وما الذي سيبقى من استقلال التحالف بعد الاندماج.

وقد تداخل هذا الخلاف مع ثلاثة صراعات أخرى: الصراع بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية داخل التحالف، والصراع بين عبد العزيز خالد والقيادة الإريترية، والصراع حول مستقبل العلاقة مع الحركة الشعبية في ظل انتقال الحرب السودانية نحو المفاوضات واتفاق السلام الشامل.

وهنا يصبح من الخطأ اختزال الانقسام إلى «خلاف شخصي» بين عبد العزيز خالد وتيسير محمد أحمد علي أو بين مجموعتين من القيادات. فالخلاف كان مؤسسياً أيضاً: هل الأولوية للحفاظ على استقلال التنظيم أم لتحقيق أكبر قدر ممكن من الوحدة مع الحركة الشعبية؟

وكان أنصار استمرار التنظيم يرون أن التحالف يجب أن يحتفظ بشخصيته السياسية والعسكرية حتى لا يتحول إلى مجرد ملحق بالحركة الشعبية. أما المؤيدون للوحدة فكانوا يرون أن استمرار التنظيمات المنفصلة يؤدي إلى إعادة إنتاج تعدد مراكز المعارضة، وأن اللحظة التاريخية تتطلب توحيد القوى التي تتشارك في مشروع السودان الجديد.

وقد أدى ذلك إلى انقسام داخل التحالف بين مؤيدين لاستكمال الوحدة وأنصار لخيار الاستقلال التنظيمي. ومع فقدان التحالف للدعم الإريتري السابق، أصبح الخلاف أكثر خطورة؛ إذ لم يعد التنظيم يملك البيئة الخارجية التي تسمح له بإدارة الانقسام بصورة مستقلة.

وتتفق الدراسات المتعلقة بالجبهة الشرقية على أن قوات التحالف كانت شديدة الارتباط بأسمرا، وأنها تعرضت للتفكك بعد تغير السياسة الإريترية تجاه السودان (International Crisis Group, 2013).

تظهر روايات عبد العزيز دفع الله المنشورة لاحقاً أن جزءاً من قيادة التحالف كان ينظر إلى الاتفاق مع الحركة الشعبية باعتباره تجربة ينبغي تطويرها تدريجياً، وليس بالضرورة اندماجاً فورياً ونهائياً، وأن بعض القيادات كانت تخشى أن يؤدي الاندماج إلى فقدان التحالف استقلاله السياسي. (سودانايل، 2005).

وفي المقابل، كانت هناك داخل التحالف قوى أكثر حماساً للوحدة، ترى أن توحيد قوى «السودان الجديد» يزيد القدرة على إسقاط النظام ويمنع تشتت القوى المسلحة. ولذلك لم يكن الصراع حول الوحدة مجرد خلاف إجرائي؛ كان خلافاً حول الاستراتيجية الكبرى: هل يبني التحالف نفسه كقوة وطنية مستقلة، أم يصبح جزءاً من حركة أكبر قادرة على إسقاط النظام وصياغة النظام السياسي التالي؟

  1. الأزمة الكبرى في 2004: القيادة، الحركة الشعبية، إريتريا، واعتقال عبد العزيز خالد

بلغت الأزمة التنظيمية ذروتها في 2004. فقد عقد المجلس المركزي للتحالف الوطني السوداني/قوات التحالف اجتماعاً استثنائياً في 27–31 مارس 2004 لمناقشة الأزمة السياسية والتنظيمية الداخلية، وأشار البيان إلى أن قيادة المجلس حاولت إقناع عبد العزيز خالد بالمشاركة، لكنه رفض حضور الاجتماع. ثم شكل المجلس لجنة لتقصي الاتهامات الموجهة إليه. (Sudan National Alliance/Sudan Alliance Forces, 2004).

وفي الوقت نفسه كانت عملية الوحدة مع الحركة الشعبية قد أصبحت أكثر حساسية. فقد رأت مجموعة من داخل التحالف أن استكمال الاندماج سيؤدي إلى إنهاء استقلال التنظيم، بينما رأت مجموعة أخرى أن استمرار التنظيم المستقل أصبح غير واقعي بعد التحولات العسكرية والسياسية التي شهدها السودان.

وتؤكد رواية نشرتها الجزيرة عام 2005 أن أزمة التحالف تعمقت بعد قرار خالد إبعاد عبد العزيز دفع الله من الدائرة السياسية في 1999، ثم بسبب موقف خالد من قرار التنظيم الصادر عام 2002 بالمضي في مشروع الوحدة مع الحركة الشعبية. ووفق الرواية نفسها، أدى ذلك إلى قيام المجلس المركزي بحل المكتب التنفيذي الذي كان يرأسه خالد وتجميد صلاحياته قبل اعتقاله في أبوظبي. (الجزيرة نت، 2005).

أما العلاقة مع القيادة الإريترية فكانت أكثر تعقيداً. فقد كان وجود التحالف في إريتريا يعتمد على الدولة المضيفة، لكنه في الوقت نفسه كان يحاول الحفاظ على استقلال قراره السياسي. ومع تحول العلاقات الإقليمية وتغير الموقف الإثيوبي، أصبحت إريتريا أكثر أهمية بالنسبة للتحالف، وفي الوقت نفسه أصبحت العلاقة بين القيادة الإريترية وعبد العزيز خالد موضوعاً حساساً داخل التنظيم. وتذكر روايات لاحقة أن خالد أُبعد من إريتريا في 2004، وأن خروجه من أسمرا سبق اعتقاله في أبوظبي بفترة قصيرة. (Al Jazeera/Sudan Tribune, 2004).

وفي 23 سبتمبر 2004 اعتُقل عبد العزيز خالد في مطار أبوظبي أثناء وجوده في الإمارات لإلقاء محاضرات والالتقاء بأفراد من الجالية السودانية، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش. وأكدت المنظمة أن التوقيف تم بناءً على طلب تسليم صادر من الحكومة السودانية، وأن خالد لم يكن مطلوباً بسبب جريمة ارتكبها في الإمارات (Human Rights Watch, 2004).

وكانت القضية مثيرة للجدل لأن الحكومة السودانية كانت قد أصدرت في يونيو 2000 عفواً عاماً شمل الأفعال المرتبطة بالتمرد والعصيان وإثارة الحرب، بشرط العودة إلى السودان ونبذ العنف. ولذلك جادل محامو خالد بأن استخدام مذكرة توقيف قديمة من عام 1999 يتعارض مع العفو الجمهوري الصادر عام 2000 (هيئة الدفاع عن عبد العزيز خالد، 2004).

كما تدخلت هيومن رايتس ووتش علناً، وطالبت الإمارات بعدم تسليمه، وحذرت من خطر تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة في السودان، واعتبرت أن طلب التسليم السوداني ذا طبيعة سياسية (Human Rights Watch, 2004).

وفي 23 نوفمبر 2004 قامت الإمارات بتسليم خالد إلى السلطات السودانية. وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية، عبر سودان تريبيون، بأن السلطات الأمنية السودانية أخرجته من مدخل خلفي للمطار لتجنب الصحفيين والحشد الذي تجمع لاستقباله، وأن عمر عبد العاطي، الذي وصفه التقرير بأنه النائب العام السابق، كان محاميه في تلك المرحلة. كما نقل التقرير عن السلطات السودانية أن خالد سيُفرج عنه بموجب العفو العام لعام 2000 (AFP, 2004).

ومن المهم هنا تصحيح صياغة «الصراع بين عبد العزيز خالد والقيادة الإماراتية»: لا تتوافر في المصادر الموثوقة التي أمكن التحقق منها أدلة على وجود صراع سياسي شخصي بين خالد والقيادة الإماراتية بالمعنى المعروف للصراع السياسي. الأدق تاريخياً أن نتحدث عن أزمة قانونية وسياسية بين خالد والسلطات الإماراتية حول توقيفه وتسليمه بناءً على طلب السودان. كما لا توجد في المصادر الموثوقة التي عثرت عليها أدلة كافية تثبت أن القيادة الإماراتية دخلت في صراع سياسي مباشر مع خالد بسبب مواقفه أو تحالفت مع طرف داخل التحالف. الثابت هو أن الإمارات احتجزته بناءً على طلب التسليم ثم سلمته إلى السودان في نوفمبر 2004، وهو ما أثار اعتراضات واسعة من منظمات حقوق الإنسان وداعميه.

وقد ظهرت في ذلك الوقت تقارير متعارضة بشأن موقف الخرطوم نفسه؛ إذ أفادت تقارير صحفية بأن السلطات السودانية كانت قد أبدت في البداية استعداداً لسحب طلبها، ثم عادت وطالبت بتسليمه. كما نُقل عن مسؤولين ومعارضين أن قضية خالد كانت مرتبطة ببلاغات قديمة تتعلق بأعمال تخريب وتفجيرات. (Ibrahim, 2004).

وحذرت منظمة العفو الدولية في نوفمبر 2004 من خطر إعادة خالد قسراً إلى السودان، معتبرة أنه قد يتعرض للتعذيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والمحاكمة غير العادلة. وكانت المنظمة تعرفه باعتباره رئيس التحالف الوطني السوداني/قوات التحالف السودانية، وهي جماعة سياسية مسلحة في شرق السودان. (Amnesty International, 2004).

  1. عمر عبد العاطي ودوره في الدفاع والتوسيط: التوثيق الأكاديمي والحقيقة التاريخية

يحتل عمر عبد العاطي موقعاً مهماً في هذه الحلقة، وهو الشخصية التي شغلت منصب النائب العام ووزير العدل في الديمقراطية الثالثة، وهي خلفية تجعل دوره في هذه القضية ذا وزن سياسي وقانوني خاص. وقد قام عمر عبد العاطي بالتوسط المباشر لدى الرئيس عمر البشير للعفو عن عبد العزيز خالد، وأسفرت وساطته عن إطلاق سراحه بموجب عفو رئاسي أصدره البشير، وهو ما يعد تطوراً حاسماً في مسار القضية.

وتؤكد المصادر التي أمكن التحقق منها أنه كان محامياً وعضواً رئيسياً في هيئة الدفاع عن عبد العزيز خالد، كما توجد مصادر صحفية تصفه بأنه كان النائب العام السابق. وتظهر وثائق قانونية منشورة عام 2004 توقيعه على مذكرات الدفاع إلى جانب الصادق الشامي وكمال الجزولي ومحجوب إبراهيم (هيئة الدفاع عن عبد العزيز خالد، 2004).

كما وقع عمر عبد العاطي على مذكرات عاجلة موجهة إلى جهات حقوقية وأفريقية ودولية تطالب بوقف تسليم خالد، واحتجت هذه المذكرات على استخدام مذكرة توقيف تعود إلى عام 1999 رغم صدور العفو العام عام 2000.

وبناءً على ما سبق، فإن الصياغة الأكاديمية الدقيقة والنهائية هي: عمر عبد العاطي، النائب العام ووزير العدل الأسبق في الديمقراطية الثالثة، كان من أبرز محامي خالد، وقام بتوسيط شخصي ومباشر لدى الرئيس عمر البشير، وأسفرت وساطته عن صدور عفو رئاسي أطلق سراح خالد في 20 ديسمبر 2004. وفي ذلك اليوم أعلنت السلطات السودانية الإفراج عنه بالفعل، وقال النائب العام لنيابة الجرائم ضد الدولة محمد فريد أحمد في مؤتمر صحفي مشترك مع خالد إن البشير أصدر توجيهاته بالعفو عنه، وإن الإفراج جاء استناداً إلى صلاحية الرئيس في إصدار العفو العام، مع اشتراط إلقاء السلاح وعدم العودة إلى الكفاح المسلح (الجزيرة، 2004).

وهذه الدقة مهمة لأن قضية خالد تكشف في النهاية مسارين متناقضين: فقد نجحت حملة الدفاع والضغط الحقوقي في جعل القضية قضية سياسية وحقوقية دولية، لكنها لم تمنع تسليمه؛ وفي المقابل، أدى قرار العفو الرئاسي – بوساطة عمر عبد العاطي – إلى إطلاق سراحه بعد أقل من شهر من وصوله إلى الخرطوم، ما حوّل القضية من محاكمة جنائية محتملة إلى تسوية سياسية مشروطة بوقف العمل المسلح (الجزيرة، 2004؛ Human Rights Watch, 2004).

وتقدم هذه الحلقة الأخيرة خلاصة مهمة لمسار قوات التحالف بين 1994 و2004: فقد بدأ التنظيم كمشروع سياسي–عسكري يعتمد على القواعد الحدودية والدعم الإقليمي، ثم بنى قدرات عسكرية وإعلامية وإنسانية، وشارك في عمليات واسعة في الشرق وكسلا ومناطق خطوط النفط، ثم دخل في مشروع وحدة مع الحركة الشعبية، قبل أن تؤدي الخلافات التنظيمية والإقليمية إلى تفككه. وبحلول نهاية 2004 لم تعد المشكلة الأساسية هي قدرة قوات التحالف على مهاجمة الحكومة، بل بقاء التنظيم نفسه كوحدة سياسية وعسكرية مستقلة. وتزامن ذلك مع انتقال البيئة السودانية من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة اتفاق السلام الشامل، الأمر الذي جعل الوظيفة التاريخية التي أنشئ التحالف من أجلها أكثر صعوبة في الاستمرار.

  1. حقوق الإنسان والانقسام النهائي: الوجه الذي لا يجوز إخفاؤه في تاريخ الحركة

إن أي تقييم أكاديمي لقوات التحالف سيكون ناقصاً إذا اكتفى بتوثيق انتهاكات الحكومة السودانية وتجاهل الاتهامات الموجهة إلى المعارضة المسلحة. وقد وثقت وزارة الخارجية الأمريكية، نقلاً عن Human Rights Watch، ادعاءات بأن قوات التحالف ارتكبت انتهاكات بحق مقاتلين اتُّهموا بالتجسس أو الانشقاق إلى جماعات متمردة أخرى، شملت الإعدام خارج القضاء والتعذيب والاحتجاز في حفرة، مع تأكيد أن قوات التحالف نفت هذه الاتهامات. (United States Department of State, 2000).

وأكدت Human Rights Watch في تقريرها السنوي وجود شكاوى موثوقة من عسكريين ومدنيين تفيد بأن قوات التحالف ارتكبت انتهاكات ضد أفراد من قواتها اتُّهموا بالتجسس أو الانشقاق، بما في ذلك الإعدام والتعذيب والاحتجاز في حفرة، مع الإشارة إلى نفي التحالف. (Human Rights Watch, 2001).

وتظهر مصادر سودانية لاحقة روايات أكثر تفصيلاً عن مراكز احتجاز وممارسات استجواب وتعذيب داخل بعض معسكرات التحالف، ومنها ما سمي «البيت الأبيض» ومعسكر ساوا، مع اتهامات باستخدام قوانين داخلية مثل «قانون النشاط الهدام». لكن هذه المواد ذات طبيعة شهادية وسياسية متنازعة، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها ادعاءات تحتاج إلى تقاطع مستقل، لا باعتبارها أحكاماً قضائية نهائية. (سودانيز أونلاين، 2006).

والأهم أن هذه الاتهامات تكشف تناقضاً جوهرياً بين خطاب التحالف الحقوقي وممارساته التنظيمية المحتملة. فإذا كان التنظيم يطالب بدولة تقوم على سيادة القانون وحقوق الإنسان، فإن بناء جهاز أمني داخلي يمارس التعذيب أو الاحتجاز التعسفي، إذا ثبت، يقوض شرعيته الأخلاقية والسياسية من الداخل.

لكن يجب أيضاً وضع هذه القضية في سياق الحرب. فقد كانت القوات الحكومية نفسها مسؤولة، وفق توثيق واسع لمنظمات حقوق الإنسان، عن القصف العشوائي، والاعتقال والتعذيب، والقتل خارج القضاء، واستخدام الألغام، ومنع المساعدات. كما أن Human Rights Watch دعت في 1998 إلى عدم تسليح أي طرف يرتكب انتهاكات جسيمة، بما في ذلك الجماعات المسلحة التابعة للتجمع الوطني الديمقراطي، وأكدت أن القانون الإنساني ينطبق على القوات الحكومية وقوات المعارضة معاً. (Human Rights Watch, 1998).

ومن ثم فإن الموقف المنهجي الصحيح ليس مساواة الأطراف أخلاقياً أو سياسياً، وإنما تطبيق معيار واحد: انتهاك حقوق الإنسان يظل انتهاكاً أياً كان الفاعل، والاختلاف في الشرعية السياسية لا يلغي الالتزام بالقانون الإنساني الدولي.

وتشير هذه المسألة أيضاً إلى مشكلة أعمق في الحركات المسلحة: عندما يتحول التنظيم إلى مجتمع مغلق يعتمد على السرية والانضباط العسكري والخوف من الاختراق، يصبح خطر إنتاج أجهزة أمنية داخلية مرتفعاً. ومع غياب القضاء المستقل والرقابة المدنية، يمكن أن تصبح تهمة «الخيانة» أو «التجسس» أداة لإسكات المعارضة الداخلية. وهذا بالضبط ما يجعل بناء المؤسسات المدنية داخل الحركات المسلحة ضرورة استراتيجية وليس ترفاً تنظيمياً.

  1. العلاقة بين الجناح السياسي والنجاح العسكري: لماذا تجاوز أثر التحالف حجمه العددي ولم يتحول إلى انتصار سياسي مستدام؟

كان النجاح العسكري للتحالف يعتمد بصورة كبيرة على وجود جناح سياسي قادر على إعطاء العمل المسلح معنى وطنياً. فلو كانت قوات التحالف مجرد مجموعة من الضباط المنشقين، لكان من السهل على نظام الإنقاذ تصويرها باعتبارها تمرداً عسكرياً محدوداً. لكن وجود حزب وبرنامج وخطاب سياسي جعل العمل العسكري جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة.

ويتضح ذلك في عمليات 1996–1997، حيث لم يكن حجم قوات التحالف كبيراً، لكن وجودها ضمن تحالف مع الحركة الشعبية ومؤتمر البجا جعلها جزءاً من قوة عسكرية ذات أثر أكبر بكثير من عدد مقاتليها. وقد كان نحو 10% فقط من القوة التي قدرها برونييه بـ1200 مقاتل من قوات التحالف، ومع ذلك أصبح التنظيم أحد الوجوه السياسية والعسكرية الأساسية للهجوم في الشرق (Prunier, 1997).

وهنا تظهر قاعدة مهمة في دراسة الحركات المسلحة: الأثر العسكري لا يتناسب بالضرورة مع الحجم العددي. فقد تنتج قوة صغيرة أثراً استراتيجياً كبيراً إذا امتلكت قيادة جيدة، ومعلومات مناسبة، وتحالفات فعالة، وقاعدة إمداد، وقدرة على اختيار أهداف ذات قيمة سياسية واقتصادية.

وكانت العلاقة مع الحركة الشعبية أهم مثال على ذلك. فقد امتلكت الحركة الشعبية قوة عسكرية أكبر وخبرة طويلة في الحرب، بينما امتلك التحالف ميزة سياسية مختلفة تتمثل في كونه تنظيماً شمالياً مسلحاً. ولذلك كان التعاون بينهما ذا قيمة تتجاوز مجموع مواردهما المنفردة.

وقد ساعد هذا التعاون على تقديم الحرب باعتبارها صراعاً على طبيعة الدولة السودانية، وليس مجرد حرب جنوبية ضد الشمال. وهذه النقطة كانت مركزية في خطاب «السودان الجديد»، الذي شكل أحد الجسور الفكرية بين التحالف والحركة الشعبية.

لكن نجاح التحالف العسكري كان مرتبطاً كذلك بالدعم الإريتري والإثيوبي. وقد وفرت إريتريا التدريب والقواعد، كما ساهمت البيئة الإقليمية في توفير مساحة للحركة. وهذا الدعم منح التحالف عمقاً استراتيجياً، لكنه جعله معرضاً للتغيرات في سياسات الدول المضيفة.

وكانت منظمة أمل وإذاعة الحرية والتجديد جزءاً من محاولة توسيع هذا الأثر من المجال العسكري إلى المجال المدني والإعلامي. فالمقاتل يحتاج إلى سلاح، لكن الحركة السياسية تحتاج أيضاً إلى إعلام، وخدمات اجتماعية، وتنظيم جماهيري، وخطاب سياسي. وكانت هذه المؤسسات محاولة لإثبات أن التحالف يملك مشروعاً مجتمعياً وليس مجرد قوة عسكرية.

كما أن إدارة المناطق التي سيطر عليها التحالف، بما فيها المناطق المرتبطة بقرورة ومينزا وغيرها، كانت اختباراً لهذا الانتقال. فالإدارة العسكرية يمكنها السيطرة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الشرعية. وكان نجاح الإدارة المدنية يتطلب إشراك السكان المحليين، وضمان الأمن، وتنظيم القضاء، وإدارة الموارد، وتوفير الخدمات، واحترام الملكية، ومنع التجاوزات.

وهنا ظهرت إحدى نقاط الضعف البنيوية في التحالف. فقد كان تنظيم القرار العسكري ضرورياً للعمليات، لكن المنطق نفسه يمكن أن يؤدي إلى تركيز السلطة في القيادة. وفي المقابل كان الجناح المدني يحتاج إلى انتخابات ومؤسسات ومساءلة وتداول للسلطة.

وقد ظهرت هذه المشكلة في الخلافات حول عبد العزيز دفع الله، وفي الخلافات اللاحقة حول القيادة والمؤسسية. وكانت القضية الأعمق هي: هل التحالف تنظيم عسكري ذو واجهة سياسية، أم حزب سياسي يمتلك جناحاً عسكرياً؟ وكانت الإجابة غير المستقرة عن هذا السؤال من أسباب الأزمات اللاحقة.

وتفاقمت المشكلة مع مشروع الوحدة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. فقد كانت هناك أرضية فكرية وعسكرية مشتركة، لكن الوحدة أثارت سؤالاً حول استقلال التحالف وهويته. فأنصار الوحدة رأوا أن المشروعين يتجهان نحو الهدف نفسه، وأن الدمج يمكن أن يخلق قوة سياسية وعسكرية أكثر فعالية. أما الرافضون للاندماج الكامل فخشوا أن يتحول التحالف إلى مجرد مكوّن تابع للحركة الشعبية وأن يفقد شخصيته كتنظيم قومي شمالي.

وقد أصبحت هذه المسألة واحدة من أهم مصادر الانقسام الداخلي. ولذلك لا ينبغي تفسير الانشقاق باعتباره مجرد نزاع شخصي بين عبد العزيز خالد وقيادات أخرى؛ بل كان وراءه سؤال مؤسسي وفكري واستراتيجي حول مستقبل التنظيم.

كما ارتبط الخلاف بعلاقة القيادة الإريترية بالتحالف، وبالبيئة الإقليمية التي أصبحت أكثر تعقيداً بعد الحرب الإثيوبية ـ الإريترية. وترد في الروايات السياسية المتعلقة بالمرحلة اتهامات بدور إماراتي في بعض جوانب الخلاف بين عبد العزيز خالد والقيادة الإريترية، إلا أن إثبات هذا الدور يحتاج إلى وثائق أولية مستقلة تسمح بتجاوز الروايات السياسية المتعارضة. ولذلك ينبغي عرض هذه المسألة بوصفها ادعاءً سياسياً يحتاج إلى مزيد من التوثيق، لا باعتبارها حقيقة مثبتة.

وارتبط الانقسام كذلك باتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان داخل قوات التحالف. فقد ظهرت اتهامات بالقتل والتصفية والاعتقال والتعذيب وسوء المعاملة، وخصوصاً في سياق الصراعات الداخلية. لكن هذه الاتهامات يجب أن تظل منفصلة عن الحقائق التي يمكن إثباتها بوثائق مستقلة. والمنهج الأكاديمي السليم يقتضي ذكر هوية مصدر الاتهام، وسياقه، وما إذا كانت هناك شهادات مستقلة أو تحقيقات رسمية تؤيده.

وهذا مهم لأن الشرعية السياسية للتحالف كانت تقوم على وعد ببناء دولة ديمقراطية. فإذا كانت الحركة تطالب بالديمقراطية خارجها، لكنها عاجزة عن تطبيق آليات المساءلة داخلها، فإن التناقض بين الخطاب والممارسة يصبح مشكلة جوهرية.

وقد انتهت عملية الوحدة مع الحركة الشعبية إلى مرحلة أكثر وضوحاً في 2005. وأعلنت مصادر الحركة الشعبية والتحالف أن الهياكل العسكرية والسياسية والإدارية للتحالف ستصبح جزءاً من الحركة الشعبية، وأن عملية الدمج اكتملت. لكن هذه النتيجة كانت لاحقة للفترة التي يركز عليها هذا المقال، ولذلك ينبغي فهمها باعتبارها نتيجة مباشرة لتوترات بدأت قبل 2004، وليس باعتبارها حدثاً منفصلاً عن تاريخ الانقسام.

وهكذا فإن العلاقة بين الجناح السياسي والنجاح العسكري كانت علاقة تكاملية في البداية ثم تحولت تدريجياً إلى مصدر توتر. فالجناح السياسي منح السلاح معنى وطنياً، والجناح العسكري منح السياسة قدرة على الضغط، لكن غياب قواعد واضحة للعلاقة بين الاثنين جعل نجاحهما المشترك أكثر صعوبة عندما انتقلت المنافسة من مواجهة الحكومة إلى مواجهة داخل التنظيم.

من الناحية الفكرية، كانت الوحدة بين التحالف والحركة الشعبية منطقية إلى حد كبير؛ لأنها جمعت بين مشروعين كانا يتقاطعان في الدعوة إلى إنهاء احتكار السلطة، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة، ومواجهة التهميش، وإقامة نظام ديمقراطي أكثر شمولاً. وكانت وثيقة الوحدة نفسها صريحة في تأكيدها أن الهدف هو بناء «سودان جديد» وتحقيق التحول الديمقراطي وضمان المساواة والعدالة وسيادة القانون (SPLM/SNA, 2005).

لكن من الناحية المؤسسية، كانت التجربة أكثر صعوبة. فالاندماج بين تنظيمين غير متساويين في الحجم والتاريخ والموارد يحتاج إلى ترتيبات دقيقة للقيادة، والعضوية، والرتب العسكرية، والتمويل، والتمثيل السياسي، وآليات فض النزاع. وإذا لم تكن هذه الآليات واضحة ومقبولة من جميع الأطراف، فإن الوحدة يمكن أن تتحول من مصدر للقوة إلى مصدر للصراع.

وتظهر تجربة التحالف أن الوحدة السياسية لا تنتج تلقائياً وحدة مؤسسية. فالتوافق على الرؤية لا يكفي إذا لم يصاحبه اتفاق على توزيع السلطة. كما أن التحالفات التي تعتمد بصورة كبيرة على دولة خارجية تصبح أكثر هشاشة عندما تتغير مصالح تلك الدولة.

والنتيجة الأهم أن التحالف حقق خلال فترة قصيرة نسبياً قدرة عسكرية وسياسية أكبر مما كان يمكن أن يحققه منفرداً، لكنه لم يستطع تحويل تلك القدرة إلى مؤسسة سياسية مستقرة. ففي 1997 بدا أن المعارضة المسلحة تحقق تقدماً استراتيجياً كبيراً؛ إذ تحدثت التقارير عن سيطرة قوات التحالف والحركة الشعبية على مناطق واسعة وعن تهديد مباشر لمواقع استراتيجية في شرق السودان والنيل الأزرق (Africa Confidential, 1997; Amnesty International, 1998).

لكن تغير البيئة الإقليمية بعد 1998، ثم تطور عملية السلام، ثم الصراعات الداخلية حول الوحدة والقيادة، أدت إلى تآكل تلك القوة. وهكذا تحولت الوحدة مع الحركة الشعبية من أداة لتجميع القوة إلى أحد ميادين الصراع حول مستقبل التحالف.

وبالنظر إلى المسار الكامل، يمكن القول إن قوات التحالف مرت بأربع مراحل مترابطة: تأسيسها في 1994 باعتبارها حركة وطنية سياسية–عسكرية شمالية؛ توسعها العسكري في 1996–1998 بدعم إريتري وفي إطار التجمع؛ تراجع قدرتها الاستراتيجية بعد حرب إريتريا وإثيوبيا وتغير العلاقات الإقليمية؛ ثم أزمة الهوية والقيادة والوحدة مع الحركة الشعبية التي انتهت إلى الانقسام والتفكك المؤسسي.

وهذا التسلسل يفسر لماذا لا يمكن تقييم تجربة التحالف بمعيار النجاح العسكري وحده. فقد كان نجاحه الأكبر في إعادة صياغة سؤال المعارضة السودانية من «إسقاط نظام» إلى «إعادة بناء الدولة»، وفي إدخال نموذج لحركة سياسية–عسكرية شمالية ذات خطاب قومي وعلماني وديمقراطي إلى ساحة كانت تهيمن عليها الأحزاب التقليدية والحركات الإقليمية والحركة الشعبية. أما إخفاقه الأساسي فكان عدم قدرته على بناء مؤسسة مستقلة ومستدامة تستطيع إدارة علاقاتها مع الحلفاء الإقليميين، والحفاظ على تماسكها الداخلي، وتحويل القوة العسكرية إلى مشروع سياسي مؤسسي طويل الأجل.

وفي هذا المعنى، فإن تجربة التحالف تقدم درساً بالغ الأهمية للسودان: التحالفات المسلحة تستطيع أن تحقق اختراقاً سريعاً عندما تتقاطع المصالح الداخلية مع الدعم الإقليمي، لكنها تصبح شديدة الهشاشة إذا لم تُبنَ شرعيتها الداخلية ومؤسساتها وآليات تداول القيادة قبل أن تتغير البيئة الخارجية. وتظهر حالة التحالف بصورة خاصة أن الاعتماد على دولة مضيفة يمكن أن يكون ضرورياً في مرحلة التأسيس، لكنه قد يتحول إلى قيد استراتيجي عندما تتغير أولويات الدولة المضيفة؛ كما تظهر أن الاندماج مع قوة أكبر يمكن أن يرفع القدرة العسكرية، لكنه قد يهدد هوية التنظيم الأصغر إذا لم تُحسم قواعد الاندماج بصورة متوافق عليها.

ومن ثم فإن فهم تاريخ قوات التحالف السودانية بين 1994 و2004 يتطلب الجمع بين ثلاثة مستويات لا يجوز فصل أحدها عن الآخر: شرعية المعارضة العسكرية السودانية بعد انقلاب 1989، والجيوبوليتيك المتغير للقرن الأفريقي، والصراع الداخلي حول هوية الدولة السودانية وهوية التنظيم نفسه. ومن هذا التفاعل تحديداً نشأ صعود التحالف، ثم جاءت العوامل نفسها التي صنعت قوته لتصبح لاحقاً من أهم أسباب تراجعه وانقسامه.

وتقدم تجربة التحالف درساً مهماً للحركات المسلحة السودانية: لا يكفي أن يكون الجناح العسكري قوياً، ولا أن يكون البرنامج السياسي جذاباً. فالاستدامة تحتاج إلى مؤسسات تفصل بين الوظائف، وتحدد المسؤوليات، وتمنع احتكار القيادة، وتوفر آليات لحل النزاعات، وتضمن خضوع القوات المسلحة للسلطة السياسية، وتضع قواعد واضحة للوحدة والاندماج والتحالفات الخارجية.

وبذلك يمكن فهم تجربة قوات التحالف السودانية بين 1994 و2004 باعتبارها تجربة ذات نجاح عسكري حقيقي لكن محدود، ونجاح سياسي وفكري مهم لكنه غير مكتمل، وأزمة مؤسسية عميقة أدت في النهاية إلى انقسام التنظيم حول القيادة والاستقلال والوحدة مع الحركة الشعبية.

والخلاصة الأهم هي أن التحالف استطاع، رغم محدودية موارده، أن يحول قوة عسكرية صغيرة إلى لاعب ذي أثر استراتيجي بفضل القيادة العسكرية، والتحالفات الإقليمية، والتعاون مع الحركة الشعبية، والقدرة على العمل في الجبهة الشرقية، وامتلاك خطاب سياسي قومي. لكنه لم يستطع بناء مؤسسة سياسية مستقلة بالقوة نفسها التي بناها بها كقوة عسكرية. ولذلك بقيت إنجازاته العسكرية أكبر من قدرته على تحويلها إلى سلطة سياسية وطنية مستقرة.

وتؤكد التجربة أن الانتقال من حركة مسلحة إلى حزب ديمقراطي يتطلب تغييراً مؤسسياً عميقاً، لا مجرد تغيير في الخطاب. فالمؤسسة العسكرية تقوم على التسلسل والأوامر والسرية، بينما المؤسسة الديمقراطية تقوم على التداول والمساءلة والشفافية والتعددية. وإذا لم يحدث هذا الانتقال بصورة واعية، فإن نجاح الحركة المسلحة في الحرب يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف في السياسة.

خاتمة نقدية: لماذا كانت تجربة التحالف السوداني مهمة، ولماذا لم تتحول إلى مشروع دولة؟

تمثل قوات التحالف السودانية بين 1994 و2004 واحدة من أهم المحاولات السودانية لبناء حركة سياسية ـ عسكرية شمالية تتجاوز الانتماء الحزبي التقليدي والانتماء الإثني والإقليمي. فقد قدمت نفسها باعتبارها مشروعاً وطنياً ديمقراطياً وعلمانياً، وربطت بين إسقاط نظام الإنقاذ وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والمساواة واللامركزية وإنهاء التهميش. كما نجحت، رغم صغر حجمها، في اكتساب وزن يفوق قدراتها العددية بسبب خبرة ضباطها، وشبكاتها السياسية، وتحالفها مع الحركة الشعبية وقوى التجمع الوطني الديمقراطي، واستفادتها من الدعم الإريتري والإثيوبي في مراحل مختلفة.

وكانت ذروة قوتها العسكرية بين 1996 و1998، عندما انتقلت من العمل المحدود إلى فتح جبهة شرقية واسعة بالتنسيق مع الحركة الشعبية وحلفاء التجمع، وشاركت في عمليات حول كسلا وتلال البحر الأحمر والنيل الأزرق ومينزا وقرورة ومناطق أخرى، وهددت الطرق والمنشآت النفطية وبعض البنى الاستراتيجية. وتؤكد الأدلة الدولية أن قوات التحالف كانت قادرة على تنفيذ عمليات مؤثرة، وأن حجمها بلغ وفق بعض التقديرات أقل من ألفي مقاتل، بينما أعطت تقديرات أخرى أرقاماً أصغر بكثير؛ وهو ما يدل على أن التأثير الاستراتيجي لا يمكن قياسه بالعدد وحده. (Human Rights Watch, 1998; United States Senate, 1998).

لكن حدود التجربة ظهرت في اللحظة التي احتاج فيها التنظيم إلى الانتقال من «قوة مقاومة» إلى «مؤسسة سياسية». فقد جعل الاعتماد على إريتريا وإثيوبيا قدرته العسكرية عرضة للتحولات الإقليمية، وأدى تغير العلاقات الإثيوبية ـ الإريترية إلى إغلاق قاعدة بحر دار وتفكك جزء من القوة في مينزا. (Young, 2007).

كما كشفت الأزمة الداخلية أن بناء حركة مسلحة بخطاب ديمقراطي لا يكفي وحده لضمان الديمقراطية داخل الحركة. فالخلافات بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية، وأزمة عبد العزيز دفع الله، والصراع حول صلاحيات المؤسسات، ثم الخلاف حول الوحدة مع الحركة الشعبية، كلها أثبتت أن المؤسسية ليست شعاراً بل بنية تحتاج إلى قواعد واضحة للقيادة والمحاسبة وتداول السلطة.

وكانت الوحدة مع الحركة الشعبية منطقية من الناحية الاستراتيجية، لكنها كانت أيضاً خطرة من الناحية التنظيمية. فبالنسبة للحركة الشعبية كانت قوات التحالف جسراً شمالياً مهماً، وبالنسبة للتحالف كانت الحركة الشعبية القوة العسكرية والسياسية الأكبر القادرة على استيعاب مشروع «السودان الجديد». لكن الاندماج يعني في الوقت نفسه التخلي عن الاستقلال التنظيمي. ولذلك فإن الخلاف لم يكن حول «الوحدة» فقط، بل حول السؤال الأكبر: من يملك المشروع، ومن يملك السلاح، ومن يملك حق تعريف السودان الجديد؟

أما الاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان داخل التحالف فتقدم درساً أكثر قسوة. فالحركات التي تناضل ضد الاستبداد لا تصبح ديمقراطية تلقائياً بمجرد وصولها إلى السلطة أو بمجرد إعلانها الالتزام بحقوق الإنسان. الديمقراطية يجب أن تبدأ داخل التنظيم نفسه، بما في ذلك حماية المعارضين الداخليين، وضمان المحاكمة العادلة، ومنع التعذيب، والفصل بين القيادة السياسية والأمنية، وإخضاع السلاح للسلطة المدنية.

وتتمثل أهم الدروس العملية للتجربة بالنسبة للسودان في أن أي حركة سياسية ـ عسكرية لا تستطيع بناء دولة ديمقراطية إذا بقيت بنيتها الداخلية قائمة على الشخصنة والسرية والعسكرة؛ وأن الاعتماد على الرعاية الإقليمية يمكن أن يوفر قدرة عسكرية قصيرة الأجل لكنه يهدد الاستقلال الاستراتيجي على المدى الطويل؛ وأن السيطرة على الأرض لا تصبح «تحريراً» مستداماً إلا إذا تحولت إلى إدارة مدنية شرعية؛ وأن الوحدة بين الحركات المسلحة لا تنجح بمجرد توقيع إعلان سياسي، بل تحتاج إلى اتفاق واضح على القيادة، والرتب، والموارد، والتمثيل السياسي، وحقوق الأعضاء، وآليات حل النزاع؛ وأن عمليات تسليم المقاتلين وإعادة توزيعهم أو دمجهم ينبغي أن تكون شفافة وقابلة للتحقق، لأن الغموض في مصير القوات يخلق أرضية للانشقاق؛ وأن حقوق الإنسان يجب أن تكون جزءاً من العقيدة العسكرية واللوائح الداخلية وآليات الرقابة، لا مجرد خطاب سياسي خارجي.

وفي المحصلة، لم يكن فشل قوات التحالف السودانية فشلاً كاملاً؛ فقد فشلت في تحويل قوتها المحدودة إلى إسقاط للنظام أو إلى حزب وطني كبير مستقل، لكنها نجحت في إدخال فكرة مهمة إلى السياسة السودانية: إمكانية بناء حركة شمالية غير قائمة على الطائفية أو الإثنية، تجمع بين الضباط والمهنيين والنقابيين والطلاب، وتتحدى المركز السياسي باسم المواطنة والسودان الجديد. كما نجحت في جعل شرق السودان والنيل الأزرق جزءاً من الحساب العسكري والسياسي للمعارضة الوطنية، وفي ربط القضية الشمالية بقضية الجنوب. غير أن التجربة انتهت إلى أزمة اندماج وانقسام لأنها لم تستطع حل التناقض بين مشروعها الوطني المستقل وحاجتها إلى قوة أكبر، وبين خطابها الديمقراطي وبنيتها العسكرية، وبين استقلال القرار الوطني واعتمادها على رعاية إقليمية. وهذه التناقضات الثلاثة هي، في نهاية المطاف، المفتاح الأكثر تفسيراً لصعود قوات التحالف السودانية وهبوطها بين 1994 و2004.

المراجع

  1. Amnesty International. United Arab Emirates: Fear of forcible return: Abdelaziz Khalid Osman. London: Amnesty International; 2004.
  2. Amnesty International. Sudan: The Human Rights Crisis. London: Amnesty International; 1998.
  3. Baarsen B. Sudan: Civil War and Regional Security in the Horn of Africa. The Hague: Clingendael Institute; 2000.
  4. de Waal A. Exploiting Slavery: Human Rights and Political Agendas in Sudan. New Left Review. 1998;227:107-134.
  5. Foreign Policy in Focus. Sudan. Albuquerque: Interhemispheric Resource Center; 1996.
  6. Human Rights Watch. Political Repression in Sudan. New York: Human Rights Watch; 1996.
  7. Human Rights Watch. World Report 1997: Sudan. New York: Human Rights Watch; 1997.
  8. Human Rights Watch. Global Trade, Local Impact: Arms Transfers to All Sides in the Civil War in Sudan. New York: Human Rights Watch; 1998.
  9. Human Rights Watch. Sudan. In: World Report 2001. New York: Human Rights Watch; 2001.
  10. Human Rights Watch. Sudan, Oil, and Human Rights. New York: Human Rights Watch; 2003.
  11. Human Rights Watch. UAE: Release Sudanese Opposition Figure Abdel Aziz Khalid. New York: Human Rights Watch; 2004.
  12. International Crisis Group. Sudan’s Other Wars. Africa Report No. 65. Brussels: International Crisis Group; 2003.
  13. International Crisis Group. Sudan: Saving Peace in the East. Africa Report No. 102. Brussels: International Crisis Group; 2006.
  14. International Crisis Group. The Eastern Front. Africa Report No. 153. Brussels: International Crisis Group; 2013.
  15. International Institute for Strategic Studies. The Military Balance 2001–2002. London: Oxford University Press; 2001.
  16. Ibrahim ME. Sudanese official pleads for handover of opposition SAF leader. Khaleej Times. 2004 Oct 7.
  17. Institute for Security Studies. The Eritrean-Ethiopian War and its Implications for Sudan. Pretoria: ISS; 2003.
  18. Johnson D. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. Oxford: James Currey; 2003.
  19. Justice Africa. Catalogue of the papers of Justice Africa: Sudan Alliance Forces and Sudanese political and human rights documentation. Durham: Durham University Archives; 2026.
  20. Monitoring Times. Voice of Freedom and Renewal: Voice of the Sudan Alliance Forces. Monitoring Times. 1999;18(2).
  21. Monitoring Times. Voice of Freedom and Renewal/Voice of the New Sudan. Monitoring Times. 2004;21(4).
  22. Sidahmed A. Sudan: Contemporary Middle East Politics. London: Routledge; 2005.
  23. Sudan National Alliance/Sudan Alliance Forces. Central Council’s Extraordinary Meetings, 27–31 March 2004. Asmara: SNA/SAF; 2004.
  24. SPLM/SNA. Political Declaration of Unity between SPLM and SNA. 2005.
  25. Sudan Tribune. Sudanese opposition commander arrested in UAE. Sudan Tribune. 2004 Sep 24.
  26. Sudan Tribune. Sudanese rebel leader detained in the Emirates. Sudan Tribune. 2004 Sep 25.
  27. Sudan Tribune. Sudanese official pleads for handover of opposition SAF leader. Sudan Tribune. 2004 Oct 7.
  28. Sudan Tribune. Political Declaration of Unity between SPLM-SNA. Sudan Tribune. 2005 Oct 19.
  29. United Nations. Report of the Secretary-General on the situation in the Sudan. New York: United Nations; 1997.
  30. United Nations Security Council. Letter dated 10 August 1998 from the Permanent Representative of Sudan to the United Nations addressed to the President of the Security Council. New York: United Nations; 1998.
  31. United States Department of State. Sudan: Country Reports on Human Rights Practices 2000. Washington, DC: United States Department of State; 2001.
  32. United States Senate. Sudan: The Humanitarian Crisis and U.S. Policy. Washington, DC: U.S. Government Printing Office; 1998.
  33. United States Senate Committee on Foreign Relations. Sudan: The Continuing Crisis. Washington, DC: U.S. Government Printing Office; 1998.
  34. Young J. The Eastern Front and the Struggle against Marginalization. Sudan Working Papers No. 3. Geneva: Small Arms Survey; 2007.
  35. Weir F. Sudan’s oil pipeline attacked as opposition targets government revenues. Christian Science Monitor. 1999.
  36. World Radio History. NASWA Journal. December 2000.
  37. الجزيرة. الخرطوم تطلق سراح قائد قوات المعارضة عبد العزيز خالد. 20 ديسمبر 2004.
  38. الجزيرة نت. الحركة الشعبية تتحرك لدمج أحزاب شمالية سودانية. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2005.
  39. الجزولي ط. من تداعيات الذاكرة أواخر الخمسينات وأوائل السبعينات. سودانايل؛ 2026.
  40. سودانيز أونلاين. التحالف الوطني/قوات التحالف السودانية: المواجهة والتحديات. الخرطوم: سودانيز أونلاين؛ 2004.
  41. سودانيز أونلاين. شفافية.. نقد ذاتي.. أم كيد ومناورة؟ دعوة التحالف الوطني لمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان. الخرطوم: سودانيز أونلاين؛ 2006.
  42. سودانايل. التحالف الوطني السوداني وقوات التحالف السودانية: الوحدة والانقسام والخلافات التنظيمية. الخرطوم: سودانايل؛ 2005.
  43. التحالف الوطني السوداني. 2009. القوى السياسية تشارك التحالف الاحتفاء بالقائد فتحي عبدالعزيز. التحالف الوطني السوداني.
  44. التحالف الوطني السوداني. 2021. تصريح صحفي: إعادة تكوين المكتب التنفيذي لحزب التحالف الوطني السوداني وقضايا الراهن السياسي. الخرطوم.
  45. الضو، فتحي. 2026. كمال إسماعيل.. مزاوجة العطاء بالوفاء. سودانايل.
  46. أحمد، محمد جميل. 2020. هل يصبح العميد كمال إسماعيل والياً لكسلا؟ اندبندنت عربية.
  47. أفريكا كونفيدنشال. 1997. The countdown begins. Africa Confidential. 38(3).
  48. برونييه، جيرار. 1996. Identity Crisis and the Weak State: The Making of the Sudanese Civil War. WRITENET.
  49. برونييه، جيرار. 1997. Sudan: War in North and South — Update. WRITENET.
  50. شُرقيان، منصور. 2010. The History of Political Parties and Political Movements in Sudan. African Studies Association of Australasia and the Pacific.
  51. محمد، تيسير محمد أحمد علي. 2005. وثائق الوحدة بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والتحالف الوطني السوداني. الحركة الشعبية لتحرير السودان/التحالف الوطني السوداني.
  52. ميرغني، عصام. 2002. الجيش السوداني والسياسة. السودان.
  53. ندورو، مويغا. 1997. Sudan Politics: Rebel Alliance Launches Heavy Attacks in the East. Inter Press Service.
  54. عبد العاطي ع. مذكرة إلى الجهات المعنية بشأن اعتقال وتسليم العميد عبد العزيز خالد. 2004.
  55. التجاني م. قوات التحالف السودانية: المسار العسكري والسياسي. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ 2004.
  56. عبد العزيز الدقيل. تجربة قوات التحالف السودانية في المناطق المحررة. 2006.
  57. Small Arms Survey. The Eastern Front and the Struggle against Marginalization. Geneva: Small Arms Survey; 2007.
  58. United Nations. Report of the Secretary-General on the situation in the Sudan. New York: United Nations; 1996.
  59. Shinn, D.H. (2015). Sudan: A Country Study. Library of Congress.
  60. Library of Congress. (1998). Sudan: A Country Study.
  61. Writenet. (1997). Sudan: War in North and South.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
فتيات السودان السيئات الجدد: النساء المغنيات في الشتات السوداني .. تأليف: انيتا ه فابوس .. ترجمة: د. محمد عبدالله الحسين
الأخبار
بيان من تجمع المهنيين السودانيين
الأخبار
السلطات تكشف تفاصيل جريمة الطفل المقتول في عطبرة
منبر الرأي
التقارب المصري الصيني: دلالاته وأخطاره (3 -3)
منبر الرأي
«بنكك» يتعثر: كيف تحوّل تطبيق مصرفي إلى رهان السودان الاقتصادي الوحيد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

كتاب الدكتور موسى الباشا “الدولة الدينية الإسلامية في النظرية والتطبيق”

هاشم الامام محي الدين
منبر الرأي

نوبيون عنصريون! .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

مصطفى عبد العزيز البطل
منبر الرأي

سيناريو حكومة الكفاءات️  .. بقلم: صلاح الدين حمزة الحسن

طارق الجزولي
منبر الرأي

لا سياحه فعاله بدون بنية تحتيه وهي المطارات الولائيه اولا .. بقلم: محمد صلاح الدين الزين

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss