من مفاتيج مقدّمة ابن خلدون: ثنائية العمران وتناقضات الاحوال .. بقلم: د. عبد المجيد العركي/جامعة اوسلو المهنية بالنرويج
تقترن خطوط التفكير النظري والتجريبي بانسجام في مقدّمة ابن خلدون، فاذا اردنا تطوير هذا الارث الخلدوني، علينا ان نفهم المقدّمة في جملتها وتفاصيلها، او «في ذاتها» و «فيما يعرض من احوالها»٠
الجزء الاوّل: التمييز الثنائي وخطوات البحث
ان الفكر، وفقا لابن خلدون،
الجزء الثاني: ثنائية العمران، اي العمران البشري والاجتماع الانساني
بالرجوع الى القاعدة السابق ذكرها عن التمييز الثنائي الى الذات والعرض، نستطيع ايضا ان نفرّق بين علم التاريخ بمفهومه الحضاري وعلم العمران في جملته، او في ذاته٠ يقول ابن خلدون «اعلم ان التاريح فن عزيز المذهب جم الفايدة شريف العايدة» (QI:8)، فليس من الغريب ان يتمـخّــض عن هذا العلم الشريف علوم اخرى مثل علم العمران، «فالماضي اشبه بالآتي من الماء بالماء» (QI:10_9) ولكن بالرغم من ذلك التشابه بين العلمين وما للتاريخ من مكانة مرموقة في توحيد وصهر المكونّات القوميّة للامة الاسلامية وتثبيت دعائمها، فالاختلاف بين العلمين مازال واردا٠ فان المؤرخ مقيّد بامانته تجاه النص التاريخي اكثر من غيره، حتّى ولو سلمنا بانه يستطيع ان يستفيد من احوال الحاضر لاعادة تركيب الماضي البعيد٠ اما عالم العمران فـهو الذي يستطيع بتطبيق مناهج بحثه وقدراته الفكرية وعقله الاجتماعي، ان يخلف للاجيال القادمة مـادة شارحة ودسِمة بسبب معايشته لهذه الاحوال وسهولة استخلاص طبائــعها٠ فالمؤرخ لا يستطيع ان يقوم بمثل ذلك التنقيح مثله مثل عالم العمران لكونه مؤرخا قبل ان يكون عالم اجتماع، وهذا ما تنبّه له ابن خلدون، فاتى بعلم العمران مخالفا للتاريخ ولكن دون ان ينفصل عنه تماما لاسباب تتعلّق بالمفاهيم التي ترتبط بالتاريخ منذ بدء الحضارة الاسلامية٠ ولقد اختار ابن خلدون مصطلح «العمران» مصطلحا جامعا لعلمه الجديد، ويقول في التفريق بين علم العمران والتاريخ:
ان كلمة «عمران» في هذا الاختصار تعادل «مجتمع» وهي نقيضة «عمران العالم»، ولذا يظهر مصطلح «الانساني»، وهو مصطلح ذو قيمة قرآنية ــ ومن نقائضه الوحشي ــ يظهر مرتبطا بتعريف «عمران العالم»٠ ويأتي مصطلح «البشري»، ليصف الانسان ذكرا وانثى واحدا وجمعا وهذا مصطلح اقل شموليّة من الاوّل، فيأتي مرتبطا بالمصطلح الخلدوني المعــرّف وهو «العمـــران» والدليل القاطع على ثنائية العمران هو تركيبية المصطلحات التي ياتي بها المؤلف عندما يشرح استقلالية علم العمران حيث يقول
الجزء الثالث: بنية احوال الاجتماع الانساني. اي «عمران العالم»
الجزء الرابع: احــوال العمران البشري
الوجه الثاني هو الكــــسب، وتعريفه كالاتي:
الوجه الثالث هو الصنائع، والصناعة هي ملكة في امر عقلّي وفكرّي، اي لا بد للانسان من استخدام معارفه وافكاره للانشغال بها، ويقول ابن خلدون:
الوجه الرابع هو العلوم، والعلوم مثلها مثل الصنائع، هي ايضا نتيجة الفكر الذي تميــّز به الانسان عن غيره من الحيوانات، ويقول ابن خلدون بان «عالم الحوادث الفعلـيّـة انهما يتمّ بالفكر» (QII;365) لذلك فان العلم يصبح من جملة الصنائع٠
ويحتاج رجال العلم الى معارف متعدّدة وكثيرة لحذق صناعاتهم، فيحتاج صاحب فن التاريخ مثلا:
ان احــوال العمــران الاربع السابق شرحها هي: الملك والكسب والصنائع والعلوم، وهذه تمثّــل الاصول العرضيّة العمرانيّة، وهذا يعني بان الاصول العرضيّة تعتمد على ما يقترن به البحث، اي السياج الذي يتمّ البحث داخله، فالاحوال الاربع السابقة تختص بمحيط العمران، وتختلف من محيط الى اخر٠ هذه الاحوال الاربع تمثل اهم مناطق البحث والتمحيص داخل سياج العمران وذلك لما تحمله من تناقضات هامه لتطور العمران او اندثاره: فالعصبيّــة نقيضها الملك ومركبهما الجامع هو الملك العادل، والفائض المدمّــر نقيضه المعاش ومركبهما الجامع هو الكسب العادل الذي يقود عادة الى نماء الصنائع وتجويدها وتوزيعها وبالتالي نشر العلوم وتقليل التناقض بين الضروري والكمالي وتخفيف حدّة اعتماد العمران البدوي على الحضري٠
خاتمــــة
والله الموفق
araki@oslomet.no
تعليق واحد
