من ميز الهبوب الي الفيلا الي المزرعة

 


 

يوسف إدريس
20 August, 2023

 

الحوارات السياسية الجارية الان باديس ابابا، دعتني الي اعادة نشر المقال والمنشور بتاريخ 26 اغسطس 2020 بسودنايل:

تميّز شارع كتشنر ( حاليا شارع النيل ) بأنه كان اختيار الإنكليز لمساكنهم جنوب الشارع، فقد كان التصميم النموذجي يتكون من مبني بطابق أرضي رئيس، به صالة وغرف بكل منهم مروحة سقف، وحمامات وفرندتين جنوبا وشمالا، ترتفع 150 سم عن الحديقة شمالا وجنوبا. يضمن ذلك التصميم المنازل أن تحافظ على المساكن باردة صيفا، وتتمتع بحدائق غنية بأنواع الأشجار والزهور، تعوض المستعمرين بعض الحياة التي فقدوها بقدومهم للسودان.

(1)
كان (ميز الهبوب) الذي يقع بشارع ( كتشنر) شارع النيل(هو الآن موقع العمارة الكويتية)،وهو أصلا كان سكنا لأحد البريطانيين، تحول بعد الاستقلال لاستراحة لكبار الموظفين، القادمين في مهام من الأقاليم الي الخرطوم. وتحول مع مرور الزمن إلى بيت عزّابة يأتيه بالليل الوزراء وكبار المسئولين، للسهر والسمر، وحبك المؤامرات السياسية أو الإدارية. وكانت تمارس فيه كثير من المسكوت عنه، حيث أنه يقع بعيدا عن أعين الفضوليين.كما كانت تمارس نفس المسلك بميز الأطباء الواقع بشارع المك نمر، والذي تم تعديله ليكون مقرا لأحد الوزارات.كانت أجهزة التخابر الأجنبية ترسل صحفيين لهم علاقة بها، ليعرفوا كيف يفكر قادة البلاد، لأن حياة الليل هي السبيل لمعرفة مكنونات الأشياء، حيث تدور الخمر بالرؤوس، تنفك عُقدة الألسن ، ويتحول الحوار من اللغة العربية الي اللغة الانجليزية!.

(2)
أول مرة أعرف معني فيلا، وأنا طالب بالمرحلة الثانوية، ونحن نتجول ذات يوم بحي الخرطوم (2)، حيث كان مقصدنا، جمع الكتب والمجلات من السفارات الأجنبية، وقرأت لوحة بأحد المنازل مكتوب عليها: "فيلا شادية".
منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين، كنت أزور أديس أبابا بانتظام، وتوقفت من زيارتها، وعدت قبل أكثر من عشرة سنوات أن أزورها كل عام.
كان معظم زوار المدينة من المقيمين بدول الخليج، وكان يحبذون الاقامة بفلل المينا ،وهي عادة تكون مكونة من عدة غرف وملحق للخدمة، تقوم صاحبة المنزل بتقديم كل خدمات الطبخ وإعداد الطعام، ويمارس المقيمين كل الحرية دون أي إزعاج، حيث أن الفنادق لم تكن تسمح وقتها بادخال الزوار الي غرف المقيمين بالفندق.
كان عدد السودانيين والذين يعملون بالسفارة السودانية أو منظمة الوحدة الإفريقية أو منظمات الامم المتحدة، وقتها ،قليلو العدد. وإذا أراد أي منهم أن يمارس أي شيء في الخفاء، فهو يلجأ لأي من هذه الفلل، وادخال عربته ذات اللوحة الدبلوماسية، إلي داخل فناء الفيلا.
ولاحظت في السنوات الأخيرة، إن معارضي النظام زمن الإنقاذ (عندما انقلبت سلطة الإخوان المسلمين في السودان) يتجمعون في هذه الفلل، ويأتون من دوال الخليج العربي، وغالبا تكون تجمعاتهم في موسم الأعياد.
ماكنت أظن أن هؤلاء، يناقشون مستقبل وتشكيلة الحكومة المتوقعة بعد سقوط نظام الانقاذ.
حيث قرأت سيناريوهات وتخيلات صحفيين، بأن هؤلاء هم من طبخوا شكل الحكومة المؤقتة الحالية.
أعرف كل الأسماء التي وردت في هذه التقارير، وقابلتهم مصادفة في بعض المرات.

(4)
فوجئت بأن من وردت أسماؤهم بأنهم من( ناس المزرعة)، وهم نفس الأشخاص الذين وردت أسمائهم بأنهم من ناس الفيلا. وعرفت أني أعرف صاحب المزرعة المقصودة والواقعة بضواحي الخرطوم، معرفة لصيقة!.
لكن ما فكرت فيه: هل يمكن أن يقرر نفر من الناس شأن الدولة؟، تجهز نفسها، لتخرجنا من المطب الذي أدخلتنا فيه دولة الانقاذ.؟. وهي مازالت تصارع العسكر لتقنعهم بأن دولتهم قد أفلت، ورضينا بالحل الإقليمي، والذي فرض علي الثوار فرضا، لتتمكن الدولة من الاستمرار، وتجنب أسوأ السيناريوهات لانهيارها. ترى هل كنت أحلم بأن أصحاب المزرعة يمكنهم أن يقودوا السلطة مشاركين؟

يوسف إدريس

yidries@hotmail.com

 

آراء