من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف (5-5)

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف:
علاقات الأرض والإنسان والدولة في السودان من إرث الاستعمار إلى مآلات الحرب الراهنة (5-5)

(تشكل هذه الدراسة خلفية تاريخية ضمن مشروع بحثي يستضيفه معهد التخطيط المكاني بجامعة فيينا للتكنولوجيا، ويهدف إلى إعداد مقترح لخطة مكانية استراتيجية للإعمار المنصف والمستدام في السودان ما بعد الحرب. وقد نُشرت مسودة هذه الورقة على منصة ResearchGate)

  1. ذروة فشل الدولة الوطنية بعد الاستعمار: من تعثر الانتقال الديمقراطي إلى أتون الحرب
    تُشكّل دولة الإسلامويين، التي حكمت لأكثر من ثلاثة عقود، ذروة هندسة الهيمنة المؤسسية والاقتصادية والهوياتية في السودان، بوصفها امتدادًا معمّقًا للبُنى التي أسّسها الاستعمار وأعادت أنظمة ما بعد الاستقلال إنتاجها. وقد مثّلت هذه الدولة أقصى تمثّلات العقل الإقصائي والأناني، القائم على العنف كمبدأ تأسيسي لا كأداة ظرفية، يُمارَس باسم الدين ويُشرعن تحت مسمّيات “التمكين” و”التطهير”. قامت على احتكار السلطة والثروة والهوية، مستبدلة أسئلة الوطن والعدالة بمنطق الولاء للجماعة. وفي هذا السياق، لا تبدو الحرب الراهنة تفككًا طارئًا، بل ذروة لمسار طويل من العنف المؤدلج والاستبعاد المنهجي. فالدولة التي تُبنى على الإقصاء لا تُنتج إلا الانهيار. يتناول هذا المقال هذه المرحلة بمزيد من التحليل، ويستشرف مآلات الصراع في أفق ما بعد الحرب.

1.5. الحرب الشاملة وتفكك الدولة: تحوّلات العنف من الهامش إلى مركز السلطة

تمثّل الحروب الأهلية في السودان أبرز تجليات فشل دولة ما بعد الاستعمار في بناء عقد اجتماعي جامع. فمنذ الاستقلال، أعادت النخب إنتاج الدولة الاستعمارية بصيغتها المركزية والإقصائية، محتكرة السلطة والثروة، الهوية(1). ومع صعود الإسلامويين في 1989، غدا العنف مبدأً أيديولوجيًا وأداة مبرّرة دينيًا للهيمنة، فعمّق الانقسام وأشعل حروبًا امتدت من الجنوب إلى دارفور والنيل الأزرق والشرق. لجأ المتأثرون بهذه الحروب إلى الخرطوم، لا باعتبارها مركزًا وطنيًا، بل ملاذًا يوفّر الحد الأدنى من الأمان والغذاء بعد انهيار شروط الحياة في مناطقهم. لكن المدينة لم تحتويهم، بل دفعت بهم إلى هامشها، في أحياء معزولة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة والكرامة الإنسانية(2). وهكذا، قاد إنكار المركز لحقائق الهيمنة وتبعاتها التي أفرزت الحروب إلى إعادة إنتاج جذور الأزمة، فانفجرت الحرب الحالية كأقصى تجليات فشل دولة ما بعد الاستعمار.
وراء الصراع المعلن مع قوات الدعم السريع، الداعمة للاتفاق الإطاري الهادف إلى استعادة مسار التحول الديمقراطي، كانت النخبة الإسلاموية تسعى لتصفية خصومها قبل الوصول إلى مرحلة التفكيك المؤسسي لنفوذها، كما نصّ عليه الاتفاق. فبعد أن نجحوا سابقًا في إقصاء المدنيين عبر خطاب التخوين والتكفير، يواجهوا الآن خصمًا وُلِد داخل بنيتهم: قوة مسلحة تتحدث بلغتهم، وتحمل ترسانة ساهموا هم في بنائها. لذا لم يكن قرار الحرب نابعًا من المؤسسة العسكرية ككل، بل فُرض من داخل دوائر الإسلاميين، بوهم أنها ستكون ضربة سريعة تعيد التوازن لصالحهم. لكنهم اصطدموا بمقاومة صلبة من قوات الدعم السريع، التي كانت أكثر استعدادًا لهذه المواجهة، بعدما أعدّت لها العدة مسبقًا، مستفيدة من دعم غير معلن من البرهان، بحسب ما تشير إليه بعض التحليلات(3). وقد صرّح حميدتي مؤخرًا بأن هذه الحرب كانت مؤجّلة منذ لحظة سقوط البشير.
ومع اتساع رقعة الحرب، برزت هشاشة المؤسسة العسكرية. لم يكن الجيش مهيأً نفسيًا ولا تنظيميًا لصراع طويل، وظهر انقسام داخلي بين من رأى في الحرب معركة نفوذ، لا معركة دولة. وهكذا، تحوّل السودان إلى رهينة لصراع نخبة مأزومة، تخشى المحاسبة، ومستعدة لتفكيك الدولة إن كان ذلك شرطًا للبقاء. في هذا السياق، تحرك الإسلاميون لإفشال كافة مسارات التفاوض، من جدة إلى جنيف، عبر أدوات داخل المؤسسة وخارجها، خاصة الأجهزة الأمنية، التي تحوّلت إلى قوة تعطيل ممنهجة(4). رأوا في استمرار الحرب ضمانًا لإبقاء المعادلة القديمة قيد الحياة، ولو على حساب الدولة والمجتمع.
ولشرعنة هذا الخيار، فعّلوا خطاب “حرب الكرامة”، مستندين إلى أدواتهم التعبوية والدينية لإعادة تعبئة القواعد الاجتماعية على أسس عنصرية ومناطقية. صُوّرت قوات الدعم السريع كـ”عرب شتات”، وسكان دارفور وكردفان كخطر وجودي على السودان “الأصلي”، مما فتح الباب أمام تشكيل ميليشيات قبلية و مناطقية متعددة، وأعاد تعريف الوطنية على أساس عرقي ومركزي، وأدى إلى حملات اعتقال وتمييز جغرافي وعقاب جماعي، بل وإعدامات ميدانية في المناطق التي تمت استعادتها بواسطة الجيش والقوات المتحالفة معه(5).
في المقابل، حمل خطاب قادة قوات الدعم السريع نَفَسًا ثوريًا راديكاليًا، رافعًا شعار “اقتلاع دولة 56″، وطرَح الحرب كفرصة لتفكيك الدولة المركزية وإعادة بنائها على أسس جديدة(6). غير أن التكوين الإثني للقوات، مقرونًا بالخطاب المناطقي المضاد، أثار مخاوف وجودية لدى المجموعات العربية ذات النمط المعيشي الرعوي–البدوي، فاندفع الآلاف من أبنائها للقتال إلى جانب الدعم السريع، لا دفاعًا عن مشروعه السياسي، بل حمايةً للذات في مواجهة عملية شيطنة جماعية تستهدفهم ككتلة إثنية موصومة. وفي هذا الزخم، انضمت مجموعات منتمية إلى ذات المكوّنات الإثنية، تُعرف محليًا بـ”الشفافة”، والتي ارتبطت تاريخيًا بالمشاركة في أنشطة النهب في إقليم دارفور، ما أسفر عن موجات سلب ونهب واسعة النطاق في المدن والمناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع، مستحضرةً في الأذهان سجل هذه الممارسات إبان حرب دارفور.
ازداد المشهد تعقيدًا بانحياز بعض الحركات المسلحة، التي نشأت تاريخيًا لمقاومة التهميش، إلى صف الجيش وفلول النظام السابق، تحت ذرائع حماية الدولة أو منع هيمنة الدعم السريع على الإقليم. حركتا العدل والمساواة وتحرير السودان، وجدتا نفسيهما في تحالف متناقض مع من كان خصمًا تاريخيًا. هذا الاصطفاف لم يفتح فقط جبهة صراع جديدة داخل دارفور، بل أعاد إنتاج واحدة من أنجح أدوات الإسلاميين في إدارة الحرب الأهلية: تفكيك الإقليم من داخله عبر إذكاء الانقسامات الإثنية. في حرب دارفور السابقة، اعتمد النظام السوداني على ميليشيات الجنجويد — جماعات ذات انتماء إثني عربي — لمواجهة حركات مسلحة من إثنيات أفريقية (7). واليوم، وبعد تبدّل المواقف، ومع دعم بعض تلك الحركات للجيش الحكومي، أصبح الإسلامويون يصفون قوات الدعم السريع بأنها ‘عرب شتات يجب محاربتهم’. هذا التبدّل لا يعكس تحوّلًا في التوازنات التمثيلية أو في مسار العدالة، بقدر ما يؤكد نجاح الإسلامويين في إعادة تدوير الصراعات الإثنية لخدمة مشروعهم السلطوي، بغض النظر عن أسماء الحلفاء أو مواقعهم.
في المقابل، انقسمت مواقف القوات الموقعة على اتفاق جوبا. فبينما تبنّت بعض الفصائل الحياد، تشققت أخرى داخل المعسكر الموالي للجيش، وانبثقت منها تيارات انضمت لاحقًا إلى “ميثاق التأسيس”، الذي يضم قوات الدعم السريع، في انحياز واضح ضد الجيش والقوى المتحالفة معه(8). بهذا، تكرّس واقع سياسي جديد يتجاوز ثنائية الدولة التقليدية، ويعيد إنتاج المشهد من داخل الهامش، بما يحمله من فرص ومخاطر في آن.

2.5. القوى المدنية والسياسية: الانقسام المزمن وفشل الضغط لوقف الحرب

منذ اندلاع الحرب، وُضعت القوى المدنية والثورية أمام اختبار بالغ القسوة، لم يتعلق فقط بقدرتها على الضغط لوقف القتال، بل أيضًا بقدرتها على إعادة صياغة مشروع سياسي جامع يخرج البلاد من دوامة العسكرة والانهيار. غير أن ردود فعل هذه القوى كشفت عن واقع مأزوم ومتشظٍ، تُرجم إلى مواقف متباينة، بل متناقضة، تجاه أطراف النزاع. فقد انقسمت القوى المدنية إلى ثلاث جبهات رئيسية: الأولى ترى في الجيش الطرف الأقل تهديدًا، باعتباره مؤسسة قابلة للإصلاح لاحقًا؛ والثانية تعتبر الدعم السريع حليفًا مؤقتًا في مواجهة تغلغل الإسلاميين داخل الجيش؛ أما الثالثة، فترفض الطرفين معًا، وتراهما امتدادًا لحكم العسكر، وإن اختلفت الأدوات.
ورغم المبادرات الأولية التي أعقبت اندلاع الحرب لتوحيد الموقف المدني، والتي تمخضت عن تشكيل تنسيقية القوى الديمقراطية والمدنية (تقدّم) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إلا أن انقسامات ما قبل الحرب سرعان ما عادت للسطح. فقد رفض حزب البعث، والجناح الجذري لقوى الحرية والتغيير بقيادة الحزب الشيوعي، الانضمام إلى التنسيقية، بل تقدم الحزب الشيوعي بمبادرة سياسية مستقلة لم تجد طريقها إلى التفعيل. كما فشلت محاولات أخرى في رأب الصدع المدني، نتيجة افتقار الثقة، وتباين التصورات حول طبيعة الحرب وآفاق التسوية.
في يناير 2024، طرحت تنسيقية “تقدّم” وثيقة مبادرة سياسية، وقّع عليها حميدتي في أديس أبابا، بينما رفض الجيش وتيارات الإسلاميين التعاطي معها(9). أعقب ذلك موجة جديدة من الاستهداف الأمني والقانوني طالت القوى المدنية، شملت أوامر اعتقال وتهديدات بحق قيادات بارزة، حيث استُخدمت المبادرة نفسها كدليل اتهام، لتصويرهم كـ”الجناح السياسي” لقوات الدعم السريع، دون أن يشمل ذلك قادة الدعم السريع أنفسهم. هذا التحيّز القضائي رسّخ مناخًا من القمع، وفتح الباب أمام ممارسات أكثر فظاعة، استهدفت لجان الطوارئ التي اضطلعت بأدوار إنسانية في إغاثة المتضررين(10). ففي المناطق التي أعاد الجيش وميليشيات الإسلاميين السيطرة عليها، سُجّلت حالات إعدام ميداني بحق شباب تلك اللجان، بتهمة الانحياز لقوات الدعم السريع أو التعاون معها.
وفي ظل انسداد الأفق السياسي، تفجّر الخلاف داخل تنسيقية “تقدّم” نفسها، إثر جدل حول تشكيل حكومة مدنية موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. فبينما رأت مجموعة أن الفراغ السياسي والإداري في تلك المناطق يستدعي ملأه بمؤسسات مدنية تقدم الخدمات وتثبت الحضور السياسي، اعتبرت مجموعة أخرى أن ذلك يمثل انحيازًا ضمنيًا لطرف عسكري، ويهدد وحدة الموقف المدني. وانتهى الأمر بإقرار فك الارتباط بين المجموعتين(11)، ليعمل كل طرف ضمن منصة سياسية وتنظيمية منفصلة، في مشهد يُعيد إنتاج الانقسام بدلاً من تجاوزه.
هذا الانقسام، الذي أضعف قدرة القوى المدنية التقليدية على تقديم مشروع موحد، فتح الباب أمام تشكّلات بديلة، أبرزها ما عُرف بـ”تحالف تأسيس”، الذي ضم شخصيات من حزب الأمة (بينهم الفريق برمة ناصر)، وأعضاء من الحزب الاتحادي الأصل (منهم إبراهيم الميرغني)، ومستقلين، وبعض مكونات تجمع المهنيين، إلى جانب حركات مسلحة موقعة على اتفاق جوبا. تبنّى التحالف موقف الحياد تجاه طرفي النزاع، لكنه وقّع لاحقًا مع الدعم السريع والحركة الشعبية – قيادة عبد العزيز الحلو على “ميثاق التأسيس الجديد”، الذي ينادي بإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، تتجاوز بنية ما بعد الاستعمار ومركزيتها الإقصائية(12). لم يقتصر هذا الميثاق على الخطاب السياسي، بل تبعه إعلان دستور انتقالي، وبدء خطوات فعلية نحو تشكيل هياكل ما سُمّي بـ”دولة السلام والوحدة”، بما في ذلك العمل على إنشاء “الجيش الوطني”، المكوّن من قوات الدعم السريع، وقوات الحركة الشعبية، وعدد من فصائل دارفور.
ورغم الجدل الكبير الذي أثارته هذه الخطوة داخل الأوساط المدنية، بين من يراها محاولة جادة لكسر احتكار المركز للحكم، ومن يعتبرها تكريسًا لانقسام فعلي وتثبيتًا لواقع ما بعد الدولة – فإنها تمثل أول مبادرة سياسية وعملية تتجاوز ثنائية الجيش والدعم السريع، وتطرح تصورًا مغايرًا، مهما كان محل خلاف. وبهذا، فإن القول بانعدام أي مشروع سياسي بديل يصبح غير دقيق، إذ تكمن الأزمة الحقيقية في تعدد المشاريع دون مرجعية وطنية جامعة، وتنامي الفعل المناطقي على حساب الإجماع المدني الشامل.

3.5. التدخلات الخارجية: التدويل كامتداد للهيمنة وأداة لتفجير الصراع

لم يعد الصراع المسلح في السودان مجرد مواجهة داخلية بين أطراف محلية تتنازع على السلطة، بل أصبح جزءًا من مشهد إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، وتُعاد فيه صياغة الخرائط وموازين النفوذ بوسائل حديثة تخفي طابعها الاستعماري التقليدي، لكنها تؤدي وظيفته ذاتها: تفكيك الدولة الوطنية وإعادة تركيبها بما يخدم مصالح القوى الخارجية. وبذلك، تمثل الحرب الراهنة فرصة للقوى الإقليمية والدولية لإعادة إنتاج هيمنتها عبر إدارة الصراعات الداخلية بأدوات الدعم والتدخل الخارجي، بما يعيد تشكيل الدولة وفق مصالحها.
يتمتع السودان بموقع جيوستراتيجي محوري، يربط بين القرن الإفريقي، واقليم الساحل، والبحر الأحمر، ويمتلك موارد طبيعية هائلة تشمل الذهب، والنفط، والأراضي الزراعية الخصبة، والمياه. هذه الميزات جعلته موضع تنافس إقليمي ودولي، في ظل سعي أطراف متعددة لإعادة تشكيل الإقليم وفق منطق السيطرة على الممرات الاستراتيجية والموارد الحيوية.
استغلت القوى الإقليمية والدولية هشاشة مؤسسات الدولة السودانية، وتشرذم نخبها السياسية، وانهيار عقدها الاجتماعي، لتكريس حضورها وتأثيرها. فبدلاً من الاحتلال المباشر، تمارس هذه القوى الهيمنة عبر أدوات التمويل، وتوريد السلاح، وعقد التحالفات العسكرية، وتقديم الدعم السياسي لطرف ضد آخر، ما جعل عملية صنع القرار الوطني خاضعة بدرجة كبيرة للتأثير الخارجي. في هذا السياق، تنظر مصر إلى السودان من منظور أمنها القومي والمائي والاقتصادي(13)، بينما ترى إثيوبيا في الحرب فرصة لتعزيز نفوذها وتأمين منفذ بحري على البحر الأحمر(14)، وفي الوقت نفسه لإضعاف الموقف المصري في ملف مياه النيل. وتستخدم إريتريا أراضيها الحدودية كمنصة للتدريب والتموين العسكري(15)، في حين تُتّهم تشاد وليبيا بتمرير السلاح أو دعم فصائل مسلحة(16). أما دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية، فتسعى إلى تمكين حلفائها المحليين لضمان الوصول إلى الموارد والموانئ(17)، فيما تنخرط قطر وتركيا في السودان عبر أطر أيديولوجية واستراتيجية موازية(18).
وعلى مستوى الدعم المباشر، يُعدّ كل من مصر والإمارات أبرز الفاعلين الإقليميين في تغذية طرفي الصراع. فالإمارات تُتَّهم بتزويد قوات الدعم السريع بأسلحة متطورة، رغم تشابك مصالحها التجارية والمالية مع حكومة السودان، ولا سيما عبر شبكات الذهب التي يدير بعضها الجيش نفسه. وقد وجّهت الحكومة السودانية اتهامات رسمية لأبوظبي وقدّمت شكوى ضدها أمام المحكمة الجنائية الدولية(19). في المقابل، يحظى الجيش السوداني بدعم مصري قد يشمل الإسناد الجوي المعلن، فضلًا عن تزويده بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية العسكرية، سواء بشكل مباشر أو عبر قوات حليفة مثل فصائل دارفور الموالية له(20). ويترافق ذلك مع توتر مكتوم بين القاهرة والرياض حول ترتيبات إعادة الإعمار وتقاسم النفوذ، في مشهد يعكس ارتهان القرار الوطني لموازين القوى الإقليمية.

أما على الصعيد الدولي، فتتعامل القوى الكبرى مع الملف السوداني بوصفه جزءًا من معركة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية؛ فروسيا، عبر شركات مثل «فاغنر»، تسعى إلى تأمين الذهب وإنشاء نقاط ارتكاز استراتيجية على البحر الأحمر(21)، بينما تركز الولايات المتحدة على حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، في حين ينصبّ اهتمام الاتحاد الأوروبي على الحد من تدفقات الهجرة القسرية(22) ومنافسة الصين وروسيا، من دون إبداء أولوية حقيقية لوقف الحرب أو ضمان عملية انتقال ديمقراطي فعلي. وقد ترسّخ هذا النمط من التدويل بفعل غياب مشروع وطني جامع، وتآكل الثقة بين مكونات الداخل، واستمرار الرهان على الخارج كبديل للتوافق الوطني.
وفي سياق الأدوات المستخدمة في هذا التدويل، يبرز السلاح بوصفه المحرك الميداني الأهم. فمع التدفق المستمر للأسلحة من مصادر إقليمية ودولية، يظل السودان—كسائر الدول الأفريقية المستوردة للسلاح—مستهلكًا لأسلحة تُصنَّع خارج حدوده، ولا يلوح في الأفق القريب أي احتمال لوقف الحرب ما لم يتوقف هذا الإمداد لكلا الطرفين. وتشمل قائمة الدول المنتجة والمصدّرة للسلاح إلى أطراف النزاع روسيا وتركيا وإيران والصين(23)، فضلًا عن دول غربية تجني مكاسب اقتصادية غير مباشرة من استمرار القتال، وفي مقدمتها الولايات المتحدة بوصفها المصدر الرئيس لتسليح دول الخليج، التي ينتهي جزء من أسلحتها إلى ساحات المعارك في السودان. وبذلك، لا يشكّل النزاع السوداني ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية فحسب، بل أيضًا سوقًا واسعة لتجارة السلاح، ومصدرًا لتضخيم أرباح شركاته حول العالم.
ويصل هذا المسار إلى ذروته في تجليات التدويل السياسي، كما في الاجتماع الذي كانت تعتزم “الرباعية” (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، والإمارات) عقده في واشنطن يوم 29 يوليو 2025، لمناقشة الأزمة السودانية دون دعوة أي من الأطراف المتحاربة أو القوى المدنية(24). ورغم إلغائه في اللحظة الأخيرة، فقد كشف عن واقع تُصاغ فيه قرارات مصيرية بشأن السودان بمعزل عن السودانيين أنفسهم، في تجسيد صارخ لتحوّل الوساطة إلى وصاية، وتعميق فراغ السيادة الداخلية لصالح ترتيبات مفروضة من الخارج.

4.5. مآلات الصراع: من انهيار الدولة المركزية إلى مفترق التقسيم أو التأسيس العادل

لا تنذر الحرب الجارية في السودان بانهيار توازنات السلطة فحسب، بل بتهديد مفهوم الدولة وبنيتها ذاتها. فقد ضرب الصراع قلب المركز، وعرّى هشاشة مؤسسات طالما ادّعت احتكار العنف باسم “السيادة”، ليتضح أن هذا العنف بات في متناول فواعل متنازعة، تفتقر إلى مشروع جامع أو رؤية مشتركة للمستقبل. النتيجة هي فراغ شرعي، وغياب سلطة مركزية يُعوَّل عليها، وفسيفساء من القوى المسلحة والمصالح المتنافسة، في تجسيد حيّ لمنطق “العقل الإقصائي” الذي طبع سلوك نخب ما بعد الاستقلال، وأعاد إنتاج ممارسات الهيمنة البنيوية التي تأسست في الحقبة الاستعمارية.
الأزمة الراهنة تتجاوز مآل المعركة بين الجيش والدعم السريع؛ فحتى في حال حُسم الصراع عسكريًا، فإن السيطرة القسرية على وطن متشظٍ لم تعد ممكنة. لقد انهارت رمزية الخرطوم كمركز قرار، وتكشفت حدود الدولة الموحدة التي تُدار من الأعلى. الأطراف المهمّشة لعقود ترفض العودة طوعًا إلى موقع التابع، والمجتمعات التي زُجّت في الحرب لن تستعيد ولاءها القديم بسهولة، في انعكاس مباشر لفشل مشروع الدمج الوطني.
ومع تعدد المشاريع السياسية والعسكرية، وظهور هياكل موازية تدير مناطق نفوذ بمرجعيات بديلة، يلوح خطر “التفكك التدريجي”؛ واقع لا يحتاج إعلانًا رسميًا، بل يترسخ عبر دساتير انتقالية وتشريعات محلية وإدارات أمنية خارج سلطة المركز. هنا تتجسد ملامح ما يسميه أشيل مبمبي بـ”سياسة الموت”، حيث تصبح السيطرة على الحياة والموت أداة لإدارة المجال السياسي، ويتحوّل السكان إلى موارد للصراع، لا شركاء في صناعة الدولة.
ورغم هذا الانحدار، تظل هناك فرصة لإعادة التأسيس من القاعدة، على أسس تعترف بالتعدد وتعيد توزيع السلطة، عبر عقد اجتماعي جديد يقطع مع إرث الإقصاء، ويستبدل منطق السيطرة بمنطق المشاركة. هذا التحول يتطلب تحالفًا وطنيًا عابرًا للجهويات والانتماءات، مستقلًا عن الأطراف المسلحة، ومرتكزًا على قوى مدنية تمتلك الإرادة والرؤية لإعادة بناء الدولة ككيان جامع، لا كساحة نفوذ متنازع عليها.

5.5. الخاتمة: الحرب كمآل حتمي لهندسة الهيمنة وكفرصة لإعادة التأسيس و الاعمار المنصف و المستدام

تُظهر هذه الدراسة أن الحرب في السودان ليست حدثًا طارئًا، بل امتدادًا بنيويًا لنموذج سلطوي تأسس منذ الحقبة الاستعمارية على احتكار القوة واستبعاد التعدد، وتكرّس بعد الاستقلال عبر “العقل الإقصائي” الذي حوّل الدولة إلى أداة للهيمنة، لا منصة للمشاركة. في عهد الإسلامويين، بلغ هذا النموذج ذروته بدمج العنف السياسي بالعقيدة الدينية، وتطبيع القهر كأداة حكم، وتجسيد ما يصفه مبمبي بـ”سياسة الموت”، حيث يُدار المجال العام عبر التحكم في الحياة والموت.
تفكك المركز، وانهيار رمزية الخرطوم، وظهور سلطات موازية، كلها نتائج حتمية لعقود من الإقصاء البنيوي وفشل الدمج الوطني. ومع ذلك، فإن اللحظة الراهنة تحمل إمكانية نادرة لإعادة تخيّل الدولة على أسس عقد اجتماعي عادل، إذا ما حُصّنت برؤية وطنية جامعة وكتلة تاريخية من قوى التغيير. غير أن غياب آلية واضحة ومشاركة شاملة يهدد بتحويل هذه الفرصة إلى حلقة جديدة في مسلسل التفكك، وربما إلى تقسيم فعلي للبلاد.
إن الاكتفاء بالحديث عن إعادة إعمار ما دمرته الحرب يعني عمليًا القبول بإعادة إنتاج الدولة ذاتها التي قادت إلى الصراع. والسؤال الجوهري المطروح اليوم هو: هل سنعيد إنتاج هذا النموذج المأزوم، أم سنؤسس لنموذج جديد يقوم على الحرية والسلام والعدالة كأسس بنيوية لا كشعارات عابرة؟. إن إعادة بناء السودان الجديد تبدأ أولًا بإعادة تأسيس الدولة على قواعد المواطنة المتساوية والتمثيل الشامل، ثم وضع خطة إعمار استراتيجية تعزز الإنصاف والاستدامة، وتضع جميع المجموعات الاجتماعية في قلب العملية، بحيث لا يُترك أحد خارج مسارها.

المراجع
 Suliman, M. (2006). Sudan wars of resources and identity (in Arabic). Khartoum: Azza Publishing House. (1)
 Wagialla, Mariam (2020) A GENDER-SENSITIVE LANDSCAPE PLANNING APPROACH IN URBAN TRANSFORMATION TO IMPROVE THE QUALITY OF EVERYDAY LIFE FOR ALL, Case Study: Khartoum, in Osman, A. et, al. (2023) The Urban Ecologies of Divided Cities (Advances in Science, Technology & Innovation, Springer, Berlin (2)
 Salman, S. M. A. (20.09.2024) Al-Burhan’s Role and Responsibility in the Rise and Expansion of Hemedti and the Rapid Support Forces (in Arabic) https://www.medameek.com/?p=156732 (3-)
 Wagialla, M. (2023) Between hunger for power and brutality: Where is Sudan heading? International V / 2023 (4-6)
 Al Yahyai, O (04/04/2025) Sudanese rights group Emergency Lawyers says the army has executing civilians suspected of supporting the paramilitary Rapid Support Forces. https://www.euronews.com/2025/04/04/un-raises-alarm-over-civilian-executions-in-sudan (5)
 IDEA (2024) THE WAR IN KHARTOUM AND ITS IMPACT ON DARFUR https://www.idea.int/sites/default/files/2024-02/the-war-in-khartoum-and-its-impact-on-darfur.pdf (7)
 Sudan Tribune (23,02, 2025) Sudan’s RSF, allied groups sign charter to form parallel government https://sudantribune.com/article297786/ (12-8)
 Marsden, D. R. (21.06.2024) A strong civilian coalition is vital to avert Sudan’s disintegration, https://www.chathamhouse.org/2024/06/strong-civilian-coalition-vital-avert-sudans-disintegration (9)
 Sudan Transparency (02,01, 2024) Addis Ababa Declaration between the Coordination Body of the Democratic Civil Forces (Taqaddum) and the Rapid Support Forces (RSF) https://sudantransparency.org/addis-ababa-declaration-between-the-coordination-body-of-the-democratic-civil-forces-taqaddum-and-the-rapid-support-forces-rsf/ (10)
 Osman, D. and Rehman,A. (31.10. 2024)Emergency Response Rooms in Sudan: A Beacon of Hope, https://dt-global.com/blog/emergency-response-rooms-in-sudan/ (11)
 Al-Hashemi, G. (15.06.2025) Egypt: Between the Challenges of Regional Crises and Strategies of Influence in Light of International Transformations, https://iferamoinstitut.education/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA/ (13)
 Bereketeab R. (2024) Ethiopia’s Quest for a Seaport: A Threat to Regional Stability? https://mecouncil.org/publication/ethiopias-quest-for-a-seaport-a-threat-to-regional-stability/ (14)
 Plaut, P. (14,11,2024)Eritrean trained militia deploys to eastern Sudan https://martinplaut.com/2024/11/14/eritrean-trained-militia-deploys-to-eastern-sudan/ (15)
 Herbert, M. (18.12.2024) Sudan, Chad and Libya knit together as illicit markets enable conflict economy, https://www.mattherbert.org/lalinea/2025/3/19/new-article-sudan-chad-and-libya-knit-together-as-illicit-markets-enable-conflict-economy (16)
 Spivey, M. (06.03.2025) BBC News: Sudan takes UAE to world court over ‘complicity in genocide, https://www.bbc.com/news/articles/c3w1nzpg5dgo , (19)
 Ayin Network (2025) Egypt’s intervention in Sudan’s war, https://3ayin.com/en/egyptsaf/ (20)
 Gallopin, J. (no date) The Great Game of the UAE and Saudi Arabia in Sudan, https://pomeps.org/the-great-game-of-the-uae-and-saudi-arabia-in-sudan (17)
 Donelli, F. and Pericoli, A. (2024) Foreign Aid, Identities and Interests: Qatar and the UAE in Sudan https://www.researchgate.net/publication/385913656_Foreign_Aid_Identities_and_Interests_Qatar_and_the_UAE_in_Sudan (18)
 Amnesty (2024) The constant flow of arms into Sudan is continuing to cause civilian death and suffering on an immense scale, https://www.amnesty.org/en/latest/news/2024/07/sudan-constant-flow-of-arms-fuelling-relentless-civilian-suffering-in-conflict-new-investigation/ (23)
 CNN (2022) Russia is plundering gold in Sudan to boost Putin’s war effort in Ukraine. https://edition.cnn.com/2022/07/29/africa/sudan-russia-gold-investigation-cmd-intl/index.html (21)
 Sudan quartet meeting postponed after Egypt-UAE spat: diplomatic sources https://www.newarab.com/news/sudan-quartet-meeting-postponed-after-egypt-uae-spat (24)
 Hassouri , P. (07.26.2023) At Any Cost—The War in Sudan and Europe’s Flawed Migration Policies https://merip.org/2023/07/at-any-cost-the-war-in-sudan-and-europes-flawed-migration-policies/ (22)

marfa_1998@hotmail.com

عن مريم محمد عبدالله وقيع الله

مريم محمد عبدالله وقيع الله

شاهد أيضاً

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف (3)

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف:علاقات الأرض والإنسان والدولة في السودان من إرث الاستعمار إلى …