ليس خافيًا على أحد أنّ مجتمعنا يعيش اليوم حالة انفلات في فضاء الميديا، حيث صار بعض الناس يتلذذون بتداول فضائح الآخرين، ونشر صورهم ومقاطعهم الخاصة، والتسابق على تناقل ما يسيء ويجرح ويخدش، وكأننا وجدنا في هذه السقطة الجماعية مادة للتسلية ووقودًا للشماتة. لست في مقام الدفاع عن أحد، ولا في وارد تبرير التصرفات الشاذة أو المنحرفة، فنحن مجتمع مفتوح فيه الصالح والطالح، وفيه ما يُرضي الله وما يُغضبه، وما خفي كان أعظم. وكل إنسان في النهاية له رب يحاسبه، وأهل يراقبونه، وعرض يصونه. لكن الذي يعنيني هنا (وهو أخطر من الأفعال نفسها) هو هذا اللهاث الجماعي وراء الفضائح، وهذا النهم المرضي إلى تداول السوء وكأنه خبر عاجل أو نصر مبين. إننا لا نكتفي بفضيحة فرد، بل نحولها إلى مهرجان عام، تنصب فيه منصات التشهير وتوزع فيه تهم الهزء والسخرية بالمجان!
إنّ نشر هذه المواد، والحرص على تداولها، (أقبح وأخطر من مضمونها ذاته) لأنه يحوّل خطيئة فردية (قد تُطوى في ستر الله) إلى فضيحة جماعية يتفرج عليها القاصي والداني. فيتحول المجتمع كله إلى ساحة شماتة، ينعدم فيها الحياء، وتُهدم فيها البيوت، ويُفتضح فيها المستور. ولولا ستر الله علينا جميعًا، لكنا (بلا استثناء) في مواطن نخجل أن يرانا فيها أقرب الناس إلينا.
الذين يتسابقون إلى نشر صور الناس في لحظات ضعفهم، أو مقاطعهم في لحظات انكسارهم، هم شركاء في الإثم، ومشاركون في الجريمة. بل إنهم بوعي أو بغير وعي أشد إيذاءً من صاحب الفعل نفسه، لأنهم يضاعفون أثره، ويضمنون بقاءه متداولًا على مر الأيام، بعد أن كان حادثًا عابرًا. والحق أن من يتاجر بفضائح الناس لا يقل خطورة عن من يقترفها، فكلاهما يهدم جدار القيم، لكن الثاني على الأقل قد يندم، أما الأول فلا يعرف سوى الشماتة والتشهير! ومن لم يتعظ بستر الله عليه، فلينظر في لحظة ضعف عاشها، أو خطأ وقع فيه، ثم يسأل نفسه، ماذا لو كانت تلك اللحظة قد تحولت إلى مادة على هواتف الناس يتناقلونها ويضحكون عليها؟ أيحتمل أحدنا أن يكون فرجة في مقاطع الواتساب أو مادة للقهقهة على الفيسبوك؟
لا أحد منّا في مأمن من الزلل، لكن الفرق كل الفرق بين من يذنب ويستتر، وبين من يذنب الناس في حقه مرتين. مرة بالفعل، ومرة بالنشر والفضيحة. وما لم نضع حدًا لهذه الظاهرة، فسوف نصحو على مجتمع منكشف بلا ستر، منزوع الحياء، تحكمه ثقافة التشهير والشماتة بدل ثقافة الإصلاح والتوبة. وعندها لن ينجو أحد من مقصلة الفضيحة، ولا من لعنة التداول.
ولذلك أقولها بوضوح، من ينشر عورات الناس، ويحوّل خطايا الأفراد إلى مادة عامة، هو أفسد للمجتمع من الخاطئ نفسه. وهو أولى بالإنكار والردع، لأنه يخرق جدار الستر الذي لو زال، لانكشفنا جميعًا. ومن يسخر اليوم من فضيحة غيره، فليضحك ملء شدقيه، فالدور سيأتيه، وعندها سيبكي وهو عارٍ كما وُلدته أمه، يتمنى ساعتها أن يبتلعه التراب قبل أن تبتلعه هواتف الناس!
والسلام
mohamedabdelgadir405@gmail.com
محمد عبدالقادر محمد أحمد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم