د. محمد عبدالله
لا تخاض كل الحروب بالسلاح. فبينما تستقطب أصوات المدافع وعدسات الكاميرات اهتمام العالم، تدور في الظل معركة أخرى لا تقل خطورة، لأنها تستهدف ما يبقى بعد انقضاء القتال: الأرض، والبيت، والمدينة، وحق الناس في العودة إليها.
في الخرطوم، حيث اضطر ملايين السكان إلى النزوح تحت وطأة الحرب، أخذ يتشكل مشهد جديد. حركة نشطة في سوق العقارات، وصفقات بيع وشراء متسارعة، ووسطاء يتنقلون بين الأحياء التي أخلاها سكانها، وأموال تبحث عن الأراضي والمنازل التي عجز أصحابها عن حمايتها أو حتى متابعتها. وما يلفت الانتباه ليس مجرد تنامي النشاط العقاري، وإنما توقيته، وما يثيره من تساؤلات حول طبيعة الجهات التي تتحرك في هذا السوق خلال واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ السودان.
يتداول سودانيون، في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي، روايات متزايدة عن دخول جهات ذات نفوذ سياسي ومالي، إلى جانب أفراد وشبكات وساطة، في سباق للاستحواذ على العقارات داخل العاصمة. وقد يصعب التحقق من كل حالة على حدة، غير أن تكرار هذه الروايات، وتزامنها مع حركة غير اعتيادية في السوق، يثير أسئلة مشروعة لا ينبغي تجاهلها.
ولم تعد منصات التواصل مجرد فضاء لتبادل الأخبار، بل تحولت إلى مساحة للتحذير من عمليات بيع يصفها أصحابها بالمشبوهة، ومن محاولات لاستغلال غياب الملاك أو ظروفهم القاسية. وقد تصح بعض هذه الروايات، وقد يثبت بطلان بعضها الآخر، لكن مجرد انتشار هذه المخاوف يكشف حجم القلق الذي يعيشه السودانيون على ممتلكاتهم في زمن الحرب.
وإذا صحت هذه المؤشرات، فإن الأمر يتجاوز حدود الاستثمار العقاري الطبيعي. فقد تتحول ملكية الأرض إلى إحدى أدوات إعادة تشكيل موازين النفوذ في السودان بعد الحرب. فامتلاك العقارات في العاصمة ليس مجرد استثمار مالي، بل قد يصبح وسيلة لبناء نفوذ اقتصادي واجتماعي طويل الأمد، والتأثير في ملامح المدينة ومستقبلها.
وليس جديداً في تاريخ الصراعات أن تبدأ السيطرة على المدن من بوابة العقار. فالحروب لا تغيّر خرائط النفوذ بالسلاح وحده، بل قد تعيد تشكيلها أيضاً عبر انتقال ملكية الأراضي والمنازل. وعندما تتغير ملكية الأحياء، تتغير تدريجياً تركيبتها السكانية وموازين القوة داخلها، وهو ما يجعل العقار أحد أكثر أدوات النفوذ هدوءاً وأطولها أثراً.
ويزداد هذا الاحتمال خطورة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان. فملايين النازحين لا يستطيعون الوصول إلى ممتلكاتهم، كما أن الضائقة الاقتصادية دفعت بعض الأسر إلى التفكير في بيع ممتلكاتها بأثمان لا تعكس قيمتها الحقيقية، فقط لتأمين احتياجاتها الأساسية أو بدء حياة جديدة في مكان آخر. وفي المقابل، توجد أطراف تمتلك السيولة والقدرة على اقتناص الفرص التي أوجدتها الحرب، وهو اختلال لا يمكن اعتباره انعكاساً لسوق طبيعية.
وفي مثل هذه البيئات تنشط عادة شبكات تستفيد من انهيار مؤسسات الدولة وضعف الرقابة وغياب أصحاب الحقوق. وقد لا تكون هذه الشبكات تنظيماً واحداً، لكنها تلتقي عند هدف واحد هو تحويل الفوضى إلى فرصة لتحقيق أرباح ونفوذ. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انتقال الملكية، وإنما في احتمال أن يكتشف آلاف النازحين، بعد انتهاء الحرب، أن معركتهم لم تعد تقتصر على إعادة بناء منازلهم، بل تمتد إلى إثبات ملكيتها من الأساس.
كما أن تحويل سوق العقارات إلى ساحة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية ومراكز النفوذ يحمل في داخله بذور نزاعات جديدة. فحين تصبح الأرض أداة لتعزيز النفوذ، فإن الخلافات التي خلقتها الحرب قد تجد طريقها إلى مرحلة ما بعدها بأشكال مختلفة، لتنتقل من ساحات القتال إلى ساحات القضاء، وربما إلى المجتمع نفسه.
ولهذا فإن مسؤولية المواطنين لا تقل أهمية عن مسؤولية الدولة. فمن الحكمة ألا يندفع أصحاب العقارات إلى البيع تحت ضغط الظروف الاستثنائية، وأن يحتفظوا بكل المستندات التي تثبت ملكياتهم، مع حفظ نسخ إلكترونية منها خارج مناطق النزاع، وتوثيق أي تعديات على ممتلكاتهم كلما كان ذلك ممكناً. كما أن التواصل بين أفراد الأسر والجيران لتبادل المعلومات حول أوضاع الأحياء والعقارات قد يسهم في الحد من محاولات الاستيلاء أو التلاعب.
أما الدولة، فإنها ستواجه، متى ما وضعت الحرب أوزارها، واحداً من أعقد الملفات القانونية والاجتماعية. فلا يمكن الحديث عن سلام مستدام إذا تُركت حقوق الملكية رهينة للأمر الواقع الذي فرضته الحرب. وسيكون من الضروري إخضاع التصرفات العقارية التي جرت خلال سنوات النزاع لمراجعة قانونية دقيقة، مع توفير آليات مستقلة وعادلة للفصل في المنازعات، وضمان حقوق الملاك الأصليين بعيداً عن أي نفوذ سياسي أو عسكري. كما أن تحديث سجلات الأراضي ورقمنتها، وتوفير وسائل آمنة لتوثيق الملكيات، سيكونان من بين أهم استحقاقات مرحلة إعادة بناء الدولة.
إن ما يثير القلق ليس مجرد ازدياد حركة البيع والشراء، بل احتمال أن تتحول الحرب إلى فرصة لإعادة توزيع الثروة العقارية بعيداً عن أصحابها الأصليين، مستفيدة من النزوح، والفقر، وغياب سلطة القانون. فإذا تُرك هذا الملف من دون رقابة أو معالجة قانونية مبكرة، فقد يصبح أحد أكثر الملفات تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، وربما يفتح الباب أمام موجة طويلة من المنازعات الاجتماعية والقضائية.
إن الحرب لا تنتهي دائماً عندما تصمت البنادق. فقد تبدأ بعدها حروب أكثر هدوءاً، لكنها أشد أثراً في مستقبل المجتمعات. وما يجري اليوم في سوق العقارات بالخرطوم، إن ثبتت صحته واتسعت دائرته، قد يكون أحد تجليات هذه الحروب الصامتة.
فالأوطان لا تُنهب بالسلاح وحده، بل قد تُنتزع أيضاً بعقود تُوقَّع في زمن الغياب، بينما ينتظر أصحاب البيوت لحظة العودة. وعندها قد يكتشف السودانيون أن استرداد الوطن لا يقتصر على استعادة مؤسسات الدولة، بل يبدأ أيضاً باستعادة البيوت والأحياء والحقوق التي لا يقل ضياعها خطراً عن ضياع الأرض نفسها.
إن حماية الأرض ليست قضية عقارية فحسب، بل هي قضية عدالة واستقرار وسلام اجتماعي. فالمدن لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما بثقة أهلها في أن ما تركوه قسراً سيظل في انتظارهم عندما يعودون. ومن هنا، فإن صون حقوق الملكية يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من أي مشروع لإعادة بناء السودان، لأن الدولة التي تعجز عن حماية بيوت مواطنيها، ستجد صعوبة في إقناعهم بأن الحرب قد انتهت بالفعل.
muhammedbabiker@aol.co.uk
